كثير من خبراء الاقتصاد قدموا تفسيرات للفجوة بين الاغنياء والفقراء في بريطانيا والولايات المتحدة تركزت حول انتقال الطلب من العمال غير المهرة إلى العمال الماهرين. وسواء كان هذا من قبيل ارتفاع حدة المنافسة العالمية او التغيرات التقنية, فهو يوضح انخفاض الاجور في حدها الادنى في بريطانيا والولايات المتحدة واستمرار معدلات البطالة المرتفعة في اوروبا, حيث ان الحد الادنى الفعال للاجور يعني ان العمال غير المهرة اصبحوا عاطلين بدلاً من انخفاض اجورهم. هذه التفسيرات دخلت كثباً اقتصادية تدرس في الجامعات, لكنها ليست صحيحة على اطلاقها وتنطبق إلى حد ما فقط. اولاً لابد ان نلاحظ اختلاف والتجارب بين الدول. فأول تناقض يتضح بين الولايات المتحدة وكندا اللتين تشتركان في حدود طويلة وعضوين في منظمة النافتا او منطقة التجارة الحرة لامريكا الشمالية. لكن هناك اختلاف بين انماط التفاوت في الدخل. فلماذا لا تنطبق النظريات على الوضع في كندا؟ النقطة الثانية الواضحة هي انه رغم ان تفاوت الدخول في الولايات المتحدة جذب الاهتمام, فإن تفاوت الدخول في بريطانيا يفوق نظيره الامريكي مرتين ونصف المرة. فلماذا تأثرت بريطانيا بهذا الشكل بتغير الطلب من العمالة غير الماهرة إلى العمالة الماهرة؟ وتجربة هولندا تثير مزيداً من التساؤل والدهشة. فهل الارتفاع في تفاوت الدخول تغير وقتى ام اتجاه مستمر؟ تشير الارقام الهولندية ان هناك تغيراً كبيراً حدث في الثمانينات ثم حدث بعده استقرار. ويوضح الفحص الدقيق للارقام الامريكية الذي سمحت به المراجعة الرئيسية في وسائل جمع البيانات في عام 1993 انه لم يحدث ارتفاع في درجة التفاوت منذ ذاك العام. كان الاتجاه دائرياً في بريطانيا في الفترة من 1990 حتى 1997 وليس اتجاهاً صعودياً. غير انه من الصعب القول ان اثر العولمة او التغير التكنولوجي قد تم استيعابهما او حتى تم توقعهما بالكامل خلال فترة الثمانينات. وتشير الادلة إلى ان هناك تفسيرات اخرى لارتفاع معدل التفاوت في الدخول. هناك سبب هام في بريطانيا خلال النصف الثاني من الثمانينات هو سوء توزيع المزايا والضرائب ويمكن ازالة هذا السبب. فقد اثبت ديفيد بياشود من كلية لندن للاقتصاد وهولي ساذرلاند من جامعة كمبريدج مثلاً ان ارتفاع المزايا لمن لديهم اطفال واجراءات اخرى تم اتخاذها منذ عام 1997 قد خفضت الفقر بشكل كبير بين الاسر التي تعول اطفالاً. غير ان المكاسب لابد ان تشكل عنصراً هاماً في ايضاح الارتفاع في معدل التفاوت بين الدخول لانها تشكل الغالبية العظمى من دخول الافراد. لقد تخيل جان بين الخبير الاقتصادي الهولندي مسيرة يمر خلالها البشر مع وجود نسبة بين طول الفرد ودخله على ان يكون الشخص الاوسط او المجموعة الوسطى بطول خمسة اقدام وتسع بوصات. وبناء على ذلك وجد ان افقر العمال في بريطانيا يصل طولهم )حسب نسبة الدخل( إلى ثلاثة اقدام وفي الثمانينات انخفضت دخولهم النسبية كما توقعت النظريات. غير انهم في التسعينات اصبحت اوضاعهم غير ذلك تماماً. وكذلك في الولايات المتحدة كانت الحدود الدنيا للاجور في ارتفاع خلال السنوات العشر الماضية. حقيقي ان انتشار وتوزيع العائدات يتسع, لكن سبب ذلك يأتي من الحدود العليا للاجور. هذا يجعل هناك نوعاً من التعقيد فيما يجب ايضاحه وتفسيره, وهو ارتفاع اجور او دخول اصحاب الاجور المرتفعة اصلاً. يميل البعض للتفكير في اجور المديرين التنفيذيين. يعني التسلسل في عملية اتخاذ القرار ان الشركات تبحث عن كبار المديرين وتعني الندرة ان الذين يعتقد انهم اصحاب افضل المواهب يمكن ان يحصلوا على أفضل الاجور. العولمة ترفع من هذه الاجور وكذلك التغير في قطاع الشركات نحو تعظيم قيمة اصحاب الاسهم. كما تحصل المواهب العليا ايضا على اجور عالية في مجالات مثل الترفيه والرياضة والفنون وقد ساعد التغير التقني كبار النجوم على السيطرة على الاسواق. ولا يمكن ان يدخل هؤلاء في الرسم البياني المرفق لأن الذي يكسب مليون جنيه استرليني سواء كان مديراً تنفيذياً او فناناً او رياضياً سوف يصل طوله إلى 300 قدم حسب النسبة بين الطول والدخل. واذا تركنا الطبقة العليا فماذا يكون التفسير للارتفاع في الاجور النسبية؟ يعتقد الخبراء انه لابد من الاعتراف بدور القوانين الاجتماعية او عادات وتقاليد الاجور مع التغيرات التي تعكس التحول في العادات الاجتماعية. في الوقت الذي ترى فيه النظريات الاكاديمية ان تفسير الاختلاف في ارتفاع الاجور يرجع ببساطة إلى العرض والطلب, لابد ان تعود إلى الكتابات السابقة عن الاختلافات في الاجور التي تفرق بين تفسيرات راجعة إلى قوة السوق وتفسيرات اجتماعية ومؤسساتية. نفترض ان هناك تقليداً يحد من مستوى الاجور بحيث لا يرتفع اجر الشخص الا عن طريق زيادة مهارته او قوى السوق. اذا طبقنا هذا القانون, نجد ان سياسة الشركات في دفع الاجور متغيرة والعمال المهرة يمكن ان يكونوا تحت قاعدة تقاليد رفع الاجور. غير ان هناك عاملين آخرين يحتمل ان تكون اجورهم مرتفعة ويقبلون هذا التقليد ا يضا لانهم يعتقدون انهم اذا كسروا هذه القاعدة سوف يسبب انخفاض سمعتهم المهنية. وتضع الشركات سياسة رفع الاجور على اساس الارباح المتوقعة, والتي تعتمد على نسبة العاملين الذين يقبلون عروضاً مختلفة في الاجور. النتيجة هي نسبة الوظائف التي تتفق مع تقاليد دفع الأجور فإذا كانت هذه النسبة اقل من عدد السكان الذين يؤمنون بتقاليد رفع الأجور, فسوف يسقط هذا التقليد. ويلتقي الاقتصاد اما مع مستوى مرتفع من التوافق له تقاليد او لا يوجد توافق وذلك على اساس الظروف المبدئية القائمة. العنصر المهم هو عنصر مجرد لكنه يمكن ان يفسر بعض التجارب قيد الملاحظة, فيمكن ان يكون تغير مرحلي. فالصدمة التي يتلقاها النظام يمكن ان تغير توافق المجتمع مع تقاليد رفع الاجور وبالتالي انخفاض الاختلاف بين الاجور وتحدث حالة يحصل فيها كل فرد على أجره على اساس مكانته في السوق. قد تكون هذه الصدمة هي التغير في قطاع الشركات المشار اليه سابقا وهو ارتفاع الاهتمام بتحقيق الارباح على المدى القصير. وكما قال وزير الخزانة الامريكي لاري سومرز هناك قوى سوق اتجهت الى ان يحصل كل فرد على اجر اعلى مثل مندوبي المبيعات على اساس ما يحققونه. ويمكن ان يفسر تقليد رفع الاجور )الاجتماعي( الاختلافات بين الدول. تأييد التقليد يعتمد على مدى الاختلافات التي تؤثر في الانتاجية. فعند ما يكون الناس متناغمين كما هي الحال في دول اسكندنافيا, يكون هناك احتمال اكبر للالتزام بتقليد اعادة توزيع الاجور. ماذا يعني ذلك بالنسبة للسياسة؟ يعني ان السياسات التي يؤيدها الكثيرون بشأن الحصول على المهارات لا تزال صالحة, من ناحية, ومن ناحية اخرى فإن دلالات السياسة تختلف. مثلا دور سياسة رفع الاجور في القطاع العام. فإن تطبيق قاعدة الاجور وفقا للأداد في القطاع العام يمكن ان يؤثر على تقاليد دفع الاجور في قطاعات اخرى. والاهم من ذلك مدى تعمق القوة الرافعة في التربة الاجتماعية وليس في التجارة او التكنولوجيا, وهذا يعني ان هناك مجالا ارحب للقيادة السياسية. ويمكن ان تتأثر تقاليد اختلاف الاجور بقرارات سياسية فليست قوى السوق هي العامل المؤثر الوحيد. وول ستريت جورنال