قليل هم الذين يتذكرون هذه القصة, لكن بالعودة الى مطلع السبعينيات قبل أي حديث تردد عن النمور الآسيوية أو الاقتصاد الجديدة نتذكر ان البعض كان يعتقد ان البرازيل هي معجزة اقتصادية, فقد سجلت البرازيل في ذاك الوقت معدل نمو بنسبة 10% أو يزيد, اضافة الى التفاؤل الذي أحاط باقتصاد البلاد, مما جعلها نموذجا لدول العالم الثالث برغم وجود بعض التفاوت والتناقضات الكبيرة. لكن السنوات التالية لم تكن على هذا المنوال, حيث شهدت ارتفاعا في معدلات التضخم وفشل المشروعات والشركات واخفاق الخطط الاقتصادية واللجوء الى خفض العملة المحلية وغالبية هذه المشكلات وقعت بسبب القيادات السياسية. وبعد عام من الأزمة في العملة, أصبحت البرازيل مرة اخرى على أعتاب دورة جديدة من النمو الاقتصادي. الأكثر من ذلك ان التوسع والنمو الجاري في الاقتصاد لم يكن واضحا خلال العقود الثلاثة الماضية, وقد تم الآن ازالة الحواجز التجارية وتم بيع غالبية أصول القطاع العام ووقف الدعم للقطاع الخاص. ويقول وزير المالية السابق مارشيلو ماركيز موريرا ان هذا هو أفضل معدل نمو يتحقق الآن منذ السبعينيات. تتحدى البرازيل التهديدات الاقتصادية والسياسية منذ يناير من العام الماضي عندما حدث انخفاض العملة الذي اعتقد كثير من المحللين انه سوف يؤدي الى كارثة اقتصادية. والتزمت الحكومة الائتلافية بالخطة الاصلاحية الاقتصادية برغم غضب الناخبين من تطبيقها, وقاومت الحكومة ضغوطا من بعض حلفائها في الكونجرس بتطبيق زيادة في الحد الادنى للأجور بنسبة 30%. وفي الوقت نفسه لم يعد ارتفاع التضخم عامل تهديد ولم يتعثر النظام المصرفي ورفض المستهلكون الاسعار المرتفعة والآن يبدو ان الاقتصاد البرازيلي يعود الى معدلات النمو المستمرة المستقرة. كان في القلب من الانتعاش الاقتصادي نظام مالي وضعته الحكومة. وتزداد عائدات الضرائب واستطاعت البرازيل لأول مرة منذ بضع عقود ان تسيطر على العجز في الميزانية وان تفي بمتطلبات الميزانية التي وافق عليها صندوق النقد الدولي. وافق الكونجرس منذ أشهر قليلة على قانون المسئولية المالية الذي يضع قيودا جديدة على الانفاق العام ويفرض حدودا على الولايات والبلديات وفق ما قاله رئيس البنك المركزي البرازيلي. ومهد قانون الميزانية الطريق أمام انخفاض أسعار الفائدة ورغم ان أسعار الفائدة قصيرة المدى بنسبة 12% لاتزال مرتفعة بالمعايير الدولية, فهي أقل مما كانت عليه في البرازيل خلال العقد الماضي. واذا سمحت الظروف الدولية من المتوقع ان تنخفض أسعار الفائدة مرة اخرى. وبدأت علامات التحسن تظهر على الميزان التجاري وساهم خفض سعر العملة بنسبة 30% مقابل الدولار الامريكي في يناير الماضي بارتفاع الصادرات. الاستثمارات الاجنبية ساهمت الاستثمارات الاجنبية بشكل كبير في الانتعاش الاقتصادي في البرازيل. واستثمرت الشركات متعددة الجنسية نحو 30 مليار دولار هناك العام الماضي وبلغ اجمالي الاستثمارات الاجنبية المباشرة في البرازيل خلال السنوات الخمس الماضية 100 مليار دولار امريكي, برغم الغموض الذي اكتنف الاوضاع الاقتصادية للبلاد. وساهم الارتفاع في الاستثمارات في حدوث ارتفاع كبير في الانتاجية وكذلك سياسات التمويل وتحسن عجز الحساب الجاري. وساهم ايضا في ايجاد قاعدة صناعية غير مركزية على كفاءة عالية وحديثة. تجربة مصانع هيرنج توضح تجربة مصانع هيرنج للنسيج في ولاية سان كاترينا كيف تغير الاقتصاد البرازيلي خلال العقد الماضي عندما كان الاقتصاد البرازيلي مغلقاً كانت مصانع هيرنج للمنسوجات تركز على انتاج القمصان القطنية, غير ان ازالة او خفض الحواجز التجارية في التسعينيات اضطر الشركة الى تحديث نفسها. وقال اولريك كون المدير الاداري للشركة انهم بدأوا يتساءلون عن مستويات الاسعار التي يمكن ان يوفرها السوق وليس عن التكلفة التي تتحملها الشركة. واستثمرت هيرنج بشكل مكثف في ايجاد علامات تجارية لمجموعة جديدة من ملابس السوق المتوسطة. وفتح مئة منفذ لتجارة التجزئة واما اوكلت الانتاج الاساسي لاطراف اخرى او نقلت قواعده إلى الشمال الشرقي حيث تنخفض تكلفة العمالة. ارتفاع الصادرات بدأت الصادرات في الارتفاع مرة اخرى بعد انخفاض حاد في التسعينيات عندما كانت اسعار العملة اكثر من قيمتها المتبقية. ويرجع ذلك لاسباب منها التوصل إلى صفقات مع تجار تجزئة معروفين مثل (جاب) . وقال كون المدير الاداري لشركة هيرنج للمنسوجات انه كان عليهم ان يتعلموا كل شيء من جديد. لكن البرازيل شهدت بدايات انتعاش كاذبة خلال العقود الماضية, لذلك فالسؤال الحيوي الذي يطرح نفسه هو اذا كانت البداية الحالية لانتعاش اقتصادي سوف تستمر ام لا. وهناك عدة اسباب تشك في استمرار هذه الموجة الجديدة من الانتعاش الاقتصادي حتى قبل هذا الانتعاش, تواجه البرازيل تهديداً بالتعثر بسبب الانخفاض الاخير في مؤشر ناسداك الامريكي ورفع اسعار الفائدة الامريكية. وانخفض مؤشر البورصة البرازيلية 19% منذ مارس العام الجاري, وتعرضت العملة المحلية لضغوط واتسع انتشار السندات. المشكلات الاقتصادية الارجنتينية واضافت المشكلات الاقتصادية التي تواجه الارجنتين شعورا جديدا بعدم الارتياح, ويعتقد كثير من الخبراء في الاقتصاد في البرازيل ان البنك المركزي خسر فرصة خفض اسعار الفائدة مرة اخرى في وقت سابق من العام الجاري. غير ان استجابة الاسواق كانت جيدة بالنسبة لهذه الصدمة الخارجية مقارنة برد فعلها ابان الازمتين الروسية والآسيوية. ويعتقد غالبية خبراء الاقتصاد ان عدم الاستقرار سوف يؤجل الاتجاه نحو مزيد من خفض اسعار الفائدة لكنه لن يلغيه تماما. ولابد من النظر الى الفائض التجاري المتوقع ان يصل الى 4 مليارات دولار امريكي خلال العام الجاري, ولابد ان يرتفع الى 10 ـ 15 مليار دولار حتى يتم النمو الاقتصاد. السياسات المالية الخطر الاخر الرئيسي هو الرضا عن السياسة المالية. النتائج المالية الجيدة التي تحققت العام الماضي جاءت عن طريق الارتفاع في الضرائب قصيرة المدى والمعدلة, ولاتزال هناك اصلاحات اخرى, خاصة انظمة المعاشات والضرائب, متعثرة امام الكونجرس. ويقول ماركيز موريرا اذا نظرت الى تاريخ البرازيل تجد ان اكبر المخاطر يأتي من جانب السياسات المالية. لكن اهمية اصلاح نظام المعاشات والضرائب تفوق الاثر الفوري للسياسات المالية. كا انها ايضا مسألة حيوية ان ترتفع المدخرات والاستثمارات الى المستويات المطلوبة لتحقيق معدل نمو اقتصادي مرتفع ومستمر, وخفض اعتماد البرازيل على التدفقات النقدية العالمية المتقبلية. ويقول والترمولانو الخبير الاقتصادي في. بي. سي. بي للأوراق المالية في الولايات المتحدة ان غالبية مشكلات البرازيل وسهولة تعرضها لأخطار اقتصادية يرجع الى انخفاض معدل نمو المدخرات. اصلاح نظام المعاشات والضرائب وسوف يؤدي اصلاح نظام المعاشات الى خفف العبء المالي فضلا عن تحرير مزيد من المدخرات. وسوف يقضي اصلاح النظام الضريبي على العوامل التي تمنع ارتفاع الاستثمارات وهناك حاجة ايضا الى مجموعة من الاصلاحات التنظيمية والقانونية لزيادة فعالية اسواق المال المحلية. ويقول خوسيه روبرتو مندونكا احد كبار المسئولين السابقين في وزارة المالية ان الاقتصاد يمكن ان ينمو بنسبة تزيد على 4% سنويا بشرط ارتفاع المدخرات والاستثمارات. باختصار اذا ارادت البرازيل ضمان تحقيق معدل نمو مرتفع لابد الا تتراجع في الاصلاحات الهيكلية. غير ان القيادة السياسية اعلنت من قبل ان الاصلاحات الاقتصادية قد انتهت. الاكثر من ذلك انها تواجه اجندة سياسية معقدة حيث تفجرت مطالب اجتماعية كانت مؤجلة منذ سنوات الازمة الاقتصادية, لان الانتعاش بدأ يطرح اثاره الجانبية. فهناك مطالبة بزيادة عدد المدارس وتحسين مستوى المستشفيات واتخاذ اجراءات للحد من ارتفاع معدل الجريمة. ويقول احد المسئولين ان هذه المطالب هي اخطر معركة تواجه البرازيل مع عودة الاقتصاد الى مساره الصحيح, حيث يجد القادة السياسيون ان هناك فواتير متأخرة لابد من دفعها للمجتمع. كتب المحرر الاقتصادي