قرضت التحركات الحادة والمفاجئة لاسعار النفط بالاسواق العالمية تساؤلات عديدة حول المستفيد الحقيقي من تلك القفزات التي تصب معظم عوائدها في خزائن شركات بترولية ضخمة تملكها الدول المتقدمة التي تتصدر في الوقت ذاته قائمة المستهلكين. الذين رفعوا اصواتهم بالصراخ بدعوى انهم الضحية الوحيدة للاوضاع غير المستقرة في أسواق البترول. وبينما واصل المستهلكون والمنتجون التراشق بالاتهامات عاودت اسعار النفط تذبذبها في الاسواق العالمية صعودا وهبوطا ففي الوقت الذي حقق فيه خام برنت اعلى مستوياته منذ عشر سنوات اوائل الاسبوع الماضي حين تجاوز مستوى 32 دولارا دولارا في اسواق لندن عادت الاسعار إلى هدوئها وانهى برنت تعاملات امس الاول عند مستوى 44.30 دولاراً للبرميل. وهناك دعوات لمنتجي النفط للدفاع عن مصالحهم وتوحيد صفوفهم في تلك المرحلة التي تعد مفترق هذا إلى جانب تحمل المسئولية تجاه الاسواق باعتبار الاوبك تتحكم في نحو 40 بالمئة من امدادات النفط العالمية. كما سبق الموقف السعودي بيانا اصدره زعماء الدول الصناعية الثماني الكبرى عقب قمتهم التي عقدت في اوكيناوا باليابان خلال يوليو الماضي اكدوا خلاله ارتياحهم لوتيرة النمو في الاقتصاد العالمي واعربوا عن قلقهم من الارتفاعات المتوالية لاسعار النفط واعتبروها الهاجس الرئيسي لذلك النمو. ولفت الخبراء الى عاملين مهمين قد يكونان سببا فى تصعيد الضغوط التى تتعرض لها الدول المنتجة للنفط في الفترة المقبلة سواء علنا في تحليلات الصحف ووسائل الاعلام الغربية او عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية. وقالوا ان اول هذين العاملين هو الانتخابات الرئاسية الامريكية التى دارت رحاها مبكرا بين المرشحين الديمقراطى أل جور والجمهورى جورج بوش الابن وثانيهما احتياج الدول المستهلكة الى بناء مخزونات كافية لفصل الشتاء المقبل. ولاحظوا ان الجمهوريين استغلوا اسعار البترول كسلاح اشهروه فى وجه الادارة الديمقراطية الحالية واعتبروه دليل عجز عن تحقيق مصالح المواطن الامريكى المعنى اساسا بالساحة الداخلية اكثر من غيرها خاصة عندما يتعلق الامر بالتضخم والاسعار والبطالة والضرائب وماشابه من امور حياتية يلمسها المواطن العادى (الناخب) يوميا. وتوقع الخبراء ان يستمر النفط عاملا مؤثرا فى الحياة السياسية الامريكية حتى عقب انتهاء الانتخابات حيث سيواجه الرئيس الجديد للولايات المتحدة مشكلة اخرى هى نقص المخزونات في فصل الشتاء الامر الذى ينذر بتجاوز سعر البرميل مستوى وتعود جذور المشكلة التى تعيشها اسواق النفط العالمية حاليا الى منتصف عام 1997 حينما اصدرت الاوبيك قرارا في ختام اجتماع وزارى لها بزيادة امداداتها من النفط الى الاسواق العالمية بما يجاوز مليوني برميل يوميا للاستفادة من هبوط انتاج النفط العراقى الا ان نقصا حادا في الطلب الاسيوى اثر الازمة الاقتصادية التى ضربت شرق وجنوب شرق آسيا انذاك قاد الاسعار الى انخفاضات حادة وصلت ذروتها اواخر عام 98 حين تراوح سعر البرميل من خام برنت حول مستوى عشرة دولارات فقط . وطوال عام كامل هو 1998 حاول المنتجون عبر سلسلة من التخفيضات تجاوزت اربعة ملايين برميل يوميا اقالة الاسعار من عثرتها والعودة بها الى مسارها الطبيعى الا ان تداعيات الازمة الاسيوية حالت فى البداية دون ذلك قبل ان تستعيد الاسعار عافيتها مع ظهور بوادر انتعاش اقتصادى في الولايات المتحدة وعودة حثيثة للاقتصاديات الآسيوية. وحمل شهر مارس من العام المنقضى الانباء الطيبة لمنتجى النفط اذ بدأت الاسعار فيه موجة ارتفاع وصلت ذروتها مؤخرا حين تجاوز سعر البرميل من خام برنت مستوى 32 دولارا. وبالرغم من المعاناة الشديدة التى لقيها المنتجون طوال فترة انخفاض الاسعار والخسائر الضخمة التى تكبدوها لم يبد المستهلكون قلقا ازاء ذلك واكتفوا بجنى الارباح المتخلفة عن انخفاض فاتورة وارداتهم النفطية وما ان بدأت الاسعار في الارتفاع حتى علت الاصوات لتطالب المنتجين بوقف النزيف الذى يتعرض له الاقتصاد العالمى وهو ما كان له اكبر الاثر على الاوبيك التى بادرت برفع سقف انتاجها بنحو 5.2 مليون برميل يوميا من خلال قرارين منفصلين فى شهرى مارس ويونيو من العام الجاري. تجدر الاشارة الى ان منظمة البلدان المصدرة للبترول (اوبيك) تتحكم في نحو 40 بالمئة من امدادات النفط العالمية وتمتلك نحو 70 بالمئة من احتياطيات النفط في العالم وتتألف من احدى عشرة دولة هى السعودية, الكويت, الامارات, ايران, العراق, قطر, الجزائر ليبيا, نيجيريا, فنزويلا واندونيسيا. من جانبها قالت صحيفة سعودية امس أن المستفيد من ارتفاع أسعار النفط العالمية هو الحكومات والشركات الغربية وتفوق استفادتها عوائد الدول المنتجة من ذلك الارتفاع. وأوضحت صحيفة الرياض في مقالها الافتتاحي أن الدول الغربية (هي المستفيدة من الارتفاع والانخفاض )في أسعار النفط( سواء كان المستفيد الشركات العملاقة أو المستهلك العادي. وهذه كلها جاءت لان الدول الكبرى أسست مراكز الدراسات والابحاث وتكفي الاشارة إلى هيئة الطاقة الدولية التي قامت بعد أزمة النفط في السبعينيات, وهي الذراع الفكري والعلمي للدول الكبرى المستهلكة التي يرجع إليها الباحثون ووسائل الاعلام لتقصي الحقائق حول أوضاع النفط) . وتابعت: (يبرز هذه الايام مدى قدرة الدول الكبرى على إحداث التأثير المباشر المرغوب على الرأي العام العالمي و يقوم على إبراز تجمع الدول المنتجة الرئيسية للنفط على أنها تكتل لاحتكار الطاقة في العالم وتقدم كذلك الاثر السلبي على النمو الاقتصادي وما سوف يتعرض له من آثار تضخمية ضارة في الاقتصاد العالمي) . وقالت الصحيفة: (مثل هذه الحرب النفسية تتكثف الآن قبل اجتماع قمة أوبك )منظمة الدول المصدرة للنفط( في 26 من سبتمبر المقبل) , مضيفة أن (حقائق مثل من هو المستفيد الحقيقي من ارتفاع الاسعار أو ما هو المصدر الاساسي الملوث للبيئة ومن المتضرر من الضرائب المتصاعدة على الطاقة ومشتقاتها ومن الذين يرفعون نسبة التضخم العالمي من المضاربين في أسواق المال. هذه الحقائق لا أحد يعرف عنها لان دول أوبك لم تستثمر في قضايا الطاقة إعلاما ودراسة بل تركت ذلك للاخرين وهؤلاء لا يلامون فهم يلعبون بالادوات التي يغلبون بها .. وهل هناك أمضى من سلاح العقل والمعرفة؟) . وأشارت الرياض إلى أنه (منذ أن كانت أسعار النفط تزحف على بطنها كسلحفاة عرجاء في الستينيات وعقود خلت قبلها وحتى صدمة النفط في العام ,1973 كان العالم الغربي يستمتع بنعمة النفط لان تلابيب الصناعة استكشافا وإنتاجا وتسويقا وتصنيعا كانت بيده ثم جاءت سنوات ارتفاع الاسعار لبضع سنوات وكانت رغم سلبياتها قصيرة المدى إلا أنها كانت سببا إيجابيا مباشرا دفع بالمجتمعات الغربية وحكوماتها إلى تبني استراتيجية طويلة المدى للطاقة أدت إلى إيجاد أوضاع جديدة في سوق النفط) . وتابعت: (ومنها تبني سياسات ضريبية لأجل توجيه السلوك الاجتماعي للاستخدام الامثل للطاقة وإتباع أنماط جديدة لملكية النفط وتسويقه والسيطرة على منافذ توزيعه )وهذا تعزز الان بالاندماجات العالمية بين الشركات النفطية الكبرى( وكل هذه أدت إلى بروز حقائق جديدة للأسف غير معروفة للشارع الغربي وهي أن المستفيد من ارتفاع أسعار النفط هو الحكومات والشركات الغربية وهذه تفوق استفادتها عوائد الدول المنتجة التي هي الأخرى تلوم نفسها على ارتفاع الأسعار) . وكانت الصحيفة قد ذكرت الخميس الماضي ان الاوبك لن تتخذ قرارا بشأن مستوى إنتاجها النفطي قبل اجتماعها الوزاري المقبل المقرر عقده في العاشر من سبتمبر في فيينا رغم أن أسعار النفط جاوزت 30 دولارا للبرميل خلال الايام القليلة الماضية. ولم يؤثر الارتفاع الكبير في اسعار النفط الذي تواصل امس الاول في لندن ونيويورك, في مواقف منظمة الدول المصدرة للنفط )اوبك( التي ترفض على ما يبدو رفع انتاجها قبل اجتماعها المقبل في سبتمبر. وبلغ سعر برميل نفط (برنت) تسليم اقرب فرصة في اكتوبر, 48.30 دولارا في سوق لندن الدولية, مقابل 40.30 دولارا عند الافتتاح و30,16 دولارا عند الاقفال الخميس. وفي نيويورك, اقفل سعر برميل النفط المرجعي الخفيف تسليم اقرب فرصة في سبتمبر, على 31,95 دولارا مقابل 31,94 دولارا مساء الخميس. وبلغ سعر برميل النفط في سلة مرجع اوبك 11.29 دولارا الخميس وقد اجتاز عتبة 28 دولارا منذ اربعة ايام متتالية. وكانت المنظمة النفطية اقرت الية غير رسمية في نهاية مارس لم تطبقها ابدا تقضي برفع انتاجها بمعدل 500 الف برميل في اليوم في حال تجاوز سعر برميل النفط 28 دولارا خلال عشرين يوما متتاليا. ويشير المحللون الى ان عددا متزايدا من اعضاء المنظمة النفطية مرتاحون لسعر 28 دولارا للبرميل في سلة المرجع. وقال الخبراء في مؤسسة (جي ان اي) للصيرفة في لندن (المشكلة ان اوبك اعلنت في الماضي مستويات الاسعار التي تعتبرها مناسبة, ففي مارس 1999 كانت المنظمة راضية عن سعر 15 دولارا للبرميل ثم اصبح السعر 18 دولارا للبرميل ثم بين 18 و20 دولارا ثم 21 دولارا ثم بين 20 و25 دولارا واخيرا 25 دولارا) . ولم تعد السوق التي اتعبها عدم استقرار الاسعار, تعتقد بامكانية تطبيق آلية تثبيت الاسعار التي من المفترض ان تدخل حيز التطبيق في الثامن من سبتمبر في حال بقي سعر برميل النفط فوق عتبة 28 دولارا. غير ان المنظمة لن تتخذ اي قرار حول مستوى انتاج النفط قبل اجتماعها الوزاري المقبل المقرر في العاشر من سبتمبر في فيينا حسب التصريحات الاخيرة لرئيس المنظمة النفطية وزير الطاقة الفنزويلي علي رودريجز ومعلومات نشرتها الصحافة الرسمية السعودية. ومن جهته, دعا الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز الثلاثاء شركاءه الى (مواجهة ضغوط) البلدان الصناعية الساعية الى خفض سعر النفط. وقال اندرو هارتري المتخصص في المواد الاولية في مصرف (رويال بنك اوف سكوتلاند) ان (فنزويلا تحتاج الى كل سنتيم تستطيع ان تحصله من مبيعات النفط وان رفع انتاج المنظمة النفطية لن يحقق لها اي فائدة) . وقال (غالبية اعضاء المنظمة لديهم رؤية على المدى القصير فهم لا يرون ان اعتماد اسعار مرتفعة جدا للنفط سيضر بهم على المدى الطويل عبر خفض الطلب العالمي) . وحتى لو اقرت المنظمة رفع انتاجها في العاشر من سبتمبر, فان المخاوف حول مستوى مخزون النفط الخام لن تزول اذ ان هذا المخزون بلغ ادنى مستوياته منذ اكثر من عشرة اعوام في الولايات المتحدة الامر الذي يثير القلق حول امكان مواجهة ازمة نقص في الوقود الشتاء المقبل. وقال توني ماشاك المحلل في مؤسسة (برودانشيل بيش) ان (وصول النفط الى المصافي الشمالية يتطلب 45 يوما) . وتعول الاسواق حاليا على السعودية المنتج الاول للنفط في العالم اذ ان المملكة, التي هي في الواقع العضو الوحيد في المنظمة النفطية الذي يملك امكانات كافية لرفع انتاجه في شكل ملحوظ, المحت في مطلع يوليو الى انها ستطرح 500 الف برميل اضافي في اليوم في الاسواق (بسرعة) في حال بقيت اسعار النفط مرتفعة. ـ الوكالات