هل تحل تكنولوجيا المعلومات مشكلات الشعوب الفقيرة؟ من وجهة نظر عدد من المسئولين الدوليين, ومن بينهم جيمس ولفنسون, فإن الإجابة هي: نعم. حيث يرى هؤلاء أن امتلاك الشعوب الفقيرة لتقنية المعلومات على كونه خيارا حتميا تفرضه طبيعة العصر, وليس كما قد يظن تشتيتا لجهود هذه الشعوب في غير الاتجاه الصحيح, يسهم في علاج مشكلة الفقر كأعظم التحديات التي يمكن أن تواجه شعبا ما. فكأن الرسالة التي تريد وجهة النظر هذه إيصالها إلى الدول النامية والفقيرة, أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.. بل بالكمبيوتر أيضا! عندما ننظر إلى قضية تكنولوجيا المعلومات في سياق الاقتصاد العالمي الجديد المبني على العلم والمعرفة, لا يجب أن نغفل عن قضية أساسية أخرى وهي قضية الفقر والتنمية, وفي هذا الصدد يجب أن نعترف أن تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات ليست هي العصا السحرية التي ستحل المشكلات المتعلقة بالفقر. وحين ننظر إلى قضية الفقر علينا أن ننظر إليها في ضوء الواقع الذي تعيشه شعوب العالم التي تعاني من هذه المشكلة. فهناك ثلاثة مليارات شخص في العالم يعيشون بدخل يقل عن دولارين يوميا, بجانب مليار آخر يعيشون في فقر مدقع. إن التحدي الذي يواجهنا في ربع القرن المقبل, عندما يستقبل كوكبنا الأرضي مليارين إضافيين من البشر, وبالتالي يزداد التعداد الكلي لسكان العالم من 6 مليارات حاليا إلى 8 مليارات, هو كيفية مواجهة مشكلات الفقر وتحقيق مبدأ المساواة. ولذا فإن القضية يمكن التعبير عنها بالسؤال الآتي: إلى أي مدى تستطيع تكنولوجيا المعلومات وشبكة الإنترنت أن تؤثر في تناولنا لمشكلة الفقر ومواجهتنا للتحديات التي تفرضها هذه المشكلة؟ فالأمر الذي نحتاج أن نفعله إذا أردنا بالفعل أن نعالج هذه القضية, هو أن نعطي الفرصة للشعوب الفقيرة أن تساعد نفسها, ونعطي أنفسنا ـ كمجتمع دولي ـ الفرصة لتوفير المساعدات التي يمكن أن نقدمها إليهم بشكل أكثر تنظيما وفعالية. وإذا استطعنا أن نحقق هذين الأملين, فسيكون بوسعنا بعدها أن نتناول قضية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وفي هذا الصدد هناك حقيقة مهمة يجب إلقاء الضوء عليها أولا, وهي ما يعرف بالهوة التكنولوجية أو الهوة الرقمية بين شعوب العالم. فقد أشار أحد التقارير في هذا الخصوص أن 90% من الذين يستعملون شبكة الإنترنت في العالم, والذين يبلغ عددهم 276 مليونا حتى الآن, ينتمون إلى الدول المتقدمة أو ما يعرف بالعالم الصناعي. فعلى سبيل المثال نجد أن دولة مثل فنلندا بها أماكن اتصال واستخدام للشبكة يفوق ما تملكه كل دول أميركا اللاتينية والكاريبي مجتمعة! وإذا نظرنا إلى قضية الاستثمار في البنية التحتية للمعلومات, نجد أن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تستثمر في هذا المجال ما يعادل 130 دولارا للفرد الواحد, في حين أن دول شبه الصحراء الأفريقية تستثمر ما يعادل تسعة دولارات للفرد الواحد! إن الغرض من وراء عرض هذه الأرقام السابقة, ما هو إلا محاولة لتأكيد أن الهوة شاسعة بين العالم النامي والعالم المتطور, وهو الأمر الذي يشكل تحديا كبيرا لنا عند تناولنا لمشكلة الفقر. والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا الشأن هو: هل نريد الخبز أم الكمبيوتر؟ والإجابة هي أننا نحتاج الاثنين معا! فنحن عند معالجتنا لمشكلة التنمية لا يجب أن ننسى قضايا النمو, ولا ننسى الأنظمة القانونية والمالية والهيكلية, ولا يجب أن ننسى قضايا التعليم والصحة ولا استراتيجيات التنمية الريفية. فنحن يجب أن ننظر إلى تكنولوجيا المعلومات في ضوء ما تستطيع أن تقدمه لنا من مساعدة في علاج تحديات الفقر. ففي عالم اليوم نجد أن المجتمع المدني دائما يهاجم المؤسسات والصناديق المالية الدولية, وهذا في حد ذاته يمثل عائقا لأي تعاون مرجو في مسيرة المجتمع الدولي نحو معالجة مشكلة الفقر. فنحن إذا أردنا لتكنولوجيا المعلومات أن تنجح في علاج المشكلة, علينا أن نبدأ من جديد لترسيخ جذور التعاون بين جميع المؤسسات والمنظمات, فلن تحقق تكنولوجيا المعلومات الفائدة المرجوة منها إلا إذا كانت هناك أطراف تتعاون فيما بينها وتتبادل الأفكار والمعلومات والمعرفة. ففي عالم يتميز بمعدلات سريعة مثل عالمنا, نحن بحاجة إلى أن نتعلم من بعضنا البعض ونتبادل الأساليب والتقنيات الابتكارية التي أثبتت فعاليتها. وفي هذا الصدد يمكن طرح بعض المبادرات التي قام بها البنك الدولي لمعالجة مشكلات الفقر, والتي يأمل البنك أن يتعاون معه فيها العديد من الأطراف حتى يتم توسيع مدى الفائدة التي تحققت. ففي إحدى المناطق العشوائية داخل الهند, قام البنك بوضع جهاز كمبيوتر على أحد الجدران. وتم تركه مفتوحا كي يستعمله كل من في المكان من كبار وأطفال, ولم يتم توفير أية معلومات عن كيفية استخدام الكمبيوتر. وكل ما تم وضعه غير ذلك كان كاميرا كي يتم رصد ماذا سيحدث, وهل سيكون لوجود الكمبيوتر, بلغته الإنجليزية, وعدم توافر أية فرصة لتعلم كيفية استخدامه بلغة أهل المكان, تأثير أم لا؟ وحدث أنه في الأيام القليلة الأولى أن الأطفال في عمر 6 إلى 12 عاما حاولوا استخدام الجهاز, ثم من تصل أعمارهم إلى 16 وما قارب ذلك. ثم حدث أن ظهرت مجموعة من الصناديق! لماذا صناديق؟ حتى يتسنى للأطفال الصغار أن يصلوا للوحة التحكم التي تم وضعها منفصلة عن جهاز الكمبيوتر على الجدار. ولوحظ أن الآباء والسيدات لم يقتربوا من الجهاز. وبعد أسبوع من وضع الجهاز تبين أنهم كونوا لغة خاصة بهم للتعامل مع الكمبيوتر وتشغيل بعض الوظائف, وفي خلال شهر توصلوا إلى قناة ديزني وقاموا بعمل ملفات بلغة كانت غير معروفة سابقا لمعظمهم, ولكن كان البعض منهم على علم باللغة الإنجليزية, ولذا استفاد بعضهم من البعض الآخر واستطاعوا أن يتقدموا في استخدام الكمبيوتر. والآن هناك تكرار للتجربة في أكثر من 150 منطقة داخل الهند كي يتم رصد مدى التغيير الذي سيحدثه وجود الكمبيوتر في هذه الأماكن. إن الغرض من عرض مثل هذه المبادرات وغيرها هو تأكيد أنه بالفعل هناك إمكانية لتطوير استخدام الكمبيوتر والإنترنت داخل الدول النامية, فلابد أن تكون هناك محاولة لتوفير هذه الإمكانات لهذه الشعوب, وندعها تساعد نفسها على تعلم الجديد وتطوير مستواها. بيد أنه في هذا الخصوص يجب ألا نغفل عن نقطة مهمة وهي أنه أثناء التعاون مع الحكومات المعنية لتوفير مثل هذه الوسيلة التقنية داخل مجتمعاتها, يجب التأكد من أن توافر هذه الخدمات لا يكون بأسعار مرتفعة, وأن يكون للفقراء فرصة في استخدام هذه الخدمات بأسعار معقولة ومناسبة لإمكاناتهم. فهذه الحكومات يجب أن تضع في اعتبارها أن التعامل مع الإنترنت يجب أن يكون من ضمن الاحتياجات الأساسية التي يجب توفيرها للفقراء. ولاشك أن هذا الأمر ليس بالمستحيل, فقد تم تنفيذ برامج مماثلة في دول مثل أستونيا وكوستاريكا, وهناك العديد من الأمثلة التي يمكن الاستفادة منها في هذا الشأن كي يتم مساعدة هذه الحكومات في توفير هذا المطلب الحيوي لمعالجة الفقر, حيث يمكن تحقيق هذا عن طريق ترتيبات معينة تتعلق بالجمارك والضرائب المفروضة على الواردات وكل ما يتعلق بتوفير هذه الخدمات. فمن الآن وصاعدا لا يمكن التحدث عن الإنترنت أو أي من التقنيات الحاسوبية المتطورة على أنها من الكماليات, أو من الأشياء غير الضروية للشعوب الفقيرة. ففي الوقت الذي لا يمكن فيه حقا أن تكون شبكة الإنترنت وما تقدمه من خدمات بديلة للخبز, فإنها في الوقت نفسه تمنح الفرصة كي نوفر العلم والمعرفة للشعوب بكافة مستوياتها في شتى أنحاء العالم. وقد حان الوقت كي نعلم جميعا أهمية ذلك الأمر, وحان الوقت كي نقوم جميعا داخل المؤسسات الدولية والمؤسسات الخاصة والمجتمع المدني وكافة فئات المجتمع بالتعاون والتأكد من أن هذا العصر, بثورته الرقمية وليس بثورته الزراعية أو الصناعية, هو الذي سيمنح المساواة لشعوب العالم الفقيرة.