اكدت الدراسات التي اجريت عن السوق الاوروبية المشتركة ان لها تأثيرات بالغة الاهمية على النظام العالمي من حيث ظهور قطب جديد في العلاقات الدولية فلا تنفرد الولايات المتحدة إلى مالا نهاية بزعامة النظام العالمي الجديد بعد تفكك الاتحاد السوفييتي, وان تسارع خطوات الاندماج الاوروبي هو في حقيقته جزء لا يتجزأ من عملية الاندماج في النظام الرأسمالي العالمي ككل والذي تساهم في بنائه مؤسسات ومنظمات دولية متنوعة وشركات متعددة الجنسية يصعب على اوروبا ان تتسلخ او تستقل عنها. ومن المؤكد ان انشاء السوق الاوروبية المشتركة له تأثيره على النظام الاقليمي العربي, فمن الناحية الاستراتيجية فإن الاقليم العربي يشغل منطقة الجناح الجنوبي لاوروبا الغربية. وله معها علاقات ثقافية وتاريخية معقدة, ومن الزاوية الاقتصادية فإن أوروبا الغربية هي اكبر شريك تجاري واقتصادي للوطن العربي, وبين الاقليمين روابط متنوعة جاء بعضها من خلال السياسة المتوسطية للجماعة, ومن خلال الحوار العربي الاوروبي الخليجي. نتيجة هذه التفاعلات كلها, فإن النقلة الكيفية للجماعة الاوروبية اقتصاديا وسياسيا لابد ان يكون لها انعكاساتها الهامة الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية على آلنظام العربي. فهل يمكن الاستفادة من تجربة السوق الاوروبية المشتركة في انشاء سوق عربية مشتركة؟ وهل يمكن مثلاً البدء بالاقطار العربية المنتجة للنفط اسوة بالاقطار الاوروبية المنتجة للفحم والصلب؟ او تجاوز هذه المرحلة والاستفادة من التطورات المعاصرة في الانتاج السلعي والتسويق؟ وهل يمكن الاستفادة من العلاقات العربية الخارجية في تحقيق هذا الهدف؟ وما العلاقات البينية بين الاقطار العربية التي تصلح اساساً لاقامة سوق عربية مشتركة؟ للاجابة على هذه التساؤلات يقول الدكتور رأفت غنيمي الشيخ استاذ التاريخ الحديث والمعاصر وعميد معهد الدراسات الآسيوية بجامعة الزفازيق في جمهورية مصر العربية في دراسة نشرتها دورية الاقتصاد الاسلامي انه لا داعي للبدء من حيث بدأ تجربة السوق الاوروبية المشتركة التي مضى على إنشائها اربعون سنة من 1957 ـ 1997م لأن المناخ العالمي الحالي يدعو إلى التكتل والاندماج في المصالح الاقتصادية والثقافية بل والسياسية بين الاقطار المختلفة. والاقطار العربية خطت خطوات متقدمة على الطريق. ويمكننا ان نحدد التطورات الاقتصادية العربية التي تمثل مؤشراً يمكن الاستفادة منه في اقامة سوق عربية مشتركة وهذه التطورات هي: ـ التراجع المنتظم في دور الدولة الاقتصادي سواء بتدخل مباشر في عملية الانتاج او تقديم الخدمات. ـ التخلي عن كثير من المضامين التي تم في اطارها اقامة القطاع العام في كثير من الدول. ـ تمويل بعض المشروعات المملوكة للدولة إلى القطاع الخاص المحلي سواء بطريقة كلية او جزئية. ـ السماح بمشاركة واسعة للشركات والبنوك الاجنبية في ملكية رؤوس اموال المشروعات المملوكة بالدولة. ـ تشجيع رأس المال الفردي المحلي على الاستثمار سواء منفرداً او بالمشاركة مع رأس المال الوافد من الاقطار العربية او الدول الاجنبية. ـ التخلي عن القواعد كظاهرة عامة سواء تعلقت هذه القواعد بتنظيم الانشطة الاقتصادية الداخلية او العلاقات الخارجية او بالرقابة على النقد الاجنبي. وهذه التطورات الاقتصادية العربية وجدت تبريرات لحدوثها نسوقها فيما يلي: ان اقدام الدول الرأسمالية المتقدمة على بيع المشروعات العامة او تأجيرها للقطاع الخاص, وبإخضاع ما تبقى من مشروعات عامة لقوى السوق, كما ان الدول الاشتراكية بدأت تخفف من قبضتها على النشاط الاقتصادي سواء بالسماح لرأس المال الفردي بممارسة بعض الانشطة التي كانت محرمة عليه, او بقبول المشاركة الاجنبية, وشعور الدول التي لجأت للقطاع الخاص بأنها (مأزومة) وعاجزة عن تقديم الخدمات والسلع الاساسية لمواطنيها. ونمو طبقات وفئات اجتماعية استطاعت ان تكون ثروات كبيرة لا يمكن الابقاء عليها هائمة في الاسواق الدولية, وانما يتعين السعي إلى اجتذابها إلى داخل الاقطار العربية بتوفير مناخ الاستثمار الآمن وتخلي الدولة لهذه الفئات عن بعض مشروعاتها. ويمكن اضافة تبريرات اخرى للتطورات الاقتصادية العربية تتمثل في النظر إلى المشروعات الحكومية كسبب للعجز في الموازنة نتيجة خسائر هذه المشروعات, كما ان المشروعات المملوكة للدولة تكون مجالاً للتدخل السياسي والتسلط البيروقراطي, وان المشروعات العامة تتمتع في كثير من الحالات بأوضاع احتكارية او شبه احتكارية في الاسواق المحلية, وايضاً غياب الحافز او الدافع لدى مديري هذه المشروعات والعاملين فيها على تطوير انشطة مشروعاتهم, وان المنظمات الاقتصادية والمالية الدولية )البنك الدولي للانشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي( ترى ان القطاع الخاص المحلي والاجنبي ـ وليس القطاع الحكومي ـ هو المهيأ اكثر من غيره لممارسة النشاط الاقتصادي في ظل حرية السوق والمنافسة وتحرير الاقتصادات النامية من القيود والاجراءات التي تعوق سير النشاط الاقتصادي الحر وتحد من كفاءته. مرتكزات هامة وتوجد عدة ركائز يمكن الاستفادة منها لوضع خطوات اقامة سوق عربية مشتركة هذه الركائز هي: اولاً: وجود البترول كعامل حاسم في النشاط الاقتصادي العربي حالياً ومستقبلاً سواء بالنسبة للاقطار العربية المنتجة للبترول ـ والتي كونت ما عرف بمنظمة الدول العربية المنتجة والمصدرة للبترول (اوبك) ـ او بالنسبة للاقطار الاخرى غير المنتجة اطلاقاً او المنتجة بكميات غير تجارية, حيث تستفيد تلك الاقطار الاخيرة من البترول في صور معونات وتحويلات العاملين في الاقطار البترولية, والتجارة والسياحة والاستثمار المباشر, ومازالت الاقطار العربية ـ حتى في مجال البترول ـ في حاجة إلى مزيد من التنسيق حتى تصل إلى التكامل الذي هو اساس اقامة سوق عربية مشتركة. ثانياً: انخفاض اسعار البترول في الثمانينات من القرن العشرين اضر بالموقف المالي للاقطار العربية سواء المنتجة للبترول او غير المنتجة. ومن ثم كان عليها جميعاً اتباع سياسة مالية تعالج هذا النقص في الموارد. باستحداث مشروعات استثمارية في مجالات الصناعة والزراعة. والتجارة وغيرها في اطار من التكامل العربي. ثالثاً: الاستثمارات العربية على توفير احتياجات المجتمع سواء محلياً او من الخارج وبأيسر السبل, والقدرة على تجنب فرض قيود او تهديدات من الخارج فضلاً عن القدرة الاقتصادية على دعم القوة العسكرية والسياسية, واجتماعياً عن طريق اشباع الحاجات الاساسية للمواطن في جميع المجالات الصحية والثقافية والرعاية الاجتماعية. وعسكرياً عن طريق تكوين القوات العسكرية وزيادة حجمها وتنظيم وتسليح الجيوش العربية. واتباع المرونة في تحريك القوات العربية وتزويدها بخبرات متتالية متطورة. وتشجيع التصنيع الحربي بما يحرر الجيوش العربية من سيطرة القوة العالمية التي تسيطر على اسواق السلاح. التركيز على الوحدة الثقافية التي تربط بين ابناء الاقطار العربية فالعرب جميعاً يتكلمون لغة واحدة هي اللغة العربية, ومعظم سكان الاقطار العربية يدينون بالدين الاسلامي, والعرب جميعاً عاشوا احداثاً تاريخية واحدة, ولهم عادات وتقاليد متشابهة, وكل هذه عوامل توحد ولا تفرق. ويمكن الاستناد اليها في تحقيق السوق العربية المشتركة. فأوروبا الغربية الموحدة تتحدث لغات متعددة. وتدين بمذاهب دينية مختلفة. وقومياتها مختلفة ومع ذلك اقامت السوق المشتركة.