بقراءة الأرقام الخاصة باحتياطي النفط العالمي وأرقام إنتاج الدول المصدرة الرئيسة, ومن ثم معرفة النسبة بين الاحتياطي والإنتاج العالميين, يمكن التوصل إلى تصور ما عن المؤشرات المستقبلية لصناعة النفط العالمية, على الأقل في المستقبل القريب. وهذا ما يحاوله هنا د. نقولا سركيس, حيث يتوصل إلى نتيجة مباشرة مؤداها أن الانخفاض في النسبة بين الاحتياطي والإنتاج هو الذي سيحدد تطورات أسعار النفط في السنوات المقبلة, مع ملاحظة أن الأمر يرجع في هذه الحالة إلى حسابات الدول المنتجة ومدى استجابتها للضغوط! ما حدث في الماضي يفسر ما يحدث اليوم وما يمكن أن يحدث في المستقبل. تلك كانت الملاحظة التي كشف عنها تحليل لتقرير نشرته شركة بي. بي أموكو الأمريكية عن قضايا الطاقة العالمية مؤخرا. وبالفعل يقدم التقرير مراجعة شاملة ودقيقة للتطورات الحاصلة في هذا المجال, وكل ما يتعلق باحتياطيات النفط ومستويات الإنتاج ومعدلات الاستهلاك ومصادر الطاقة المختلفة, والصفقات الدولية في مجال النفط والغاز الطبيعي, كل هذا مدعم بالإحصائيات والأرقام والرسوم التوضيحية والبيانية. وفيما يتعلق بالنفط على وجه الخصوص, نجد أن الشركة الأمريكية أوضحت أن احتياطيات النفط المؤكدة في العالم انخفضت بنسبة 73.1% العام ,1999 حيث هبطت من 052.1 مليار برميل في نهاية 1998 إلى 8.033.1 مليار بعد ذلك بعام, وكان هذا هو أول انخفاض سنوي يحدث منذ العام 1992. ولكن بوجه عام يمكن القول إن احتياطيات النفط كانت ـ بطريقة أو بأخرى ـ مستقرة على معدل يزيد عن ألف مليار برميل منذ العام ,1989 بعد أن كانت هناك زيادات حادة في هذا النطاق العامين 1987 و1988. وكان السبب وراء هذه الزيادات ما قامت به بعض الدول الأعضاء في الأوبك من إعادة تقدير لاحتياطياتها المؤكدة, في وقت كانت دول المنظمة تبحث فيه إمكانية تحديد مستوى معين لحصة الإنتاج في كل جولة, في حين أن البعض يطالب بأن يتم تحديد حصص الإنتاج على أساس مستوى الاحتياطي. وفي الوقت الذي ظلت فيه احتياطيات النفط مستقرة نسبيا على الرغم من التطورات التكنولوجية التي أسهمت في خفض تكاليف عمليات التنقيب والإنتاج, ارتفع الإنتاج العالمي للنفط بنسبة وصلت إلى 5.12% بين عامي 1989 و,1999 حيث زاد الإنتاج من 9.63 مليون برميل يوميا إلى 9.71 مليون برميل, على الرغم من الهبوط الذي سجل العام الماضي وبلغ 3.2%, والذي كان سببه الأزمة الاقتصادية الآسيوية وهبوط الاستهلاك الصيني للنفط بنسبة وصلت إلى 7.10%. وقد نتج عن النمو في الإنتاج هبوط في النسبة بين الإنتاج والاحتياطي, فبعد أن كانت هذه النسبة تكفي لأكثر من 43 عاما طبقا لتقديرات ,1989 أضحت تكفي لنحو 41 عاما فقط طبقا لتقديرات العام 1999. ومن المظاهر الأخرى المهمة لنمو إنتاج النفط العالمي الزيادة المنتظمة في إنتاج أوبك من النفط الخام, والذي ارتفع من نسبة 7.35% من الإنتاج العالمي للنفط العام 1989 إلى 8.40% العام 1999. رغم إجراءات خفض الإنتاج التي قام بها أعضاء المنظمة في العامين 1998 و1999. وعلاوة على ذلك, فإن التوجهات الأساسية التي تشهدها صناعة النفط على مستوى العالم تتسبب فيها بشكل كبير التطورات الحاصلة في صناعة النفط داخل أسـواق الولايـات المتحـدة الأمريكيـة, التي تعتبر من الأطراف الأساسية والمؤثرة للغاية على ساحة النفط العالمية. ففي نهاية العام ,1999 قدرت الاحتياطيات المؤكدة للنفط الأمريكي بنحو 6.28 مليار برميل, وهو ما يقل بنسبة 9.4% عن الاحتياطي المسجل في نهاية ,1998 والذي كان 1.30 مليار برميل, ويقل أيضا بنسبة 1.15% عن الاحتياطي المسجل في نهاية العام 1979 الذي كان 7.33 مليار برميل, ويقل بنسبة 6.31% كاملة عن الاحتياطي المسجل في نهاية العام ,1972 وبالتحديد عشية أول صدمة نفطية يشهدها العالم. وخلال هذه المدة نفسها, ارتفع إنتاج النفط الأمريكي بنسبة 7.15%, وبالتحديد من 98.15 مليون برميل يوميا العام 1972 إلى 49.17 مليون برميل يوميا العام 1999. وكانت النتيجة أنه من أجل الوفاء باحتياجات السوق المحلية, تمت مضاعفة واردات النفط الأمريكية من 51.4 ملايين برميل يوميا العام 1972 إلى 59.9 ملايين برميل يوميا العام ,1999 وهو الأمر الذي يمثل تقريبا ربع واردات النفط عالميا. ومن الإحصائيات الأخرى المهمة في هذا الشأن يأتي المستوى العالي لاستهلاك الجازولين في الولايات المتحدة, والذي ازداد إلى 69.8 ملايين برميل يوميا العام ,1999 وهو ما يعادل تقريبا مرتين ونصف المرة الكمية التي تستهلكها دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة, وخمس مرات ما تستهلكه اليابان, وفي الوقت نفسه يمثل 1.39% من استهلاك العالم الكلي باستثناء استهلاك الاتحاد السوفييتي السابق. وهذا الأمر يفسر لماذا كان للارتفاع الأخير في أسعار الجازولين داخل الولايات المتحدة الأمريكية هذا التأثير القوي على الأسعار العالمية للنفط الخام والمشتقات النفطية المكررة. ولاشك أن الهبوط المنتظم لإنتاج واحتياطي الولايات المتحدة من النفط, وتزامن هذا مع حدوث انخفاض في النسبة بين الاحتياطي والإنتاج, كلها مؤشرات في غاية الأهمية على ما سوف يحدث من تطورات في أسعار النفط العالمية في السنوات المقبلة. د. نقولا سركيس ـ رئيس المركز المعربي للدراسات البترولية بباريس