في ضوء تزايد متطلبات مشروعات البنية التحتية في دول المجلس, رغم ما قامت به حكومات هذه الدول خلال السنوات الماضية من تمويل جانب كبير منها اعتمادا على العوائد النفطية الضخمة, إلا أن مواجهة الاحتياجات المستقبلية قد تكون من الصعوبة بمكان نظرا للتذبذب الذي تشهده أسعار النفط عالميا, والاعتماد شبه الكامل لهذه الدول على عوائد النفط لتمويل أعمال البنية التحتية بها, ما لم يتم السعي لتوفير مصادر تمويل بديلة. ومن هنا تأتي أهمية التوجهات الخليجية نحو خصخصة بعض قطاعاتها الاقتصادية المهمة, وعلى رأسها قطاع الطاقة. على اعتبار أن الاحتياجات التمويلية لقطاع الطاقة الكهربائية بمفرده بطبيعة الحال ضخمة جدا, حيث تشير تقديرات الخبراء إلى أن تكاليف مشروعات الطاقة الكهربائية في دول مجلس التعاون حتى العام 2006 تتجاوز 30 مليار دولار, الأمر الذي يمكن أن يشكل عبئا على الحكومات. ومن هنا فإن مشاركة القطاع الخاص في تمويل هذه المشروعات أصبحت أمرا ضروريا. ولكن هناك سؤال يتبادر هنا هو: إلى أي مدى وصلت جهود خصخصة قطاع الطاقة بدول مجلس التعاون؟ وهل يمكن أن تتخلى حكومات دول المجلس عن إدارة هذا القطاع الاستراتيجي والذي لايزال خاضعا لسيطرتها؟ وما هي الآفاق المستقبلية لخصخصة هذا القطاع؟ * الدكتور شريف غالب, مدير مجموعة (سوفرن ريتنجز) بمؤسسة (ستاندرد آند بورز) , يقول إن حكومات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لا تستطيع أن تعول على توقع زيادة كبيرة في عوائد النفط خلال المدة الزمنية المستقبلة, من أجل استخدامها في تمويل خطط مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية تمويلا كاملا. كما أن التحدي يتزايد بسبب دخول كثير من الأسواق الناشئة في عملية تحرير اقتصاداتها بصورة سريعة, وهي تحتاج أيضا إلى مبالغ كبيرة لتمويل مشروعاتها. ونتيجة لذلك تحتدم المنافسة العالمية على رأس المال, بما في ذلك الأموال القابلة للإقراض, ولكنها تشتد على الاستثمار المباشر سواء على شكل أسهم أو على هيئة محفظة مالية. ويشير إلى أنه لابد من توفير مصادر بديلة من العوائد والتمويل, وينبغي أن تشمل عنصرين, ووفقا لما يراه القطاع الخاص المحلي والأجنبي على السواء. والعنصر الأول هو تأدية دور أكبر في الاقتصادات المحلية, من خلال التنمية الأسرع لسوقي النقد ورأس المال المحليتين, وتهيئة الحوافز الأقوى للمستثمر الأجنبي. ومن شأن هذا الأمر أن يساعد على تحقيق الهدف الرئيس الذي حددته حكومات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية, وهو الهدف المتمثل في الحد من دورها بوصفها أدوات محركة للنمو لصالح دور أكبر ومتنام للقطاع الخاص في عملية التنمية. ويضيف أنه إزاء هذه الأوضاع فإن التحرك نحو خصخصة اقتصادات دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التراجع عنه, ومع كونها عملية تدريجية فإنها تكتسب مزيدا من قوة الدفع. ففي قطاع الطاقة شهدنا بالفعل خصخصة جزئية على الأقل لمحطات الوقود للبيع بالتجزئة في بعض دول مجلس التعاون, وتقوم بعض الدول, ومنها الإمارات وسلطنة عمان, بتنفيذ مشروعات أخرى في مجال الطاقة على أساس مبدأ (أنشئ وتملك وشغل) (BOOT, أو مبدأ (أنشئ وتملك وشغل وحول) (BOOT ورغم أن هذا الاتجاه كان بطيئا في بدايته, فإنه على الأرجح سوف تتسارع خطاه مستقبلا يضاف إلى ذلك أن دول مجلس التعاون تدرس حاليا إنشاء شبكة لتوزيع الكهرباء تغطي المنطقة بكاملها ويتولى القطاع الخاص تمويلها. ويوضح أن حكومات دول المجلس تدرس إنفاق عشرات المليارات من الدولارات على مدى الخمس أو العشر سنوات المقبلة, ليس فقط على قطاع النفط من أجل تنمية قطاع التنقيب والاستخراج وتوسيع قطاع التكرير والنقل والتوزيع ومشروعات الغاز الضخمة, بل أيضا على المشروعات ذات الحجم الكبير في قطاع الطاقة الكهربائية. وكان حجم إنفاق دول المجلس المنتظر في قطاع النفط والغاز قد تم تقديره حتى العام 2010 بما يصل إلى 100 مليار دولار, بما في ذلك تخصيص 20 مليار دولار لمشروعات تكرير النفط وحدها على مدى السنوات العشر المقبلة. وتشير التقديرات إلى أن الإنفاق على مشروعات الطاقة الكبرى على مدى السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة سوف يصل إلى نحو 80 مليار دولار, منها 34 مليارا مخصصة للنفط والغاز, و18 مليارا للبتروكيماويات, وما لا يقل عن 13 مليارا للطاقة الكهربائية. وبذلك يمكن أن يتراوح حجم التكاليف المبدئية لما سوف تنفقه دول مجلس التعاون على مدى السنوات العشر المقبلة فقط, في قطاعات النفط والغاز والكهرباء, ما بين 90 و100 مليار دولار, بما في ذلك شبكات الغاز والكهرباء في حالة تنفيذها. * عبدالحفيظ شيخ, الممثل المقيم للبنك الدولي لدى المملكة العربية السعودية, يقول إن الخصخصة بدأت وئيدة الخطى في منطقة الخليج, إلا أن هناك حاليا مؤشرات على أن هذه الدول تبدو اليوم أكثر اهتماما من ذي قبل بالقيام بعمليات إصلاح. وقد بدأت بعض دول المنطقة برامج الخصخصة التي سوف تفتح مجالات كانت تخضع تقليديا لسيطرة الحكومة أمام القطاع الخاص, وبعضها الآخر على وشك البدء بتنفيذ مثل هذه البرامج, والتي تستهدف البنية التحتية والمرافق العامة بما في ذلك المؤسسات المهمة في قطاع الطاقة. ويضيف أنه يوجد في الإمارات قطاع خاص نشط يؤدي دورا مهما في اقتصاد البلاد, ومع ذلك فإن الإمارات لم تبدأ إلا مؤخرا في برنامج لخصخصة البنية التحتية, وذلك بهدف تحسين كفاءتها بصورة أكبر ولتعزيز دور القطاع الخاص. مشيرا إلى أن مؤسسة اتصالات, وهي شركة اتحادية, أعلنت خططا تسمح بموجبها لشركات غير إماراتية بالاستثمار في شركة الثريا التي تمتلك اتصالات حصة كبيرة فيها. كما وقعت إمارة عجمان عقدا مع شركة أمريكية لإنشاء محطة طاقة كهربائية وتشغيلها. ويوضح أنه تم تشكيل لجنة دائمة في مايو 97 للإشراف على خصخصة دائرة المياه والكهرباء, كما يدفع الطلب المتزايد على المياه والكهرباء في دبي إلى البحث عن بدائل التمويل. غير أنه ليس من الواضح إن كانت هيئة كهرباء ومياه دبي تسعى وراء جهات استثمارية خاصة, وربما تعتبر شبكة توزيع الكهرباء الموحدة التي تعمل على امتداد دولة الإمارات إحدى القضايا المطروحة في ظل وجود أربعة مرافق حاليا. ويؤكد شيخ أن متطلبات البنية التحتية في دول مجلس التعاون تتزايد, ومع أن هذه الدول خلافا لبعض منتجي النفط الآخرين قد قطعت شوطا بعيدا في تحويل ثرواتها النفطية إلى بنية تحتية مثيرة للإعجاب, فإن مواجهة الاحتياجات المستقبلية سوف تكون أمرا صعبا, ما لم يتم السعي لتوفير مصادر تمويل خاصة. وتعتبر الخصخصة وسيلة منخفضة الكلفة لإبلاغ بقية دول العالم رسالة حول نوايا دول الخليج الجادة بإصلاح اقتصاداتها وجذب رأس المال الخاص, بما في ذلك رؤوس الأموال الوطنية المودعة في الخارج, ومراجعة السياسات التي منحت الحكومة دورا غير متكافئ في بعض القطاعات الرئيسة. ويرى أن القضية الاستراتيجية الأساسية التي تواجه دول الخليج قبل بدء الخصخصة هي نوع إعادة الهيكلة وحجمها. ويمكن أن تأخذ إعادة الهيكلة أشكالا عدة, تضم الأشكال التنظيمية والعمال المستخدمين والجوانب القانونية والمالية. ففي بعض دول الخليج لاتزال شركات الكهرباء ـ على سبيل المثال ـ خاضعة لإدارات حكومية, الأمر الذي يلزم قبل التحول إلى الخصخصة إجراء تغيير في الصيغة القانونية أي تحويلها إلى شركات مساهمة, وهذا يستوجب إيجاد حسابات وميزانيات منفصلة, وإعادة تحديد العلاقة بين الوزارة الأم والكيان الذي تم تحويله إلى شركة مساهمة. ومن بين الأسباب المهمة لاحتفاظ الحكومة بملكية مؤسسات البنية التحتية, ولاسيما تلك المؤسسات التي تقوم على الاحتكار, التخوف من أن يسيء القطاع الخاص استخدام سلطته في السوق, سواء بتخفيض جودة الخدمات أو برفع الأسعار. وسوف تؤدي الخصخصة إلى زيادة رفاهية المجتمع, فقط إذا ترافقت مع التنظيم الحكومي للمرافق المخصخصة. وينبه عبدالحفيظ إلى أن هناك دروسا كثيرة مستفادة من التجارب العالمية في وضع الأسس والقوانين التنظيمية, ولذا يتعين على دول الخليج أن تستثمر ذلك وتعمل جاهدة على تبني أفضل النماذج العالمية للتنظيم. فبرامج الخصخصة تتطلب توافر التخطيط الدقيق والتكيف مع الأوضاع المحلية, ولذا تكثر الحاجة إلى القرارات الحكومية وخطوات التنفيذ, ولكي تتم هذه العمليات بشفافية, وتؤدي إلى نتائج مرغوب فيها اجتماعيا, يلزم إنشاء جهاز لصنع القرار وآلية للتنفيذ, وهو ما تفتقر إليه دول الخليج في الوقت الحالي. * اندرو وورد, شريك بمؤسسة (سيمونز وسيمونز) الدولية للاستشارات القانونية, يقول إنه ليس هناك حاليا أي إطار قانوني مصمم تحديدا للخصخصة في الإمارات, إذا لم يتم إقرار قانون للخصخصة أو ما شابه ذلك. ومن هنا لابد أن ينظر المرء إلى الوسائل الممكنة للخصخصة في ضوء الإطار القانوني الحالي. ويلفت إلى أن أي برنامج خصخصة رئيس يتطلب إقرار تشريع جديد من جانب الحكومة المتبنية لعمليات الخصخصة, وهذه هي الحال في أرجاء العالم. وبالتالي فإن أية حكومة محلية من حكومات الإمارات ترغب في خصخصة قطاعاتها, سوف يكون عليها أن تعمل في إطار الضوابط التي يفرضها القانون الاتحادي. إضافة إلى ذلك يتعين على أي مشروع للخصخصة أن يوازن بحرص بين الأخطار والمكاسب التي تتعلق بالمؤسسة المعنية بالخصخصة, وذلك بهدف ضمان أن المكاسب المحتملة لمشاركة القطاع الخاص كافية بما يبرر المجازفة. وفي الوقت نفسه يتم ضمان أن فوائد القطاع الخاص, من حيث الكفاءة الكبرى والأسعار الدنيا, سوف تمتد آثارها إلى الحكومة وعامة الناس.
