ان نظرية التعاون والتكامل ليست ترفا فكريا يهدف الى اغناء السجل الفكري, فالتعاون والتكامل بين الدول بات ضرورة ملحة تحتمها مقتضيات العصر. فعلى سبيل المثال عندما سعت الدول الاوروبية نحو ايجاد اوروبا موحدة كانت ترى ضرورة وحتمية في خلق هذا الاطار السياسي, على الرغم من تنافر العناصر فيما بينها, بل انها حاولت التغلب على عناصر التجاذب الكفيلة بدمج هذه الامم فيما بينها, بما يحقق فوائد مشتركة تعجز عن تحقيقها منفردة . مما يجدر قوله في هذا المقام: ان العلوم والتقنية هما احد اهم العناصر التي ارتكز عليها التعاون بين دول الاتحاد الاوروبي. وهناك حقيقة تؤكدها الاحصاءات ان الموارد المخصصة لنشاط البحث العلمي والتطوير التقني على مستوى حكومات دول مجلس التعاون ضئيلة جدا. وهذه الاشكالية تواجه العديد من المؤسسات العلمية والانتاجية في دول العالم بما فيها الدول المتقدمة. وهذا ما يؤكده الرئيس السابق للبحث والتطوير في مجموعة نيبون الكتريك حين يقول: ان موارد البحث والتطوير في العالم نادرة, حتى الشركات الكبرى تلهث وراء هذه الموارد. واذا لم نتعاون فلن نستطيع ان نتقدم, وان البحث والتطوير مكلفان للغاية حتى بالنسبة الى شركة ان.أي.سي. ان دول مجلس التعاون تكون فيما بينها اقليما واحدا من حيث اللغة والعقيدة والثقافة. كما ان هناك تشابها كبيرا فيما بين هذه الدول من حيث الجغرافيا والاحوال البيئية والموارد الاقتصادية والصفات الاجتماعية والحضارية والمدنية, مما اهلها لتكوين وحدة اقتصادية واجتماعية متجانسة فيما بينها. وهذا يقود الى التأكيد ان دول المجلس تمتلك مقومات التعاون والتكامل التي تفتقر اليها جل الاقاليم العالمية امام هذه الخصائص الايجابية الداعمة للتعاون, ولكن التحدي يتمثل في القدرة على (جدولة) هذه المقومات لخلق اطار تعاوني مشترك, يمكن هذه الدول, على الرغم من صغر حجمها , من مواجهة التحديات. كذلك ادركت هذه الدول ان هناك قواسم مشتركة فيما بينها من حيث الصعوبات التي تواجهها حيث ان جميع دول المجلس تفتقر الى الايدي العاملة الماهرة المتوفرة بالكم والنوع الذي يمكن أن يفي بمتطلباتها الأساسية. ومن هنا نشاهد كثرة الإعتماد على الأيدي العاملة الأجنبية في مختلف الأنشطة. كما تتسم اقتصاديات جميع هذه الدول باعتمادها على مورد واحد هو النفط, وهو مورد قابل للنضوب مستقبلا في حين ينذر وجود الموارد الطبيعية الأخرى. كما تواجه دول المجلس كذلك مشكلة الامن الغذائي والاعتماد بصورة كبيرة على استيراد الاغذية من الخارج. ونفس الحال بالنسبة للاحتياجات العلمية والتقنية حيث تعتمد دول المجلس بصورة كبيرة على استيرادها من الخارج مما يخلق مظهرا من مظاهر التبعية الخطيرة. ان بروز هذا الكم من الصعوبات يدعو الى الاقتناع بأن التكامل والاندماج بين دول المجلس بات ضرورة حتمية تمليها الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية العلمية والتقنية , لان مثل هذا التكامل يوفر الفرص التاريخية لتحقيق إنجازات أصيلة, نابعة من احتياجات المجتمع, بالسرعة المطلوبة والتوازن المنشود. كما سوف يسهم هذه التكامل والاندماج في تضييق الفجوة العلمية والتقنية والتنموية التي عانت منها دول المجلس ومازالت ويمهد الطريق لتوظيف مزيد من الاستثمارات المالية والبشرية في تطوير مؤسسات البحث العلمي والتكنولوجي. حسين محمد