المفاوض المتمرس والماهر لابد له ان يتسلح ببعض العناصر ويرتكز الى مجموعة من المبادىء التي يمكن لها ان تعزز من موقفه التفاوضي والى جانب هذه المبادىء هناك ما يمكن ان نطلق عليه حيلا ذكية تسهل الوصول الى الاهداف المنشودة. ولكن هذه وتلك يجب الا تحول المفاوضات الى ممارسة للانانية بل لابد ان تظل وسيلة لتحقيق الأطراف المتفاوضة لأهدافها التي لا يتيسر التوصل اليها بالقوة. يخطيء من يعتقد ان المفاوض الماهر يجلس خلف مائدة المفاوضات وذهنه خال تماما من أية خطط او افكار ويعتمد بشكل مباشر على ما يتم طرحه اثناء المفاوضات من مقترحات وعروض وآراء. إن المفاوض الماهر لا يقبل على المفاوضات إلا ان كان مستعدا تماما لها ومسلحا باستراتيجية تم وضعها مسبقا تأخذ في اعتبارها العديد من المواقف والاحتمالات بما فيها احتمالات النجاح والفشل. وتعتمد هذه الاستراتيجية على ثمانية مبادىء رئيسية تشكل مجتمعة قاعدة قوية ودعما كبيرا لقوة الموقف التفاوضي. ويدرس المفاوض الماهر هذه المبادىء ويستوعبها ويتعلم كيفية استخدامها خلال جلسات المفاوضات وقد اخضع المفاوضون المهرة والاكفاء هذه المبادىء لكثير من التجارب والاختبارات التي اثبتت فاعليتها وجدواها في الخروج بأفضل النتائج. وتتلخص هذه المبادىء او ما يطلق عليه المفاوضون (الوصفة السحرية) لتحقيق الأهداف من المفاوضات فيما يلي: ـ دراسة موقف كل طرف وتحديد نقاط الخلاف بين الطرفين. وبخلاف ما يعتقده الكثيرون فإنه ليس من الضروري ان يتسبب توافق الأهداف والمصالح المشتركة بين الطرفين في نجاح المفاوضات لان هذا النجاح قد يحدث حتى في ظل نقاط اختلاف بين الطرفين. وافضل مثال على هذا القصة المشهورة عن الشقيقتين والبرتقالة فقد كانت احداهما تريد اكل البرتقالة ورمي قشرتها بينما كانت الاخرى ترغب في استخدام القشرة في اعداد كعكة وللتوصل الى حل افضل من قطع البرتقالة الى نصفين ولتفعل كل منهما ما تريده بنصف البرتقالة الخاص بها وجب استفسار الواحدة منهما عن رغبات الاخرى (ماذا تريد ان تفعل على وجه التحديد؟) وبدا يعرف الطرفان مايريداه. وتؤكد هذه القصة ان معظم المواقف التفاوضية تتضمن امكانية تحقيق الطرفين لأهدافهما اذا تمكنا من ايجاد ارضية مشتركة وسعيا لايجاد حل لما قد يحدث من مشكلات. ـ ضرورة تحديد الاهداف المشتركة والمتضاربة. فالاهداف المتضاربة لا تمثل اية مشكلة وذلك نظرا لان الطرفين لا يسعيان لتحقيق (ذات الهدف) ولانه يمكن دائما تقديم التنازلات وبسهولة ولكن تقديم هذه التنازلات يصبح صعبا للغاية عندما يكون (المال) هو موضوع المفاوضات ويسعى الطرفان لتحقيق (نفس) الهدف وهو الحصول على أكبر قدر منه وهما يدركان تماما بأن ما يذهب لجيب احد الطرفين يعتبر خسارة (مباشرة) للطرف الآخر. ـ ادراك ان عملية التفاوض تعني استغلال الموقف لخدمة المصالح. فالسبب الرئيسي لنجاح بعض المفاوضات يكمن في اتخاذ الطرفين لموقف متعاون ومتفاهم بينما البعض الآخر من المفاوضات يتعرض للفشل والانهيار بسبب تشدد الطرفين وتبنيهما لمواقف متصلبة. ـ ادراك ان عملية التفاوض تنطوي على كسب بعض الاشياء وخسارة اشياء اخرى (تحقيق بعض الاهداف الخاصة وعدم تحقيق البعض الآخر) ولكن الكثيرين يتخيلون ان المفاوضات تتعلق بالمسائل المالية دائما ويتجاهلون امورا اخرى مهمة مثل الهيبة والجوانب الاخلاقية والمعنوية والتقدير. وغالبا ما يكون من المهم للغاية مغادرة مائدة المفاوضات وقد تم الحصول على شىء رمزي ومعنوي فقط. ـ ادراك ان المرونة لا تتعلق بالضرورة بتحقيق المكاسب المادية فقط. وهذا المبدأ يرتبط بالمبدأ السابق ويعني امكانية التنازل عن أهداف ومصالح اخرى عدا الاهداف المادية ويتعين هنا البحث دائما عن خيارات وبدائل من نوعيات اخرى يمكن ان تكون مرضية للطرف الآخر. ـ ادراك ان القوة لا يمكن ان تحقق نفس النتائج التي يحققها التفاوض. فالتفاوض عملية اكبر اثرا وفاعلية من مجرد اللجوء لفرض تكتيكات ضاغطة يكون القصد منها هو لي ذراع الطرف الآخر. لذا نجد ان صغار الموظفين يفضلون حل مشكلاتهم عبر الحوار والتفاوض بدلا من الحلول التي قد تأتي عن طريق رؤسائهم وتفرض عليهم فرضا. ـ ادراك ان التفاوض هو عملية توافقية وعلاقة تبادلية بين الطرفين تقوم على تبادل المنافع فهي ليست علاقة عدوانية وهو ما يعني ان التفاوض هو موقف يرتكز الى التعاون والتفهم حتى ولو رغب الطرفان في هذا التعاون والتفاهم أم لا. وطالما كانت المفاوضات تستند الى هذا المبدأ فإنه يتوجب احترام هذه الطبيعة ومحاولة اشاعة جو من التفاهم والتعاون بدلا عن العدوانية والمنافسة. ـ ادراك ان المفاوضات الناجحة هي نتاج سلسلة طويلة من تبدل وتغير في المواقف ووجهات النظر بمعنى انه يجب الا تكون هناك مواقف جاهزة وجامدة في اية مفاوضات. فلكي يتوصل الطرفان الى اتفاق يكون مرضيا ويستجيب لاهدافهما لابد من طرح الاقتراحات والاقتراحات المقابلة. والاسلوب الامثل الذي يقود الى نجاح المفاوضات هو تطوير موقف متعاون عبر التنازلات المتبادلة والحلول الوسط حتى يتفق الطرفان على انهما قد توصلا بالفعل لتسوية مرضية. تلك هي المبادىء او العناصر التي تكون الوصفة السحرية للمفاوضين المتمرسين في وضع الاستراتيجيات الخاصة بجولات المفاوضات التي يدخلونها. ونظرا لان هذه النوعية من المفاوضين الماهرين تعلم جيدا ان العملية التفاوضية تعتمد على ملكة التمييز بين الاشياء وعلى الحكمة والتعقل فإنهم يعمدون الى التأثير على رؤية وتصور الطرف الآخر للموقف انطلاقا من معرفة ان هذا التأثير يعتبر ضمن الاساليب الفعالة والمهمة لتحريك دفة المفاوضات لصالحهم. وتتضمن هذه العملية استخدام مجموعة من الاساليب تهدف للتلاعب بأعصاب الطرف الاخر ومحاولة ابعاده عن اهدافه والحيلولة دون ان يؤثر على خياراتهم والبدائل المتوفرة لهم الامر الذي يتيح لهم كمفاوضين متمرسين فرصة زعزعة خياراتهم وبدائلهم. وتعرف هذه الاساليب في اوساط المفاوضين بـ(الحيل الخمس الذكية) وهي كما يلي: ـ تحديد البدائل والخيارات حيث تلعب الحلول البديلة دورا مهما في التخطيط للاستراتيجية وعليه يجب ان يتم تحديدها بطريقة واقعية انطلاقا من افتراض ان البدائل والخيارات تعطي انطباعا بالقوة. ولكي يتم اخضاع البدائل والخيارات لعملية تقويم موضوعي يمكن الاستعانة بجهة ثالثة لا علاقة لها بالمفاوضات او باعتماد اسلوب توزيع الادوار في حالة التفاوض ضمن فريق. ويشدد المفاوضون المهرة على اهمية البحث عن البدائل والخيارات بعناية فائقة لانها تحدد ما يمكن تسميته بـ(الحدود النسبية) بحيث تصبح هذه الخيارات خلال مرحلة معينة من مراحل المفاوضات اكثر جاذبية من المقترحات التي يتم طرحها على مائدة المفاوضات وكلما كان تقويم الخيارات دقيقا ومحكما اصبح المفاوض في موقف يسمح له بمعرفة اللحظة المناسبة لانهاء المفاوضات والبحث عن (سكة اخرى) كما يقولون. تعديل وتغيير خيارات وبدائل الطرف الآخر وهنا يضع المفاوض نفسه مكان الطرف الاخر ويتقمص شخصيته لانه يدرك تماما ان الطرف الآخر قد رسم خياراته وبدائله قبل بدء المفاوضات وان هذه الخيارات والبدائل تشكل هي الاخرى (الحدود النسبية) بالنسبة له. ومن الواضح انه كلما كانت الحدود النسبية للطرف الآخر اوسع ارتفعت الحدود الدنيا لطلباته. انها عملية حسابية بسيطة. وتتضمن المناورات الاستراتيجية الفعالة تغيير نظرة الطرف الآخر وتصوره للبدائل والخيارات وهذا هو بالضبط ما يحدث عندما يخبر احد المشترين بائعا ماهرا بأن في امكانه الحصول على السلعة نفسها وبسعر اقل كثيرا في مكان آخر ويؤكد البائع على ان تلك السلعة تختلف عن السلعة التي يعرضها هو على المشتري ويظل يعدد مزايا سلعته فإذا اصر المشتري على انها السلعة نفسها يغير البائع الماهر فجأة دفة الحديث ليتكلم عن شركته وسمعتها وما تقدمه من خدمات ما بعد البيع لا مثيل لها في اية مؤسسة اخرى. وقد يضيف بأنه من الافضل في بعض الحالات دفع مبلغ اضافي ضئيل بدلا من التعرض لمشكلات الصراع. ويمكن القول بأن هذه الاستراتيجية تستهدف (محاصرة) الطرف الآخر وذلك بالتقليل من قيمة وجاذبية خياراته وبدائله. وعندما يظن بأن خياراته اقل جاذبية بالفعل فإن الطرف الآخر سوف لن يجد امامه الا خيارا واحدا وهو تقلي طلباته وخفض حدودها الدنيا. ـ شكرا سأذهب في (سكة اخرى) ان النطق بهذه العبارة يعني ان المفاوض قد استنزف جميع الخيارات والبدائل المتاحة له وكشف عن الحدود الدنيا لطلباته وهذا خطأ شنيع يمكن ان يستغله الطرف الآخر باضافة القليل لعرضه او اقتراحه ليجبر المفاوض على القبول له. ويكون المفاوض في هذه الحالة قد سمح للطرف الآخر بأن يعرف ان الحد الادنى للمفاوض قد يكون اعلى قليلا وانه اذا سمح للمفاوض ان يذهب في (سكة اخرى) اي يبحث عن بديل آخر فسيكون قد ضيع فرصة نادرة لعقد صفقة ممتازة. وهكذا اذا عرف احد الاطراف الحدود الدنيا للطرف الآخر فإنه وفي واقع الامر لن يحتاج لأية استراتيجية اخرى فقد انكشفت الاوراق كلها وكل ما يجب على الطرف الآخر القيام به هو طرح تلك الخيارات بأسلوب سليم لتبدو مقبولة. وهناك ما يعرف بـ(الاستراتيجية المتممة او المكملة) وهي تعتمد على نقل تصور الطرف الآخر حول الحدود الدنيا الى مستوى اعلى مما هو عليه في حقيقة الامر وعندما يقتنع بأن الشخص الذي يتفاوض معه يرفض وبإصرار ان يتنازل عن هذه الحدود الدنيا او القبول بأقل من المبلغ الذي يطلبه فان الطرف الآخر سيقوم تلقائيا بتعديل موقفه وتغيير عرضه بما يتناسب وهذه الحدود الدنيا. ومن الضرورة بمكان دائما الايحاء بأن الحدود الدنيا هي في الواقع اعلى بكثير مما هي عليه. إن هذا الايحاء هو في حقيقة الامر احياء وتنقيح لفنون المساومة وهو اسلوب عرفته البشرية منذ القدم يبدأ فيه الطرفان من القمة ثم يلتقيان في منطقة وسط. ـ تدعيم الموقف التفاوضي باضفاء المزيد من القوة والشرعية تار ويستدعي هذا الاسلوب تجميع اكبر قدر ممكن من المعلومات التي تعزز الموقف التفاوضي فعلى سبيل المثال يمكن استرجاع مواقف سابقة مشابهة لنستخلص منها بعض المواجهات بعد اخضاعها لدراسة متأنية تستهدف تقوية الحجج والآراء ودعم الموقف التفاوضي والذي يلزم دائما ان يكون واضحا لا يكتنفه اي غموض او تحيط به الشكوك والريب. كما يمكن تعزيز الموقف التفاوضي عبر طرح ادلة وبراهين لاجدال عليها او استخدام مستندات ووثائق رسمية. ويستوجب هذا الاسلوب باختصار شديد القيام بكل ما من شأنه اقناع الطرف الآخر بأن الطلبات التي نسعى للحصول عليها مؤسسة ومبررة تماما اي وبعبارة اخرى إن ما تطلبه مني مقابل ما ارغب في عرضه عليك له من الاسباب القوية ما يجعله مبررا تماما. وبطبيعة الحال فإن ما تقصده بعبارة (القيام بكل ما من شأنه اقناع الطرف الآخر) لا يتضمن استخدام القوة. ـ وضع وتطوير خطة مرنة وفعالة بدلا عن انتهاج استراتيجية (جامدة) ومتشددة. ان الخطط المرنة والفعالة والتي يتم تعديلها خلال المفاوضات لتتوافق مع سيرها وتؤثر في نتائجها تعتبر من الاساليب الناجحة للحصول على ما نريد اذ انها تتيح فرصة تحقيق الأهداف بطريقة سلسلة بدلا من القفز مباشرة الى النتائج او استباقها. ان الخطط المرنة تأخذ المفاوض من النقطة (أ) اي الموقف الراهن الى النقطة (ب) اي اهدافه ويتم كل هذا عبر عمليات انتقال متقاطعة ولكي يتم هذا لابد للمفاوض من ان يحاول جر الطرف الآخر عبر مجموعة من الخطوط المتقاطعة وحثه على اتخاذ القرارات التي تجعل من تحقيق اهداف المفاوض شيئا ممكنا وقريب المنال. وعلى الرغم من كل هذه الاساليب والحيل الذكية التي يستخدمها المفاوضون المتمرسون ينبغي عدم النظر الى المفاوضات كممارسات تتسم بالانانية. ان المفاوض الماهر هو في واقع الامر انسان عادي تعلم كيف يحول موقفا جامدا وميؤسا من اصلاحه الى موقف يتيح للطرفين تحقيق اهدافهما ومصالحهما او ذلك الانسان الذي يمتلك مقدرة عظيمة لتسهيل النقاش والحوار بين طرفين لا يستطيع التوصل لاتفاق من تلقاء نفسيهما.