من المعروف عن مسارو هيامي رئيس البنك المركزي الياباني الذي تم تعيينه منذ عامين انه عنيد وقد اثبت هذه الفكرة الآن.وواجه هيامي في الاسابيع الاخيرة سيلاً من النداءات بالالتزام بالسياسة النقدية للبنك الذي ابقى على سعر الفائدة صفر للودائع ليلة واحدة فأغرق الاسواق بالمال. لكنه استطاع بعد ذلك ان يقنع مجلس ادارة البنك برفع سعر الفائدة ليلة واحدة إلى 25.0% وبذلك ارتفع سعر الفائدة الياباني لاول مرة من عشر سنوات ولم يتم خفضه كما جرت العادة. وقد تكون آثار رفع سعر الفائدة الصفرية التي تطبق من فبراير العام الماضي آثاراً معقولة. ويصر المسئولون في البنك المركزي الياباني على ان النقطة الهامة في هذه الخطوة هي انها لا تعني بالضرورة بداية دورة انكماش جديدة بل هي مجرد تصحيح فني لسياسة غير عادية تهدف إلى استقرار النظام المالي. ولا يتوقع الخبراء ارتفاعاً آخر في اسعار الفائدة حتى العام المقبل. لكن هيامي عندما تحدث عن الخطوة التي اتخذها وقال انها قرار شجاع لم يكن يذكر الا الحقيقة. وقد عدل صندوق النقد الدولي توقعاته بالنسبة للنمو العالمي للعام الجاري مما يعكس ارتفاعاً في درجة التفاؤل بشأن المستقبل الاقتصادي في كل انحاء العالم تقريباً. الا ان اليابان التي تعد ثاني اكبر اقتصاد في العالم لا تزال في نطاق المخاطرة ويؤدي ذلك إلى تفاقم الخلل في التجارة والاستثمار والذي لا يزال يشكل مصدر تهديد للاستقرار العالمي. ولا يزال الانتعاش الياباني كما ذكر صندوق النقد الدولي غير مدفوع بقوة كافية وغير متوازن برغم بعض مظاهر الارتفاع من العام الماضي. وتشير الارقام والاحصاءات الرسمية إلى ان الاقتصاد الياباني سجل نمواً بنسبة 7.0% خلال الربع الاول من العام الجاري لكن هذا الرقم تأثر بعوامل موسمية. والمتوقع من البيانات التي تنشر في الشهر المقبل عن اداء الربع الثاني من العام ان تعكس نمواً أبطأ, ويخشى بعض الخبراء الاقتصاديين ان يختفي الاتجاه الصعودي الحالي تماماً في العام المقبل. ويقول بول شيرنكو من بنك متسوبيشي في طوكيو ان المخاطرة تكمن في ان البنك المركزي الياباني يأخذ خطوات قبل الوقت المناسب وهي نفس الخطورة التي شكلها تطبيق وزارة المالية لضريبة المبيعات عام ,1996 عندما كان المستهلكون في بداية الشعور بالتحسن, ثم قتلت عندهم الضريبة هذا الشعور. ويشير المسئولون في البنك المركزي إلى ان قرار رفع سعر الفائدة ليس من المحتمل ان يعيد الاقتصاد الياباني إلى حالة الركود وان نسبة الارتفاع ضئيلة جداً ولا تزال اسعار الفائدة منخفضة. والآن هل تترجم هذه الخطوة في شكل رفع تكلفة الاقراض بالنسبة للشركات؟ فإن قروض الشركات مرتبطة باسعار الفائدة ليلة واحدة كما انها مرتبطة ايضاً بسعر الحسم الرسمي الذي لا يزال 5.0%. ويقدر خبراء الاقتصاد ان يرتفع سعر فائدة قروض الشركات التقليدية بنسبة 1.0%. الاكثر من ذلك ان كثيراً من الشركات اليابانية التي تعاني غالبيتها من الديون متعثرة في الحصول على قروض وبالتالي غير قادرة على رفع سعر الفائدة مهما كان هذا السعر. لكن القضية الاساسية ليست الاقتصاد الحقيقي, بل الحالة المعنوية والنفسية كما يعرف البنك المركزي ذاته. فإن تحدي البنك المركزي للحكومة وانتقادات رئيس الوزراء له تمثل خطورة في اهتزاز الثقة بين الشركات والمستهلكين. ويقول بول دونوفان في مؤسسة واربورج اذا كان رجال السياسة انهوا الموضوع لما كنا وصلنا إلى هذه الحالة من الفوضى. ويضيف ان المستهلكين قد يستمعون إلى قول رجال السياسة الآن بان هذه الخطوة كانت خاطئة ويخفضون من انفاقهم. والخطر هو تعرض الاقتصاد للاضرار ليس بسبب رفع سعر الفائدة, لكن السبب رد الفعل السياسي عليه. ولم يظهر رد فعل السوق على رفع سعر الفائدة الاسبوع الماضي لان هيامي ارسل بنواياه مقدماً, ولم يكن امام الاسهم اليابانية فرصة لابداء رد الفعل لكن الين الياباني تأثر قليلاً وتلقت الاسواق الاوروبية والامريكية الانباء ايضا. غير ان هذه الخطوة تأتي في توقيت حرج بالنسبة لسوق السندات. وتبحث مؤسسة مودي الامريكية للتقييم خفض درجة اليابان من حيث القدرة على سداد الديون. ويحتمل ان يصاب المستثمرون بالعصبية بسبب الخلاف بين البنك والحكومة. ويقول جون ليولين رئيس قسم الاقتصاد العالمي في مؤسسة ليمان براذرز ان المستثمرين سريعو التأثر الآن واذا استمر النزاع بين البنك والحكومة في اليابان سوف يكرهون السوق اليابانية. وهناك من يرحب بخطوة هيامي على انها نوع من التصحيح في اليابان, وحتى بعد استقلال البنك المركزي الياباني عن الحكومة عام 1998 شعر كثير من المراقبين في الخارج بالشك من التحرر الكامل للبنك من النفود السياسي في ضوء تركة البلاد وارثها من ثقافة اتخاذ القرار الجماعي وعدم الشفافية. لكن البنك اصبح من اكثر المؤسسات الحكومية شفافية, فهو ينشر محاضر جلسات السياسة النقدية ويعترف بأن مجلس السياسات المكون من تسعة اعضاء يختلف في وجهات النظر. وقال احد كبار المسئولين اذا نظرت إلى تاريخ اليابان بعد انتهاء الحرب العالمية تجد ان اثبات استقلال البنك عن الحكومة هو انجاز حقيقي. غير ان المحللين ينظرون إلى هذا الاستقلال على انه مبالغ فيه بحيث لا يؤدى إلى النفع المطلوب. ويقول ليولين ان هذا الاستقلال يتناقض مع الوضع في الولايات المتحدة حيث العلاقة ممتازة بين آلان جرينسبان )رئيس البنك المركزي( ولاري سومرز وزير الخزانة. ويضيف ان سومرز لن يشك في استقلالية البنك الفيدرالي بل يعملان معاً في تناغم وتفاهم. المشكلة الاساسية هي ان البنك المركزي الياباني لا يزال غامضاً من حيث صلاحياته فالقانون الذي اعطاه الاستقلال يطالبه بتحقيق استقرار في الاسعار وايجاد نظام مالي صحي مناسب ويري كثيرون انه يعطي محافظ البنك سلطات مبالغ فيها وكذلك لمجلس الادارة. من المؤكد ان التضخم هو الآن اقل مشكلات اليابان اهمية, فاسعار التجزئة تنخفض بالفعل بنسبة 1% سنوياً خلال الاشهر الماضية ويعترف خبراء الاقتصاد ان هذا الرقم يزيد على معدل التضخم الحقيقي بنسبة 1%. ويبدو ان الدافع وراء رفع اسعار الفائدة مجموعة معقدة من العوامل تشمل التعبير عن الاستقلالية والرغبة في التخلي عن سياسة جعلت اليابان تبدو حالة شاملة في عيون العالم والامل في ان يؤدى ذلك إلى زيادة الضغط على الشركات لإعادة الهيكلة وعلى الحكومة لتمارس التقشف. لكن الخوف في السوق هو ان هذه الدوافع تفوق كثيراً هدف ضبط معدل التضخم ومادام البنك في هذه الحالة من غامض من حيث صلاحياته سوف يجد من الصعب عليه اقناع الاسواق بأنه يعمل بالفعل على تجنب ارتفاع التضخم وان هذه السياسة لا تعتمد على الاشخاص او السياسة بشكل يمثل خطورة. لكن هذا سوف يكون نبأ غير سار بالنسبة لبقية العالم. وقد رفض لاري سومرز التعليق مباشرة على سياسة اليابان النقدية لكن من استمع اليه في الاشهر الاخيرة لا يشك فيما يفكر فيه. لقد اتفق وزراء مالية الدول السبع الصناعية الكبرى في واشنطن في ابريل على انه من الضروري ان تدعم سياسات الاقتصاد الكلي النمو العالمي القائم على الطلب وهذا يعني الالتزام بسياسة سعر الفائدة الصفرية. وقالت خبيرة اقتصادية في واشنطن ان قوة الاقتصاد الامريكي حالياً مدفوعة بالطلب المحلي كلية واضافت ان النمو الياباني يعتمد على الخارج من فترة طويلة لدرجة ان اي ضعف بسيط فيه قد يضر بالولايات المتحدة ويأتي القلق من ان رفع سعر الفائدة الياباني سوف يزيد من الخلل في الاقتصاد العالمي ويلقي بالظلال على اليابان في الوقت الذي تستمر فيه الطفرة في امريكا. وتقول الخبيرة ان المستثمرين يرون ان الاقتصاد الاوروبي غير مضمون والاقتصاد الياباني عند ادنى المستويات فعندما يغيرون وجهة نظرهم قد يغيروها بدرجة كبيرة جداً وكلما طالت فترة تحمل عوامل الممخاطرة وجنى المكاسب التي يروها في الولايات المتحدة زادت درجة التغير في وجهة النظر. اليابان منذ سنوات طويلة تجسد وصف جون ميانارد للكساد الاقتصادي الذي لا يستطيع اي شيء فيه ان يقنع الشركات بالانفاق مهما كانت السياسات النقدية وخفض سعر الفائدة في هذه الحالة يشبه الحدث في البحر. لكن اذا كان خفض سعر الفائدة في اليابان ليس له اثر فإن رفعها قد يكون له اثر اكبر واعمق. فاينانشيال تايمز