كان الخبراء يشبهون الاقتصاد الامريكي خلال فترة الطفرة الاقتصادية المستمرة حاليا بأنه الارنب الذي يظهر في الاعلان دائم الحركة والعدو بسبب البطارية القوية التي يعمل بها وتجعله لا يتوقف ابدا. وتوقع بعض الخبراء ان يحدث بعض الانخفاض او الهدوء او الكساد و حتى الانهيار لعدة مرات, لكن كل هذه التوقعات باءت بالفشل. احصاءات الربع الثاني من العام تستحق الاهتمام والامعان. تشير تلك الاحصاءات الى ان الارنب النشيط لا يستمر فقط في العدو والحركة المستمرة, بل زاد نشاطه بشكل ملحوظ ايضا. تشير الاحصاءات الى ان الانتاج الاقتصادي الامريكي ارتفع بمعدل سنوي 5.2% (ولم يتراجع معدل نموه كماتوقع البعض من قبل). وما يثير الدهشة هو ان معدل الانتاجية خارج المجال الزراعي ارتفع بمعدل سنوي 5.3%. وفقا للاحصاءات المبدئية التي نشرتها وزارة العمل الأمريكية في مطلع الشهر الجاري. انتج العمال الامريكيون بين ابريل ويونيو انتاجا اكبر بنسبة 5.1% في الساعة مقارنة بانتاجيتهم في نفس الفترة من العام السابق. هذا النمو في الانتاجية هو الاعلى منذ 17 عاما في الولايات المتحدة. وقد ادى هذا الارتفاع الكبير في الانتاجية الى انخفاض تكلفة العمل لكل وحدة (اي مكافأة العمال عن كل وحدة انتاجية) بنسبة 0.1% خلال الربع الثاني من العام وهو يعني انخفاضا بنسبة 0.4% مقارنة بنفس الفترة من العام السابق برغم ان الاجر في الساعة ارتفع بنسبة 4.7%. ويكفي ارتفاع الانتاجية الحالي ويزيد لرفع الاجور (وهو بالطبع شيء يسعد خبراء الاقتصاد القلقين في المؤسسات الاكاديمية والتعليمية). النتيجة المباشرة للارتفاع في بيانات الانتاجية هي تزايد الثقة في شارع المال والبورصة الامريكية بأن ليس هناك احتمال لرفع اسعار الفائدة مرة اخرى في اجتماع مجلس البنك المركزي الامريكي في اواخر الشهر الجاري. كما ارتفعت ايضا الثقة بسبب تقلص المخاوف من ضغوط التضخم بعد نشر البيانات الاقتصادية عن اجمالي الناتج المحلي في الربع الثاني من العام وما تشير اليه بيانات العمالة من ان سوق العمل في حالة جيدة وعدم وجود ادلة على انخفاض الطلب. غير ان كثيرين لا يتوقعون ان يستمر هذا المعدل السريع في نمو الانتاجية. فبيانات الانتاجية الربع سنوية غالبا ما تكون متقلبة ومتغيرة (سجلت الانتاجية غير الزراعية نموا بنسبة 1.9% خلال الربع الأول من العام مقارنة بنفس الفترة من العام السابق له). الأكثر من ذلك ان بعض هذا النمو هو جزء من دورة ونتاج النمو الاكبر من المتوقع في الانتاج. فعندما يسجل الاقتصاد نمواً كبيراً غير متوقع تضغط الشركات على العاملين بها لمواكبة هذا النمو. لكنه لاشك ان نسبة كبيرة من حجم هذا النمو المرتفع في الانتاجية يرجع الى التحسن الهيكلي في الاقتصاد الأمريكي. واستمرار ارتفاع الانفاق الاستثماري من الشركات هو احد العوامل المشاركة والمساهمة في ارتفاع الانتاجية. لقد ارتفع الانفاق الاستثماري الحقيقي للشركات من نحو 10% العام الماضي الى 15.3% خلال الربع الثاني من العام الجاري. ويقدر خبراء الاقتصاد في مؤسسة جولدمان ساكس مثلا ان هذا العامل وحده قد رفع معدل نمو الانتاجية بنسبة 0.2% من اجمالي نسبة النمو. وهناك عوامل اخرى محتملة ساهمت في ارتفاع معدل الانتاجية مثل التحسن في مستوى قوة العمل والمزايا الخالصة في مجال الكفاءة التي تحققت من الابتكار وتقدم التكنولوجيا. ويثير تقييم هذه العوامل وترجيح ما اذا كان هناك تغيرات هيكلية تسرى في قطاعات الاقتصاد أو تتركز بصفة خاصة في قطاع التكنولوجيا الفائقة جدلا حامي الوطيس بين خبراء الاقتصاد. وسوف تزيد البيانات والارقام المنشورة مؤخراً عن الانتاجية مزيدا من الجدل. ومهما كان التفسير فإن ارتفاع معدل الانتاجية سوف يستمر في دفع الارنب لمزيد من الحركة والنشاط. تناقض شديد تعاني غالبية الشركات الأمريكية برغم النمو الاقتصادي الامريكي المستمر, لكن الامر بصفة عامة على ما يرام. تعاني كثير من الشركات الامريكية الكبيرة, وصناعات بكاملها احيانا من ارتفاع نسبة الديون لاسباب منها الافراط في الاقراض خلال النصف الثاني من التسعينات. فهناك نسبة كبيرة من قطاع الرعاية الصحية يعاني من التعثر وتشمل هذه النسبة تجارة التجزئة والمنافسة الشديدة حتى ان سلاسل المتاجر الكبيرة تدفع الكثير من المنافسين الاصغر حجما الى خارج نطاق المنافسة وساهم ذلك في تزايد شدة موجة الاندماجات. ويبدو ان بعض موردي قطع غيار السيارات ليس امامها خيار إلا الهبوط والخروج من دائرة المنافسة برغم الارتفاع الكبير في مبيعات السيارات العام الماضي. وليس هذا كل شيء فهناك متاجر كبيرة مثل باتمارك وشركة يونايتد ارتيستس (الفنانين المتحدين) فشلت في اطلاق سندات خلال الربيع من اجل سداد ديونها حيث بلغ اجمالي هذه الديون 15 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الجاري بالنسبة لجميع الشركات الامريكية ويتضح هذا الوضع بالنسبة لمحاميي الافلاس وآخرين رغم انه قد لا يكون غير محسوس بالنسبة لعملاء مؤسسات مثل باتمارك ويونايتد اريتستس والمعروف ان محاميي الافلاس يكسبون عيشهم من افلاس المؤسسات والشركات. وهم يعلمون ان التحسن بالنسبة للشركات امر نادر الحدوث, رغم ان هذا التحسن امر وارد بناء على اسواق السندات عالية العائدات. إعادة الهيكلة ويقول احد الخبراء ان اعادة الهيكلة في توسع في الوقت الحالي. وقد زاد عدد العاملين في شركة مثل جاي اليكس وشركاه ثلاث مرات على مدى خمس سنوات وهي من الشركات التي تساعد الشركات الاخرى على ضبط العمليات واعادة اصدار السندات. ويقول هذا الخبير ان جميع المحامين المتخصصين في قضايا الافلاس والملاءة المالية مشغولون جداً. ويشير (يريك بالمر) الشريك والخبير في اعادة الهيكلة بشركة ويل جوتشاك الى عملية اعادة تمويل المستشفيات التي يقول عنها انها مجرد بداية تجعلنا نشعر بالانهيار الذي اثر في قطاعات اخرى. ويقول ان ما يثير الدهشة ان هذا يحدث في اطار اقتصاد منتعش ويسجل نمواً. ويختلف الامر حسب من تخاطبه بخصوص ما اذا كانت هذه الاستثناءات في الطفرة الاقتصادية سوف تؤدي الى انهيار ائتماني. لكن ليس هناك شك في ان هناك اعداد متزايدة من الشركات تضطر للهبوط او الفشل بسبب المشكلات المالية. وسوف تتسع فجوة مشكلات الشركات مع ان غالبية خبراء الاقتصاد يقولون ان مجلس البنك المركزي ينجح ان آجلا او عاجلا في تهدئة النمو الاقتصادي الامريكي. فإذا ادت اجراءات البنك المركزي الامريكي الى كساد كما يتوقع كثير من المحللين الاقتصاديين بالنسبة للعام المقبل فإن ديون الشركات قد تزيد من حدة الانكماش الاقتصادي ويقول هنري ميللر نائب رئيس واسر شتاين بيريلا ورئيس قطاع اعادة الهيكلة فيها ان المقربين من هذا المجال يعتقدون ان هناك مزيدا من المتاعب في الطريق. وتقول خدمة المستثمرين في مؤسسة خدمة المستثمرين في مؤسسة مودي ان 6.2% من السندات عالية العائدات لا تحقق العائدات المفروضة منها وتتوقع ان ترتفع هذه النسبة الى 7.1% بحلول نهاية العام الجاري والى 8.4% بحلول يوليو المقبل. ويوجد في الولايات المتحدة 75% من السندات التي تصدر لسداد الديون على مستوى العالم من حيث القيمة وتمثل الشركات التي تصدرها 85% من حيث عدد هذه الشركات, حيث ان اسواق المال الأمريكية تتمتع بأعلى نسبة انفتاح في العالم. ويقول كثير من خبراء الاقتصاد انهم يشكون في ان الديون الآخذة في الارتفاع سوف تسبب هزة في الاقتصاد عموما. لكن رئيس البنك المركزي الان جرينسبان يراقب ارقام الديون. واجرى مساعدوه بحثا مؤخراً عن سوء احوال سوق الديون المرتفعة. هناك بعض الضحايا من الشركات في مجال مثل الصلب وهناك ضحايا في مجالات اخرى مثل صناعة المعدات الثقيلة, ومثال ذلك شركة هارنشفيجر لصناعة معدات التعدين التي خضعت للفصل الحادي عشر من قانون الافلاس عام 1999 بسبب انخفاض الاسعار وثبات التكلفة. اندماجات لامبرر لها كما سبب الاقراض لعمليات شراء واندماج قال عنها المحللون انه لامبرر لها مشكلات اخرى. حاولت مؤسسة سيفتي كلين مثلا الجمع بين نشاطين مختلفين مثل التخلص من النفايات الخطيرة وجمع زيوت المحركات المستعملة والمواد المعاد انتاجها. ووقعت شركات اخرى فريسة للتغيرات التكنولوجية السريعة او لقيود جديدة على الانفاق الحكومي مثل المستشفيات ودور العلاج والاستشفاء. ولم تحقق شركات الانترنت, إلا من استثناءات قليلة, الاستغلال الامثل لسوق السندات بسبب العرض الكبير منها على الاقل حتى نهاية العام الجاري والنتيجة ان قليلا منها فشل. استراتيجيات سيئة ويقول المحللون ان الاستراتيجيات السيئة او سوء التنفيذ او كليهما لم يكن ليحدث دون اطلاق العنان للمعايير التي سمحت للشركات الضعيفة ان تقترض بحرية كاملة من البنوك والمستثمرين في السندات. ويقول ادوارد التمان استاذ التمويل في جامعة نيويورك ان هناك اعدادا كبيرة من الاسهم الضعيفة طرحت في الاسواق في الفترة من 1996 حتى 1999 والدليل على ذلك ان الفشل والاخفاق ظهر في غضون عام او عامين من التمويل وليس بعد ثلاثة او اربعة اعوام. وبدأت البنوك تشدد من شروط الاقراض في الوقت الذي كان فيه التدفق النقدي ضروري لدفع السندات والديون المستحقة, خاصة في اعقاب ازمة الديون الروسية عام 1998. ووضع البنك المركزي قيودا على البنوك لتعترف بأخطائها واستخدام بعض ارباحها لزيادة الاحتياطي مقابل الديون المشكوك في سدادها. واصبحت اسواق الدين والمقرضين اكثر عداء مع الشركات التي تحتاج الى تمويل. وقال احد الخبراء ان معايير الاقراض اصبحت اكثر تشددا ولم تعد هناك قيود اكثر من ذلك. ويقول من ثلاث سنوات كنت تذهب لبنك فقط لتحصل على القرض, لكن الوضع لم يعد ذلك الآن. كا ان سوق السندات مغلقة امام هذه الشركات. وجاء في تقرير نشره سالمون سمي بارني الشهر الماضي ان نسبة الاخفاق في دفع السندات المستحقة بلغت 1.58% خلال الربع الثاني من العام مقابل 1% خلال الربع الأول كما ان نسبة الديون المتعثر سدادها بلغت ايضا مستويات كثيرة القلق والتشاؤم. وتصل عائدات السندات المتعثر سدادها الى نسبة تزيد على سندات الخزانة المناظرة لها بمقدار 10% وحتى 30 يونيو العام الجاري كان 17% من سندات الدين عالية العائدات تندرج تحت هذه الفئة مقابل 9% فقط العام الماضي و3% فقط في نهاية 1998. وخفضت مؤسسة مودي تقديرات شركات من حيث قدرتها على سداد الديون يصل عددها الى ضعف الشركات التي رفعت تقديراتها خلال النصف الأول من العام الجاري وهي اعلى نسبة منذ عام 1991. وتصل نسبة الديون المتعثر سدادها وغير المسددة الى 23% من اجمالي الديون حسب ارقام منتصف العام مقابل 43% عام 1992. ويقول بعض المحللين ان اسعار فائدة سندات الديون ذات العائدات المرتفعة انخفضت الى مستويات المساومة وبلغت في المتوسط 13%. وقال ستيفن روجيرو مدير ابحاث العائدات المرتفعة في شركة تشيس للأوراق المالية ان هناك شعوراً بأن البنك المركزي نجح فيما يريد تحقيقه عن طريق رفع اسعار الفائدة ويقول ان سندات الدين مرتفعة العائد استثمار جيد بشرط ان تكون ضمن صناديق استثمارية مفتوحة او مغلقة والا تمثل اكثر من 10% من المحفظة الاستثمارية. ويبدو من الواضح ان هذه الاوضاع للشركات والديون الداخلية لاتتناسب مع نسبة النمو الاقتصادية الامريكي والطفرة الاقتصادية الطويلة غير المسبوقة في التاريخ الامريكي لكن ما يمكن قوله هو ان الولايات المتحدة هي ارض المتناقضات منذ اكتشاف العالم الجديد وسوف تظل كذلك.