اشار اختيار الدكتور احمد جويلي لمنصب رئيس الوحدة الاقتصادية العربية تفاؤلاً بالخير في ضوء اعمال سابقة له حقق فيها نتائج مرضية افادت الوطن العربي بأجمعه, كما ان قراءاته لابد ان تكون قد امتدت ايضا إلى اكبر قضية فساد عرفتها المنظمات العربية المشتركة ، وكان بطلها رئيس صندوق النقد العربي الذي حكم عليه بالسجن لمدة 77 عاما ورد مبلغ ثمانين مليون دولار امريكي إلى الصندوق, وقد اظهرت هذه القضية السلبيات التي تجتازها بعض هذه المنظمات. كما لابد ان يكون على دراية ايضا بالتردي الذي اصاب التعاون الاقتصادي العربي منذ الستينات حيث توقفت الاتفاقيات الجماعية التي اعدت في الخمسينات والتي كانت تهدف إلى تعاون اقتصادي عربي جاد كاتفاقية تسوية مدفوعات المعاملات الجارية وانتقال رؤوس الاموال, والتي سمحت بفتح حسوبات جارية للافراد العرب في اي بلد عربي, وبالتالي كان يمكن لهذه الاتفاقية ان تنشىء منطقة نقدية عربية حرة, قبل المناطق النقدية العديدة التي اقيمت في مناطق اقليمية اخرى, وان تجعل العرب يقتربون عملاً من تحقيق الوحدة الاقتصادية والنقدية العربية, ومنذ ذلك التردي انهار التعاون الاقتصادي العربي واصبح دون المستوى اللائق المطلوب. وفي اول تصريح له اكد انه يضع استراتيجية عمل جديدة لنشاط المجلس تعتمد على عدد من المحاور الاساسية من بينها تحديد فكر المجلس ووسائل تحقيق اهدافه مع التأكيد على توطيد علاقة التعاون الوثيق مع جامعة الدول العربية ومنظماتها والتعاون ايضا مع القطاع الخاص العربي والمنظمات غير الحكومية في دفع مسيرة التنمية في الدول العربية واسهامعا في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي, ومن المحاور الاساسية ايضا القيام بتحويل مجلس الوحدة الاقتصادية إلى بيت خبرة عربي بغرض وضع الاسس اللازمة لتسريع حركة التنقل في السلع والاشخاص ورؤوس الاموال وتنشيط الاستثمار داخل المنطقة العربية, (وهي عبارة مازالت غير واضحة وما اذا كان يقصد منها ان يتحول المجلس إلى مجرد مستشار للتعاون الاقتصادي العربي ام سيكون له سلطات في القيام بتحقيق اهداف الاتفاقية. لقد اصبح في منصبه الجديد امام حقائق غريبة منها ان اجمالي الدخل القومي في كافة الدول العربية لا يزيد على 600 مليار دولار امريكي في عام 1997 بالرغم من الثروة البترولية الوفيرة التي تملكها المنطقة والذي يمثل 1.2% من اجمالي الناتج العالمي الذي يبلغ 28 تريليون دولار امريكي, كما ان متوسط نصيب الفرد في الناتج الاجمالي لا يزيد على 2269 دولار للفرد عام ,1997 اما التجارة البينية فلا تزيد على 27 مليار دولار في نفس العام وهو يمثل ما يقرب من 8% من حجم التجارة الدولية, وهذه العوامل توضح توافرالمشاكل العربية التنموية والغذائية والتجارية بالاضافة إلى المشاكل المتعلقة بالتصحر والمياه والصراعات حولها حيث انه بحلول عام 1925 فإن المياه المتاحة لانتاج الغذاء في المنطقة العربية لن تكفي مع الضغوط القائمة حالياً من اسرائيل وتركيا وبعض الدول الاجنبية الاخرى. لقد تردى العمل العربي المشترك فعلا منذ الستينيات في كل مجالات التعاون الاقتصادي الجماعي, وتغير الهًّف من الصالح العام إلى الصالح الخاص, ومن العطاء القومي إلى الاخذ الفردي وانصرفت الحكومات في كل دولة على حدة تبحث عما يثبت اقدامها ويقوي سلطانها المحلي بعيدا عن شفافية العمل المشترك الذي قامت على اساسه مناطق تعاون اقليمية قوية في اقاليم عديدة من العالم ابرزها كان الاتحاد الاوروبي, الابيك, والمنطقة الامريكية الحرة بين الولايات المتحدة الامريكية والمكسيك وكندا. لقد توقف العقل العربي عن تحقيق انجازات واضحة في العمل العربي المشترك وعن تحقيق الاهداف التي كانت تسعى اليها اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية التي وافق المجلس الاقتصادي العربي عليها في دورة انعقاده العادي الرابع بجلسته الثالثة بتاريخ 3 يونيو 1957 والتي وقعتها ما يقرب من احدى عشرة دولة عربية, بينما امتنعت الدول الاخرى عن توقيعها حتى الآن, لانها رأت ان توقيعها يعتبر ازدواجاً في توقيع الاتفاقيات التي تسعى إلى ايجاد تعاون اقتصادي عربي جاد وضياعاً للهدف منه. وعلى سبيل المثال اذكر ان ميثاق جامعة الدول العربية الذي وقعته كل الدول العربية المستقلة بتاريخ 21 مارس بالقاهرة نص في المادة الثانية منه على انه (من اغراض الجامعة تعاون الدول المشتركة فيها تعاونا وثيقا بحسب نظم كل دولة واحوالها في الشئون الآتية: ـ الشئون الاقتصادية والمالية بما فيها التبادل التجاري, والجمارك والعملة وامور الزراعة والصناعة. ـ شئون المواصلات بما فيها السكك الحديدية والطرق والطيران والملاحة والبرق والبريد. ـ شئون الثقافة والعلم والتكنولوجيا. ـ شئون الجنسية والجوازات والتأشيرات وتنفيذ الاحكام وتسليم المجرمين. ـ الشئون الاجتماعية. ـ الشئون الصحية. كما نصت المادة السابعة من معاهدة الدفاع والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية على انه (استكمالاً لاغراض هذه المعاهدة وما ترمي اليه من اشاعة الطمأنينة, وتوفير الرفاهية في البلاد العربية, ورفع مستوى المعيشة فيها, تتعاون الدول المتعاقدة على النهوض باقتصاديات بلادها واستثمار مرافقها الطبيعية, وتسهيل تبادل منتجاتها الوطنية الزراعية والصناعية, وبوجه عام على تنظيم نشاطها الاقتصادي وتنسيق وابرام ما يقتضيه الحال من اتفاقيات خاصة لتحقيق هذه الاهداف) . كما نصت المادة الثامنة من المعاهدة على ان (ينشأ مجلس اقتصادي من وزراء الدول المتعاقدة المختصين بالشئون الاقتصادية او من يمثلونهم عند الضرورة لكي يقترح على حكومات تلك الدول ما يراه كفيلا بتحقيق الاغراض المبينة في المادة السابعة, وللمجلس المذكور ان يستعين في اعماله بلجنة الشئون الاقتصادية والمالية المشار اليها في المادة الرابعة من ميثاق جامعة الدول العربية, و(بالتالي فإن هذا المجلس يعتبر الاداة التنفيذية للميثاق الذي يتضمن التعاون العربي الوثيق في كل المجالات. غير ان اتفاقية الوحدة الاقتصادية جاءت بعد بعشر سنوات لتنشىء مجلساً جديداً للعمل في مجال التعاون الاقتصادي العربي حيث نصت المادة الثالثة من هذه الاتفاقية على ان تنشأ هيئة دائمة تدعى (مجلس الوحدة الاقتصادية العربية) وقد تحدد مهامه وصلاحياته في ضوء ما ورد بهذه الاتفاقية في تحقيق: ـ حرية انتقال الاشخاص ورؤوس الاموال. ـ حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية والاجنبية. ـ حرية الاقامة والعمل والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي. ـ حرية النقل والترانزيت واستعمال النقل والمرافىء المطارات المدنية. ـ حقوق التملك والايصاء والارث. كما حددت اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية الاساليب التي تعمل على تحقيق هذه الاهداف والتي لا تختلف كثيراً عن الاساليب التي يقررها المجلس الاقتصادي العربي, خاصة وان كلا المجلسين يعملان لتحقيق هدف واحد وهو دعم التعاون الاقتصادي العربي باستخدام الخطوات التي نصت عليها الاتفاقية والتي تتمثل فيما يلي: ـ جعل الدول العربية منطقة جمركية واحدة تخضع لادارة موحدة وتوحيد للتعريفة والتشريع والانظمة الجمركية المطبقة في كل منها. ـ توحيد سياسة الاستيراد والتصدير والانظمة المتعلقة بها. ـ توحيد انظمة النقل والترانزيت. ـ عقد الاتفاقيات التجارية واتفاقات المدفوعات مع البلدان الاخرى بصورة مشتركة. ـ تنسيق السياسة المتعلقة بالزراعة والصناعة والتجارة وتوحيد التشريع الاقتصادي بشكل يكفل لمن يعمل من رعايا البلاد المتعاقدة في الزراعة والصناعة والمهن الاخرى شروطا متكافئة. ـ تنسيق تشريع العمل والضمان الاجتماعي. ـ تنسيق تشريع الضرائب والرسوم الحكومية والبلدية وسائر الضرائب والرسوم الاخرى المتعلقة بالزراعة والصناعة والتجارة والعقارات وتوظيف رؤوس الاموال بما يكفل مبدأ تكافؤ الفرص. ـ تلاقي ازدواج الضرائب والرسوم على المكلفين من رعايا الدول المتعاقدة. ـ تنسيق السياسات النقدية والمالية والانظمة المتعلقة بها في بلدان الاطراف المتعاقدة تمهيداً لتوحيد النقد بها. ـ توحيد اساليب التصنيف والتبويب الاحصائية. ـ اتخاذ اجراءات اخرى تلوم لتحقيق الاهداف المطلوبة. وكل هذه الاساليب لم يتحقق منها شيئاً حتى الآن بالرغم من مرور اكثر من 40 سنة على اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية. ومن هنا نجد ان مجلسين متباعدين ولجنة مستقلة بالاضافة إلى عدد كبير من المنظمات العربية المشتركة انشىء في الربع الاخير, يعملون جميعاً من اجل تحقيق هدف واحد وهو تحقيق التعاون الاقتصادي العربي, وهو الذي تردى بشكل واضح بعد التعدد والتضارب بين المنظمات والمجالس المتعددة, بينما لم يصل احدهم إلى الهدف المنشود من تحقيق الوحدة الاقتصادية العربية ولا حتى إلى اقامة السوق العربية المشتركة التي اتسعت المطالبة بها في العشر سنوات الاخيرة ومن اعلى السلطات العربية. ومن المؤكد وفي ضوء ما ظهر خلال السنوات الاخيرة ان تحقيق السوق العربية المشتركة وتحقيق الوحدة الاقتصادية العربية هما هدفان كبيران لن يتم تحقيقهما في ظل هذا التعدد وذلك التضارب الذي اصبح من سمات العمل العربي المشترك, واذا اريد للسوق العربية المشتركة ان تقام وان تصل إلى إلى اتحاد اقتصادي عربي كما تم في اوروبا, فإن المطلوب ـ وعبئه الاكبر يقع على الأمين العام الجديد لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية بحكمته وادارته الرشيدة وبالتعاون مع كافة المسئولين عن التعاون العربي ـ المطلوب: ـ ان يتم دمج المجالس والمنظمات العربية المشتركة التي تعمل في مجال التعاون الاقتصادي العربي ومنها القطاع الاقتصادي في الجامعة العربية, مع مجلس الوحدة الاقتصادية العربية, وصندوق النقد العربي وصندوق الانماء العربي, وذلك تحت مسمى واحد يمكن ان يكون (الهيئة الاقتصادية العربية) وعلى ان يكون لها مجلس ادارة ينضم اليه ممثل او اكثر عن القطاع الخاص العربي. ان يعتمد قيام هذه الهيئة مؤتمر قمة عربي يجتمع خصيصاً للعمل الاقتصادي العربي ويقرر مدى الصلاحيات والسلطات التي تمنح لهذه الهيئة حتى نتمكن من اقامة سوق عربية مشتركة او على الاقل ان يقع عليها مسئولية اعداد كافة الجوانب التي تقوم عليها السوق العربية المشتركة والتي تتحقق تدريجيا على مدى زمني قريب لا يزيد عن خمس سنوات وان تضم اغلب الدول العربية الاعضاء في جامعة الدول العربية. ولاشك ان هذا الدمج الجديد مع التوحيد للاجهزة العاملة في التعاون الاقتصادي العربي, وذلك في شكل هيئة موحدة وجهاز تنفيذ واحد, سيكون تمهيدا عمليا لاقامة السوق العربية المشتركة, التي يمكن ان تضم في اعمالها كافة الاتفاقيات الجماعية بين الدول العربية وتدفع العمل العربي المشترك إلى اقامة تكتل وتكامل اقتصادي عربي يصبح الاساس في اقامة الاتحاد العربي الذي تنتظره كل الشعوب العربية.