يتأثر الاقتصاد في كل دول العالم بالوضع السياسي والعسكري, وينعكس ذلك التأثر في تغيرات اقتصادية (سلبية او ايجابية), تتباين صعودا ونزولا, حسب محددات تبدو ثابتة, لكنها في واقع الامر متغيرة, وبطريقة تدريجية أو حادة, مما تنجم عنه (تخلخلات) او (استثمارات) في مستوى الاقتصاد المعني. والعراق شهد ظروفا عسكرية امتدت الى ما يقرب العشرين سنة, جعلت اقتصاده يعاني من مشاكل واضحة, اهمها توقف العمل بالخطط الخمسية التي كانت معتمدة فيه منذ منتصف القرن العشرين. وقد شكلت حربا الخليج اسبابا موضوعية لوقف العمل بهذه الخطط. واوضح الدكتور حسن عبدالمنعم خطاب رئيس هيئة التخطيط في العراق انه من الناحية العملية, فان المناهج السنوية لخطط التنمية القومية, التي تمثلها الموازنة الاستثمارية, قد استمر المعمل بها دون توقف, وان كان ذلك بزخم اقل مما كانت عليه في السابق. اذ ان قدرة الاقتصاد الوطني العراقي على الانفاق الاستثماري قد انخفضت, كما ان (عدم التأكد) الناجم عن الظروف الاستثنائية, جعل من الصعب الالتزام الصارم بخطة وتخصيصات معينة, انما تخضع هذه الخطط الى التعديل خلال السنة. اما فيما يتعلق بالتشريعات الاقتصادية المهمة فقد صدرت خلال المدة اللاحقة لصدور تعليمات رئاسية قوانين عديدة, منها قانون الاستثمار الصناعي رقم 20 لسنة 1998, وقانونا الشركات العامة والخاصة رقم 21 و 22 لسنة 1997, والقرارات رقم 105 و106 لسنة 2000 المتعلقان بانشاء صندوق التنمية, والامتيازات والاعفاءات التي تمنح للمشاريع المشمولة ببرنامج تفعيل الاقتصاد العراقي, وغير ذلك من الاجراءات والتشريعات التي تسهم في وضع الاطار المؤسسي اللازم لتسهيل مهمة تفعيل الاقتصاد, واحداث التنمية ضمن المسارات السليمة لحركة الاقتصاد الوطني. ومن اهم السمات التي تميز خطة التنمية, قيام هيئة التخطيط, بالتنسيق مع الجهات القطاعية المعنية, باعدادها بشكل مختلف عن غيرها من الخطط السابقة, وهذا الاختلاف يلاحظ في مسارات عدة, في مقدمتها: ابراز دور القطاع الخاص فبعد صدور قراري تفعيل الاقتصاد العراقي, اصبح واضحا الدور المرسوم للقطاع الخاص في احداث التنمية, لاسيما وان جهودا كبيرة قد بذلت لاصدار هذين القرارين, من اجل اعداد الارضية اللازمة لفاعليتها. كما ان ما يميز (التفعيل) عن غيره في البرامج السابقة, هو انه قد ركز على الترابطات القطاعية, بين مختلف القطاعات, ولاسيما العام والخاص, بالاضافة الى تركيزه على تشجيع المشاريع التي تعني بانتاج وسائل الانتاج, وتلك التي تستخدم مدخلات انتاج محلية, كما ان صندوق التنمية افرد ـ لاول مرة تخصيصات للنقد الاجنبي, يمكن في حالة اكتمال الشروط اللازمة اقراضها الى القطاع الخاص, لتسهيل مهمة حصوله على مستلزمات تنفيذ المشاريع الهادفة الى تفعيل الاقتصاد العراقي, باسعار فائدة تساوي (فائدة الدين العام + نقطة واحدة). ـ التمويل الذاتي للشركات: بعد صدور قانون الشركات العامة رقم 22 لسنة ,1997 وضعت الشركات العامة في اطار قانوني, يتيح لها العمل وفق اسس تجارية, ولا تلجأ الى (التمويل المجاني) من الخزينة العامة, بل.. عندما ترغب في الاستثمار الجديد, عليها ان تتقدم وفق دراسة جدوى فنية, واقتصادية, للاقتراض من الخزينة العامة, بسعر فائدة يساوي (فائدة الدين العام + نقطة واحدة), حسب التعليمات رقم 4 لسنة 1999 الصادرة عن هيئة التخطيط. ان هذا المنهج سيؤدي الى وضع الشركات العامة وجها لوجه امام كيفية التصرف بالموارد الناتجة, بشكل اقتصادي, والحرص الشديد على الاموال العامة. ـ المفاضلات في توجيه الاستثمارات: تميزت خطط التنمية السابقة بانها كانت تعد وفق اعتبار عدم قيود مالية على تمويل المشاريع, مما افقدها المفاضلة والتميز في توزيع الموارد المتاحة على الاستخدامات التي تحقق اعلى المنافع, الا ان خطة التنمية للسنوات 2001 ـ 2005 ستعد وفق اعتبارات الندرة في الموارد, وتحت شعار (توازن الموازنة), ومن ثم فان الامثلة في اختيار توليفة المشاريع ستحكمها قيود الموازنة في الموارد.. وهذه ميزة العمل وفق اسس اقتصادية, تسعى بالاساس الى تعظيم التنمية, التي يمكن ان تحقق من موارد محدودة, وليس بالاعتماد على قدرة البلد المالية فحسب. ـ المؤشرات الاجمالية والقطاعية: ان ما تقوم به هيئة التخطيط حاليا, يتلخص فيما يأتي: ـ دراسة تحليلية لواقع الاقتصاد العراقي, والمؤشرات ذات العلاقة بمسيرة التنمية, الاقتصادية والاجتماعية, ومنها على سبيل المثال.. تطور الناتج المحلي الاجمالي, وتكوين رأس المال الثابت, وتطور الاستهلاك العائلي, والانفاق الحكومي الاستثماري والجاري, والمساهمات للنشاطات الاقتصادية المختلفة في توليد الناتج, وحصتها في تكوين رأس المال الثابت, ومساهمتها في تشغيل القوى العاملة, ومؤشرات عن التوزيع المكاني للنشاطات الاقتصادية والخدمات الصحية والتربوية وغيرها من المؤشرات, بغية التعرف على ما طرأ على هذه المؤشرات خلال مدة الحصار, ومن ثم العمل على وضع اهداف التنمية ضمن الامكانات المتاحة, والتي ستتاح خلال مدة تنفيذ الخطة. ـ دراسة وتحليل واقع النشاطات الاقتصادية السلعية والتوزيعية والخدمية بشكل مفصل, بغية التعرف على التطورات التي حصلت خلال مدة الحصار على هذه النشاطات, ومن ثم العمل على وضع الاهداف ممكنة التحقيق, وترجمة هذه الاهداف الى مستلزمات للتنفيذ بشكل محدد, تبعا للامكانات المتاحة. ـ تقدير الاستثمارات.. حيث سيتم تقدير الاستثمارات المطلوبة لتنفيذ الاهداف التي ستوضع للخطة الخمسية بشكل دقيق, من خلال الاعتماد على المعاملات الفنية ذات العلاقة برأس المال ـ الانتاج, بالاضافة الى فحص دقيق للمشاريع التي تحت التنفيذ في الوقت الحاضر, مراعين بذلك قدرات البلد المحدودة في توفير هذه الاستثمارات, خصوصا ما يتعلق منها بمستلزمات الخطة من المواد المستوردة. ـ القوى العاملة المطلوبة.. وسيتم تقدير احتياجات البلد منها, بمختلف الاختصاصات والمهارات, مع الاخذ بنظر الاعتبار ان توفير فرص عمل منتجة للقوى العاملة يعد احد اهم الاهداف التي تسعى خطط التنمية الى تحقيقها. ـ وستعمل الخطة على جعل الاهداف القطاعية والاجمالية متوازنة ومتسقة مع بعضها, ومنسجمة مع مستلزمات التنفيذ.. اي العمل قدر الامكان على وضع الاهداف الممكنة التحقيق, ضمن القيود التي تحكم حركة الاقتصاد في كل مرحلة من مراحله وتطوره. .. وان كانت هذه المؤشرات المحددة بنقاط قليلة هي ابرز ما قدمته هيئة التخطيط عن الاقتصاد العراقي وآفاق تطوره المستقبلي, فاننا نأمل ان يتمكن القائمون على هيئة التخطيط من تحقيق ما خططوه, بالنظر للمتغيرات السريعة التي اصبحت المؤشر الواضح على اغلب الوضع العراقي, اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا, وبما يؤثر ويتأثر بالخطط والمشاريع المنتظر تحقيقها. بغداد ـ البيان