لا شك أن احد المحاور الاستراتيجية لأي تنمية دائمة هو عنصر العلوم والتكنولوجيا الى جانب العناصر الاخرى البشرية والمادية. واذا كان هذا القول يمثل حقيقة قديمة, فان ما يجدد حيويتها وأهميتها التطور المتسارع لثورة التكنولوجيا والمعلومات في عصر الانترنت والديجيتل. فلقد بات من البديهي أن على جميع الأمم دون استثناء بذل كافة جهودها وطاقاتها للدخول الى هذا العصر, بل لقد بات هذا الموضوع يمثل تحديا إضافيا أمام الدول النامية للحاق بالدول الصناعية وبالتالي بات عليها حشد استثمارات بشرية ومادية أكثر لتطوير مؤسسات البحث العلمي والتكنولوجي. ان واقع البحث العلمي الذي تعيشه دول مجلس التعاون بحاجة ماسة جدا الى مراجعة شاملة لمنظومة العلوم التقنية والمدخلات والمخرجات والعمليات والمؤسسات والبيئة المحيطة في هذه الدول. ولاشك ان هذه المراجعة يجب ان تركز على تحقيق عدة امور هي: توضيح المستوى الذي وصلت اليه هذه المنظومة من ناحية البناء والقدرات وطبيعة المدخلات والمخرجات, كذلك توضيح الدور الفعال الذي تساهم به مكونات هذه المنظومة في تقدم وتطور المجتمع وجهود التطوير المطلوب تحقيقها كي تتمكن هذه المنظومة من تحقيق الاهداف المستقبلية. وكما يقول احد الباحثين هو الدكتور فؤاد الرميحي فان العلم والنشاط العلمي بطبيعته عالمي النزعة, وباتت المعرفة تمثل جزءا مهما من الحضارة الانسانية عامة. ولكن مع تغير دور العلوم كعامل رئيسي في سباق السيادة العسكرية والاقتصادية, تزايدت درجة السرية والخصوصية كما هو واضح بنسب كبيرة فيما يستجد من المعلومات العلمية. وفي الوقت الحاضر, اصبح ينظر الى الانجازات العلمية كمصدر للقوة والسلطة وبسط للنفوذ والسيادة, وعلى اثر ذلك غدا كثير من الحقول التقنية, ولاعتبارات عسكرية وتجارية, ممتلكات ومقتنيات استئثارية للمنتجين. كما انه لا يوجد في عالمنا اليوم ما يسمى بالمشاركة (التلقائية) في المعلومات العلمية والتقنية بشكل خاص. وهناك في وقتنا الحاضر ابتعاد عن اعتبار المعارف "بضاعة مجانية" , واتجاه نحو مفهوم (الملكية الفكرية) التي تخضع للامتلاك والمتاجرة والتوزيع بصور غير متساوية. ولكن مع هذا كله فان مقدارا وان كان يسيرا ـ من المعلومات العلمية والتقنية لا يزال متوافرا دون مقابل وجاهزا للمشاركة, هذا ان توافرت للدولة الرغبة والقدرة الكافية على الحصول على مثل هذه المعلومات من خلال التعاون العلمي. وفيما يخص افاق التعاون العلمي والتقني بين دول المجلس, فان هناك امرا يؤكده العديد من الباحثين, وهو ان معيار القوة خلال السنوات القادمة هو ما تمتلكه الامم من انجازات تقنية تستطيع من خلالها مواجهة التحديات الداخلية والخارجية, ومن الطبيعي ان القوة التقنية لن تتحقق بالامنيات. فهذه الانجازات مصدرها العقل البشري صاحب التخيلات الواسعة والقادر على نقلها الى عالم الواقع والتطبيق. فالتقنية تؤثر بشكل عميق في سيادة الحكومات والاقتصاد العالمي والاستراتيجيات العسكرية. ويواجه العالم اليوم موجة (عارمة) من التطورات التقنية التي تشكل بدورها تحديا كبيرا جدا بالنسبة الى الدول (النامية) . والسؤال: كيف تستطيع الدول الحديثة العهد بالتصنيع ان تتبع خطى الدول الصناعية, ناهيك عن اللحاق بها؟ هذا اذا علمنا ان ميزانية البحث والتطوير لشركة واحدة مثل جنرال موتورز او آي.بي.ام تفوق كثيرا ميزانية كوريا الجنوبية او الصين او الهند في هذا المجال, علما بان دول منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي تنفق سنويا 400 مليار دولار, مقابل 15 مليار دولار تنفقها اكبر 15 دولة من الدول النامية. هذه المعضلة تؤكد ضرورة التعاون في مجال البحوث التقنية, واقامة المشروعات المشتركة داخل دول الجنوب. حسين محمد