لم يكن غريبا ان تركت لجنة السياسات النقدية التابعة للبنك المركزي البريطاني سعر الفائدة 6% للشهر السادس على التوالي الشهر الماضي. لكن وجهات النظر تضاربت عندما اصدر البنك المركزي تقريره ربع السنوي عن التضخم الذي اظهر ان معدل التضخم كان اعلى من المستهدف خلال العام الثاني من العامين اللذين شملتهما التوقعات. ويقول البعض هل يعني ذلك ان الامر يستدعي رفع اسعار الفائدة؟ لكن آخرين لايرون ذلك صحيحا. معدل التضخم يتجه نحو الارتفاع ويعتقد البعض انه سوف يصل الى 5.2% خلال الاشهر المقبلة وقد ينخفض عن ذلك بحلول نهاية العام لكنه سيرتفع عن المستهدف العام المقبل. والشهر الحرج في هذا المعدل هو ابريل العام المقبل عندما يتم اسقاط تخفيضات اسعار المرافق من حسابات التضخم وقد يصل معدل التضخم بحلول نهاية العام المقبل الى ما يقرب من المستهدف او اعلى قليلاً. ويتوقع البعض ذلك بناء على ارتفاع معدل التضخم الحالي وبناء على تقرير البنك المركزي الاسبوع الماضي, ويحتمل ان يؤدي ذلك بلجنة السياسات النقدية ان تعيد معدل التضخم الى المستوى المستهدف خلال عامين. اذن لماذا تركت اللجنة اسعار الفائدة دون تغيير؟ الرد الذي قدمه البنك على هذا السؤال هو انه ليس هناك علاقة ميكانيكية بين توقعات التضخم وتقرير اسعار الفائدة. فتوقعات التضخم تمثل وجهة نظر لكنها لا تعني ان يتخذ قرار فعلي. وبما ان هذا هو رأي عضو لجنة السياسات النقدية وهو مسئول امام جوردون براون وزير الخزانة, فلابد ان يكون رأيه مقدما على توقعات البنك المركزي. قد يكون ذلك هو الواقع لكنه يعني ان يكون عاديا او طبيعيا, اذا لم يكن غير مسبوق ايضا ان تتوقع لجنة السياسات النقدية ارتفاعا في التضخم وايضا لا تتخذ اية خطوات للوصول بمعدل التضخم الى المستوى المستهدف خلال العامين اللذين تغطيهما التوقعات. في السابق كان مقبولا ان نتعايش مع فترة من معدل اضخم من المستهدف بشرط ان يتم اعادته الى المستوى المستهدف في نهاية فترة التوقع. وفي مناسبات سابقة توقعت اللجنة ارتفاعا في معدل التضخم لكنها اتخذت خطوات برفع اسعار الفائدة بسبب الارتفاع الحاد في معدل التضخم في نهاية فترة التوقع. اذن لماذا لم تتخذ لجنة السياسات النقدية الخطوة التقليدية المتبعة في هذه الحالة؟ بعض خبراء الاقتصاد يقولون ان اللجنة تمهد لنا الارتفاع في معدل التضخم بحلول الشهر المقبل. فالاسواق لم تكن مستعدة لارتفاع التضخم خلال الشهر الجاري. لذلك تستخدم تقرير التضخم ومحاضر جلساتها الشهر الجاري من اجل توصيل تلك الرسالة. لكن البعض الآخر لايرى ذلك لاسباب منها ان الارتفاع المتوقع في التضخم ليس كبيرا ويتراوح ما بين 2.0 ـ 3.0% ويأتي في العام الثاني من العامين اللذين تغطيهما التوقعات. وقد تكون هذه التوقعات هي افضل توقعات للجنة لكن مهما يكن فإن العامين فترة طويلة بالنسبة للتوقعات ولا تزال التوقعات ايضا منخفضة ويمكن معالجة الارتفاع في التضخم في المستقبل القريب. وتبدو الظروف النقدية وأسعار الفائدة وسعر الصرف عند نهاياتها تقريبا في هذه الدورة الاقتصادية. ومن ناحية اخرى قد تكون لجنة السياسات النقدية اكثر استعدادا الآن من السابق لكي تعالج مسألة التضخم. وثالثا لايوافق كل اعضاء اللجنة على توقعات البنك المركزي, فبعضهم يفضلون افتراض ان يظل سعر الصرف مستقرا وثابتا وليس في انخفاض كما جاء في توقعات البنك المركزي. ويعطي تقرير اغسطس افتراضات بديلة حول هامش السعر والتكلفة والمعروض النقدي مما يؤثر على توقعات مختلفة بشأن معدل التضخم. والاعضاء الذين يلجأون إلى القروض الاكثر تفاؤلاً لا يتوقعون ان يرتفع معدل التضخم. بصفة عامة يبدو ان لجنة السياسات النقدية قد نضجت فقد استطاعت خلال السنوات الثلاث الماضية ان تتخذ خطوات للحد من التضخم وليس عليها ان تثبت مصداقيتها. لقد كانت اللجنة جيدة التوقيت في خطواتها عندما رفعت اسعار الفائدة, حتى انها الآن عندما توقعت ارتفاعاً في التضخم مقارنة بالمستويات المستهدفة, فهي لم تتخذ خطوات متسرعة. واللجنة ايضاً مستعدة لتأييد قرارها ودعمه بأن الظروف النقدية في حالة تسمح بالحفاظ على معدل التضخم قريباً من المستويات المستهدفة غالبية العامين المقبلين. وقد لا تكون اسعار الفائدة مرتفعة كما كانت عليه من عامين, لكن سعر الجنيه الاسترليني اعلى مما كان عليه آنذاك. وقوة الاسترليني او بالأحرى ضعف اليورو هو الذي يحول دون حدوث ارتفاع آخر في معدل التضخم. فإذا كانت هناك ضرورة لإجراء ارتفاع آخر في سعر الفائدة خلال الدورة الحالية من الاقتصاد فسوف تأتي عندما يضعف سعر الاسترليني. واذا لم يحدث ذلك يمكننا ان نشكر انخفاض سعر اليورو لانه تسبب في ان تستقر اسعار الفائدة عند 6%. من جانب آخر هناك قضيتان تناولتهما المناقشات الاخيرة, هما زيادة الانفاق العام الذي اعلنه جوردان براون الشهر الماضي واستمرار قوة الاسترليني وما يؤدى إليه من جدل حول اليورو. فهل هناك علاقة بين هاتين القضيتين. قد يكون وزير الخزانة محقاً من الناحية الفنية عندما يؤكد على وجود هذه العلاقة ويقول بما ان لجنة السياسات النقدية لم ترفع سعرالفائدة منذ فبراير الماضي, فإن رفع الانفاق العام الذي ينوي تطبيقه لن يكون له آثار فورية على السياسة النقدية. لكنه لن يكون واقفاً على ارضية صلبة عندما يقول انه يستطيع رفع الانفاق العام بمقدار 50 مليار استرليني ولا يؤثر ذلك على اسعار الفائدة على المدى المتوسط, خاصة بعد ثماني سنوات من الانتعاش الاقتصادي وانخفاض معدل البطالة إلى مستوى قياسي لم يحدث من 25 عاماً. ولا يقف الامر عند هذا الحد, بل ان رفع اسعار الفائدة سوف يعزز من قوة الاسترليني ليظل قوياً لفترة اطول ولابد ان تظل الظروف النقدية عند نهايتها القصوى اذا كان لنا ان نحافظ على سعر التضخم الفعلي قريباً من المستهدف. وليست هذه هي الوصفة التي تمكن اسعار الفائدة البريطانية من التلاقي مع منطقة اليورو حتى تصل لمستويات تجعلها تفكر في الانضمام إلى اليورو. والخلاصة واضحة, هي ان وزير الخزانة ابدى رد فعل تقليدياً, وفتح صنابير الانفاق العام قبيل الانتخابات. وسوف يجعل هذا من الصعب على بريطانيا ان تتلاقي مع اوروبا, لكن هذه القضية سوف تمثل مصدر قلق للحكومة بمجرد ان تتولى مهامها. في الوقت الحالي من الافضل استغلال التمويل العام لشراء الاصوات واذا ادى ذلك إلى استمرار قوة الاسترليني واخرج بريطانيا عن طريق القاطرة الاوروبية, فلا مانع من ذلك. لقد حدد جوردان براون اختياره, لكنه للاسف لم يستطع تبرير ذلك لمن يؤيدون انضمام انجلترا إلى الاتحاد النقدي الاوروبي داخل الحكومة وخارجها. صنداي تايمز