شهدت العاصمة المصرية مؤخرا ندوة عن مستقبل الأمة العربية من القضايا الدولية المطروحة وفي مقدمتها العولمة ونظام الملكية الفكرية, وشارك في الندوة الدكتور كامل ادريس الأمين العام للمنظمة العالمية للملكية الفكرية الويبو, وكان الدكتور ادريس قد وقع في العاصمة المصرية اتفاقية الملكية الفكرية مع جامعة الدول العربية. حضر الندوة الدكتور أحمد عصمت عبدالمجيد الأمين العام للجامعة العربية والدكتور أحمد جويلي الأمين العام عبدالرؤوف الريدي سفير مصر السابق في الولايات المتحدة. وأوضح الدكتور ادريس أنه يود التركيز على تأثير نظام الملكية الفكرية على الصعيدين الوطني والدولي. حيث أن انتاجات الفكر والاختراعات والثقافات والرسوم والنماذج الصناعية والعلامات والعلاقات التجارية, والكتب والأفلام والموسيقى والثقافة الالكترونية والمعارف التقليدية والتراث الشعبي, صارت تتقاسمها وتستخدمها وتستمتع بها الشعوب في مشارق الأرض ومغاربها. وأضاف: ولهذا فمن المهم في منطقتنا العربية تحقيق ما يلي: ـ الربط بين الملكية الفكرية والتحديات ال اقتصادية والاجتماعية والتجارة الدولية في منطقة واحدة من أجل توظيف الرؤى لمصلحة العرب. ـ أن نتخذ من العولمة جسورا لحماية التراث العربي. ولابد أن نفهم أن مكتسبات الملكية الفكرية أصبحت تنافس عوائد النفط, فهي المكون الأساسي للاقتصاد الجديد. فتطور الأمم يقوم على تفعيل الموارد الذاتية. وفي تفسيره للعولمة قال الدكتور ادريس: أن العولمة نمط يتبعه الجميع وقد بدأت فكرتها في الولايات المتحدة الأمريكية كمشروع اقتصادي تطور الى منظومة التجارة العالمية, ولأنها بدأت في الولايات المتحدة فإن الكثيرين يعتبرون العولمة نمطا امريكا, ولكنها تطور حتمي للنقلة التكنولوجية. فالعولمة تتخطى الاقتصاد الى كافة شئون الحياة: الثقافة والسياسة والاعلام. حيث أن النظام الرأسمالي يتطلب تجارة حرة وسياسة مناسبة وثقافة تتماشى مع النظام. تتطلب العولمة تحويل الرأسمالية القومية الى رأسمالية عابرة للقار ات والقوميات والعولمة تتحدى الدولة القومية بمقوماتها الاقتصادية والسياسية وتقلص نفوذ الدولة القومية وتزايد نفوذ الشركات متعددة الجنسية. وقال الدكتور ادريس أن توقيعه الاتفاقية مع الجامعة العربية جاء لتفادي مخاطر العولمة على الدول العربية.. ومجابهة التحديات التي لخصها بما يلي: التحدي الأول: تطوير البنى الأساسية. الثاني: تأصيل الجذور الثقافية. الثالث: المصداقية الاقتصادية الرابع: الديمقراطية والتعددية. الخامس: الاستراتيجيات القومية والعمل العربي المشترك. وأضاف الدكتور ادريس أنه يود أن يوضح الحقائق التالية: ـ أن التو اصل الثقافي العربي موجود من خلال المحطات الفضائية وأن التراث العربي من خلال هذه المحطات يستطيع أن يتأثر ويؤثر. ـ أهمية دراسة العلاقة بين العولمة وحدود الدولة القومية. ـ لابد من التحديث والاصلاح في مجال تكنولوجيا المعلومات فهي التي ستعمل على تعميق التواصل. ـ ضرورة تحديث واصلاح نظام الأمم المتحدة حتى يمكن التوفيق بين الأجندة الوطنية والدولية. وعقب السفير عبدالرؤوف الريدي على كلمة الدكتور كامل ادريس بأنه من الضروري أن نحصر ثروتنا الفكرية ونبحث كيفية تعظيم العائد منها بخلق استراتيجيات مناسبة.. ثم فتح باب الحوار بين الحاضرين وضيوف الندوة. وتحدث سمير غريب رئيس الهيئة المصرية لدار الكتب قائلا أن الحديث عن الانتاج الفكري العربي يفتح الجراح في كل البلاد العربية لأنه مرتبط بالمجتمع والسياسة العربية. وجاء بمثال السينما المصرية التي كان لها عمق عربي افتقدته الآن حيث احتلت مكانها المسلسلات والأفلام الأمريكية, فلابد أولا من اعادة هذا العمق واعادة خلق السوق, ومن جانب آخر فإن الكتب والصحف العربية تصادر بين دولة وأخرى.. وأخيرا لابد من التركيز على (الكيف) وليس (الكم) حيث أن الانتاج الفكري العربي يتدهور. وفي مداخلته قال الدكتور عصمت عبدالمجيد الأمين العام لجامعة الدول العربية أن المنطقة العربية متواصلة جغرافيا وثقافيا, ولكننا نرتكب الأخطاء في حق أنفسنا وأي نتيجة يحققها الطرف الآخر (ولا أسميه فالأطراف كثيرة) تكون بسبب أخطائنا. واذا رجعنا الى التاريخ الحديث فسنتعلم من أخطائنا. إن العمل العربي المشترك موجود في كل المجالات ما عدا السياسة المليئة بالثغرات. وأضاف عبدالمجيد أن على العرب أن يتعلموا التعاون فيما بينهم وليس المواجهة وأن يضعوا خطة وأسلوب عمل وهذا يستدعي المزيد من التشاور والرأي والرأي الآخر, وبذلك فقط نستطيع أن يحقق العرب ا لكثير. وضرب مثالا للعالم المصري د. أحمد زويل الذي صرح بأنه نال جائزة نوبل من خلال عمله مع فريق, فروح الفريق غير موجودة في العالم العربي. وقال عبدالمجيد أنه يؤيد اصلاح الأمم المتحدة. وتحدث السفير منير زهران حول خيبة الأمل في الدول المتقدمة التي تعهدت للدول النامية بمساعدتها خلال الفترة الانتقالية الى نظام التجارة الحرة ولكن انتهت الفترة الانتقالية دون أن تفي الدول المتقدمة بالتزاماتها وحيا منظمة (الوايبو) لاعدادها دراسة حول مساعدة الدول النامية. وقال أن المهم هو تمكين الدول النامية من حقوقها الفكرية فكثير من تلك الدول وحتى في مصر لاتعرف ما هي القوانين التي تساند حقوقها.. وهذا ما جعل بعض الشركات العالمية تنهب التراث الفكري للدول النامية والذي لم يسجل وتسجله باسمها وتكسب من ذلك مليارات الدولارات. أما السفير عصام حواس فقد اقترح انشاء مركز عربي للأبحاث ينفق عليه وعلى العلماء بسخاء فالسبيل الوحيد أمام العرب هو انتاج التكنولوجيا للمشاركة في نظام العولمة. وعقب نادر رياض قائلا أن الانتاج العربي ليس شحيحا ولكنه شحيح التأثير لأن أدوات الانتشار محدودة ويرجع سبب ذلك الى عدم تطبيق قوانين الملكية الفكر ية في مصر والدول العربية. وناشدت الدكتورة هدى سراج الدين منظمة (الويبو) لمساعدة العرب في وضع آليات تعمل على جمع شملهم. ومن السودان تحدث الدكتور حسن أبشر مطالبا أن تلقى الصحف ووسائل الاعلام الأخرى الضوء على هذا الموضوع وتجعله مدارا للنقاش. وقال اننا نحتاج الى أسلوب جديد في التفكير فمن عادتنا كعرب أن نضع الجديد في قوالب قديمة.. ولهذا نسير دائما الى الخلف. في حين أننا يجب أن نستشرف المستقبل. وأن نلغي من تفكيرنا نظرية (المؤامرة) لأنها أفكار انهزامية. لابد من استشراف وضع جديد يضعنا موضع الندية والمساواة مع الآخرين, وناشد د. عصمت عبدالمجيد بروح الدعابة ألا تنشأ ادارة جديدة في الجامعة لموضوع الملكية الفكرية لأن انشاء ادارة يمكن أن يقتل القضية, ويمكن بدلا من ذلك تكليف شخص أو اثنين بمتابعة الموضوع مع التركيز على استقطاب العلماء. وأضاف د. أبشر أننا لايمكن أن نتحدث عن الانتاج الفكري بمعزل عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي. لأن السياسة هي أصل الفكر. ويجب أن يكون الفكر في واقع معافي ولا يتأتى ذلك إلا مع الديمقراطية. وتحدث من الحاضرين المهندس محمد السيد وعرف نفسه بأنه مهندس بترول أضاع الكثير من ماله وجهده في اختراع نماذج صناعية حصل على براءات اختراع لها ولكن كانت هناك عقبات كثيرة لتنفيذها واخراجها الى حيز الوجود. وردا عليه قال الدكتور فوزي رفاعي نائب رئيس أكاديمية البحث العلمى فى مصر قائلا أن هناك نجاحات كثيرة ولكن لا يسلط عليها الضوء.. وأعترف بصعوبة تنفيذ الاختراعا ت والابتكارات وطالب القطاع الخاص بالاستثمار لنقل الفكرة الابداعية الى حيز التنفيذ. وقارن بين عدد براءات الاختراع فى الدول العربية والدول الأوروبية حيث أن سويسرا وهى أكبر دولة أوروبية فى كمية براءات الاختراع فهناك حوالى 1400 براءة اختراع لكل 100 ألف مواطن. . فى حين أن مصر وهى أكبر دولة عربية فى هذا المجال هناك براءة اختراع واحدة لكل 100 ألف مواطن. وجاء الدور على أصحاب الشأن (المبدعين) ليتحدثوا ومنهم الكاتب المسرحى المعروف ألفريد فرج الذى قال اننا نسمع كثيرا عن ضبط أطنان من الكتب فى سيارات نقل تتجه من بلد إلى آخر وتكون مطبوعة فى بلد.. ويكون كاتبها من بلد آخر.. كما أن الفيلم المصرى تهدر حقوقه فى العالم العربى الذى أصبح ساحة لغياب القانون.. وضرب مثلا على لا معقولية القانون: فهو يجرم من يسرق كراسة ولكنه لا يجرم من يسرق المكتوب فيها. وقال اننا حين نتكلم عن حقوق ا لملكية الفكرية فإننا نتحدث عن حقوق النخبة فى الأدب والعلم والفن وإذا كانت هذه النخبة لا تتمتع بالحماية. وأضاف أنه إذا كانت العولمة ستحمى حقوق هؤلاء فإنها ليست كلها ضررا.. ويمكن أن يأتى منها خير.. فهناك نهضة كبرى فى الابداع العربى يمكن أن يدر دخلا كبيرا إذ ا توفرت الحماية له محليا وعالميا. أما الفنان السودانى على مهدى فقد طالب بتوعية اعلامية على المستوى الرسمى والشعبى للفهم الحقيقى لنظرية الملكية الفكرية.. والفهم يؤدى الى الاعتراف بالحقوق لئلا تعتدى دولة على حق دولة أخرى ولا فرد على حق فرد آخر. ودعا إلى أن يكون هذا الموضوع ضمن أجندة اجتماع وزراء الثقافة العرب فى الرياض خلال شهر نوفمبر المقبل. وفى ختام الندوة تحدث مرة أخرى الدكتور كامل أدريس فقال أن رأسمال الشركات العملاقة والمتوسطة والصغيرة 70% من القوة السوقية ممتلكات ملكية فكرية و30% ممتلكات غير منقولة. أى أ ن حجم الملكية الفكرية يتعدى رأس المال غير المنقول. إذن يجوز لنا أن نتحدث عن أساس دعم الاقتصاد الوطنى. وأشار الدكتور أدريس الى مشروع كبير فى مجال الآثار يجرى بحثه حاليا سيكون له عائد كبير للدول العربية. وقال أن منظمة (الويبو) كرست 120% من الموارد لهذا العام لتوعية الدول العربية. واقترح وضع استراتيجية عربية شاملة لحماية المبتكرين والمؤلفين العرب لنتمكن عندما نجتمع مستقبلا أن نتحدث برؤية واحدة.