الشراكة العربية الأوروبية.. قضية تشغل خبراء الاقتصاد فى العالم العربى بنفس القدر الذى يهتم بها المواطن العادى.. فمنذ سنوات والاتحاد الاوروبى يسعى لخلق كيان اقتصادى مشترك مع الدول العربية.. ودخل فى مفاوضات مع مصر والأردن والجزائر وسوريا ولبنان وتونس والمغرب. وتم توقيع اتفاقية واحدة مع الأردن ومازالت الاتفاقية المصرية خاضعة للنقاش والرأى والتفاوض فى حين لم تصل المفاوضات مع باقى الدول الى اتفاقيات نهائية. ومؤخرا.. عقدت بجامعة عين شمس فى مصر ندوة هامة حول الشراكة العربية الأوروبية شارك فيها خبراء اقتصاديون عرب.. د.أحمد الغندور أستاذ الاقتصاد والعميد السابق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية يقول: تعددت التصورات المطروحة لتنظيم العلاقة بين دول الاتحاد الأوروبى ودول جنوب المتوسط غير الأعضاء بالاتحاد واختلفت طبيعة العلاقة بين الجانبين والآليات المقترحة وأهداف المبادرات المعنية بتنظيم تلك العلاقة وذلك من ذي بدء الاتصالات بين الجانبين مع بداية الستينيات من هذا القرن وانتهاء بمايعرف بـ عملية برشلونة التى خرجت الى حيز الوجود فى شهر نوفمبر عام ..1995 وبالفعل تم تدشين المشاركة الأوروبية المتوسطية والتى تهدف الى انشاء فضاء اقتصادى اوروبى متوسطى يقوم على عدة آليا بإقامة شراكة اقتصادية ومالية ثلاثية الابعاد: الأولى هى اقامة منطقة للتجارة الحرة بنهاية عام 2010 وذلك من خلال التدرج فى اقامة هذه المنطقة عبر المنتجات الصناعية المعملية والمنتجات الزراعية والغذا ئية حيث ستعتمد خطة الشراكة على مبدأ التمييز المتبادل حيث لن يتم اخضاع هذه المنتجات لتجارة حرة غير مقيدة وذلك نظرا للقيود التى تفرضها السياسة الزراعية الاوروبية على الدول الأعضاء. اما فى مجال الخدمات فسوف يخضع النظام المتعامل به فى خطة الشراكة للاجراءات المنصوص عليها فى اتفاقيات منظمة التجارة العالمية. واخيرا ضرورة تعديل وتحديث الهياكل الاقتصادية والاجتماعية مع اعطاء أولوية لتشجيع وتطوير القطاع الخاص ومن المتوقع ان تشكل منطقة التجارة الحرة تلك 30 الى 40 دولة يبلغ عدد سكانها 800 مليون نسمة وبالتالى سوف تكون أ كبر تجمع تجارى فى العالم. ومن الواضح ان الشروط السابقة تفرض نظاما اقتصاديا تفضله أوروبا على المتوسط على غرار مافعلت عند ضم دول الجنوب الأوروبى. ويضيف د.الغندور: لذلك فإن الأسس والمبادئ المذكورة تعكس سيطرة كاملة لوجهة النظر الأوروبية بينما غابت رؤية الدول ا لعربية لمشاكلها واهدافها التنموية وفى اطار التقييم الصحيح لمنطقة التجارة الحرة ضمن خطة الشراكة الأوروبية العربية يجب ان نتجنب موقفين متطرفين الأول باعتبار تحرير التجارة يمثل فى حد ذاته الأسلوب الوحيد والرفاهية والنماء بالنسبة لكل البلدان والشعوب. والموقف ا لثانى هو اعتبار أن التبادل الحر ضرر على المصالح والسيادة الوطنية. النقطة الأخرى فى الجانب الاقتصادى هو التعاون الاقتصادى والعلمى والذى يشمل كل مظاهر التنمية فى البلاد العربية والمتوسطية.. وقد حددت له المجالات التالية:- خلق مناخ ملائم للاستثمار وإزالة العقبات. التعاون الاقليمى اساس اختيارى وهو عامل حاسم فى بناء منطقة تجارة حرة. تشجيع منشآت الأعمال على دخول اتفاقيات مشتركة. تنسيق البرامج متعددة الأطراف القائمة الاعتراف بدور المرأة فى التنمية. تعزيز التعاون فى مجال سياسات الطاقة. التعاون فى تحديث الزراعة. التعاون فى تحسين البنية الأساسية بالاضافة الى التعاون المالى الذى يتضمن زيادة المعونة المالية وزيادة القروض من بنك الاستثمار القومى وتوجيهها لدعم التنمية الذاتية المتواصلة بالدول.. كما ان هناك جوانب اجتماعية وثقافية وانسانية وهذه عليها ملاحظة هامة هى انه على الرغم من ترديد نغمة الاهتمام بالتنمية وخاصة التنمية البشرية والتأكيد على الحق فى التنمية الا ان الافكار المقترحة تعكس منظور وهموم الاتحاد الأوروبى أكثر من أولويات الدول المتوسطية صاحبة الشأن.. وتكشف الفقرات الخاصة بالهجرة انها الهاجس الأول لدى الطرف الاوروبي التى تنبع رؤيته للتعاون اساسا من رغبة فى ايقاف تيار الهجرة من الجنوب اليها. أما د.يمنى الحماقى وكيل كلية التجارة بجامعة عين شمس وأستاذة الاقتصاد فتشرح آثار الشراكة المحتملة على الاقتصاد العربى قائلة: تواجه الدول العربية المتوسطية تحديات متوسطة الأجل يجب عليها أن تحلها من خلال اتفاقيات الشراكة والسؤال هل تستطيع تلك الاتفاقيات أن تساعد الدول العربية على التغلب على مشكلاتها الاقتصادية.. وعلى هذه الدول أن تقوم بعدد من الاجراءات الهامة هى: زيادة معدلات الاستثمار الى 35% من الناتج المحلى, زيادة معدلات الادخار لتصل الى 25%, زيادة معدلات نمو الناتج الاجمالى الصناعى لأكثر من 10% فى السنة, تحقيق معدل نمو يزيد عن 7%, زيادة معدل نمو الصادرات وانتاتجية العامل. وبجانب ذلك فإن هناك مجموعة من الأمور الايجابية للمشاركة الأوروبية العربية مثل: الاستفادة من الخبرات الاوروبية فى تحقيق التوازن فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية, زيادة معدلات الاستثمار وتدعيم المنافسة المحلية. بالنسبة للتبادل التجارى فستؤدى المشاركة الى تخفيض معدلات الأسعار بالنسبة للسلع محل التبادل من جراء سيادة المنافسة. كذلك سوف يؤدى تحديد التجارة من خلال اتفاقيات الشراكة الى زيادة الصادرات والواردات وتتوقف المحصلة النهائية على قدرة السياسة الاقتصادية على تأهيل الاقتصاد حتى يتم التحرير النهائي للتجارة ولكن تحرير الاقتصاديات العربية امام الصادرات الأوروبية الصناعية سيؤدى الى تقلص بعض الصناعات خاصة تلك التى تتمتع بالحماية. ويجدر بالذكر أن سياسة الاتحاد الأوروبى تجاه الدول العربية المطلة على جنوب البحر الأبيض المتوسط تواجه تحديين رئيسيين مرتبطين بعضهما ببعض الأول هو ضرورة مساندة عمليات الإصلاح حتى يتحقق الاستقرار السياسى والاقتصادى من خلال اصلاحات سياسية واقتصادية جزئية والثانى هو الرغبة فى تخفيف حدة التوترات الاجتماعية التى تواجه أوروبا بسبب ضغوط الهجرة والأصولية والتى من أهم أسبابها البطالة والفقر. وتعتقد دول الاتحاد الأوروبى انه يمكنها ان تواجه هذين التحديين من خلال عدة أدوات أولها قيام حوار سياسى حول مسائل حقوق الإنسان وكذلك انشاء منطقة تجارة حرة أوروبية عربية مع حلول عام 2010 وكذلك تقديم مساعدات مالية للدول العربية للتعاون فى التحديث وأخيرا تحقيق تعاون فى مجالات محددة مثل الطاقة والبيئة. ويوضح د.حاتم القرنشاوى عميد كلية التجارة بجامعة الازهر أثر الشراكة العربية الأوروبية قائلا: تؤثر الشراكة على حركة العمالة العربية.. فهذه العمالة تتجه الى اوروبا من الدول العربية المطلة على جنوب البحر المتوسط وعلى وجه الخصوص من ثلاث دول عربية هى تونس والجزائر والمغرب وتتركز هذه العمالة فى عدة دول أوروبية, وعلى الرغم من احتياج الدول الأوروبية الى العمالة العربية الا انها لا تسمح لها فى معظم الأحوال بالعمل بصورة شرعية ومن المنتظر ان تغلق أوروبا حدودها فى وجه العمالة العربية المهاجرة اليها. ويزداد حجم الأثر السلبى بوضع القيود امام هجرة العمالة العربية الى دول الاتحاد اذا علمنا بأن تحويلات العمال المغتربين تشكل مصدر هام للتدفقات المالية للدول العربية المتوسطية.. حيث يميل ميزان التحويلات لصالح العرب.. فقد اسهمت تحويلات العمال المغاربة فى تمويل 24% من واردات المغرب. و10% من واردات تونس.. لكن فرض المزيد من القيود على استقدام العمالة الأجنبية فى دول الاتحاد الأوروبى سيمنع أى زيادة محسوسة فى تحويلات هؤلاء العمال الى المغرب العربى. وبشكل عام فإن الداخلين الجدد فى سوق العمل العربى خلال السنوات القليلة المقبلة سوف يزيدون بمعدلات عالية تفوق معدلات الطلب حيث سيزداد عرض العمل بمايعادل 3.3% سنويا وهذا يفرض على الدول العربية المطلة على المتوسط ان تجد لها طريقا لتصدير هذه العمالة الأمر الذى يعنى زيادة معدلات البطالة التى قد تؤدى الى المزيد من عمل الاستقرار السياسى والاجتماعى. وبالتالى فإن أوروبا تعتبر متنفسا لهذه العمالة وقد تواجه العمالة العربية خاصة ابناء المغرب العربى فى دول الاتحاد الأوروبى منافسة شديدة من دول مثل اسبانيا والبرتغال واليونان وكذلك دول شرق أوروبا. لذلك أصدر اجتماع وزراء الداخلية والعدل لدول الاتحاد الأوروبى فى منتصف مايو من عام 96 وثيقة الهجرة أهم ماجاء فيها: ترفض دول الاتحاد الأو روبى دخول أى مواطن من الدول الأخرى بحثا عن عمل بها. أن العمل فى دول الاتحاد سيبقى حكرا على مواطنيها. الاستعانة بالعمال القادمين من الدول غير دول الاتحاد الأوروبى أمر مشروط بعدم توافر العمالة المحلية. وبشكل عام ان الشراكة العربية الأوروبية سوف تظهر مشكلة العمالة العربية العائدة من أوروبا. ويشرح د.عبدالمطلب عبدالحميد أستاذ الاقتصاد بأكاديمية السادات الاتفاقيات على الاستثمارات وتدفق رؤوس الأموال قائلا:- توحيد السوق الأوروبية تجعلها مركز جذب للاستثمارات الأجنبية المباشرة ويعود ذلك لاتساع حجم السوق وارتفاع مستوى الدخل وامكانية تحقيق وفورات بها.. ومن المعروف انه يوجد حجم كبير من الاستثمارات العربية فى دول الاتحاد الأوروبى, ومما لا شك فيه أن التحرير الكامل لانتقال رؤوس الأموال سوف يؤدى الى تشجيع الاستثمارات العربية على الانتقال الى هذه الدول.. وقد بلغت موجودات الأقطار العربية فى عام 1995 نحو 620 مليار دولار فى دول الاتحاد الاوروبى وهذا يمثل تهديدا للمصالح العربية وانتقاصا من الأموال العربية التى كان من الممكن توجيهها لزيادة الطاقة الانتاجية العربية. وفى المقابل فإن حجم الاستثمارات الأوروبية المباشرة فى المنطقة العربية لا يتجاوز 3 مليارات دولار.. وهى استثمارات تتجه الى الصناعات كثيفة العمالة وهى فى تقديرى لن تتجه نحو الزيادة فى ظل الضغوط الداخلية داخل دول الاتحاد المنادية لتخفيض العجز المالى وبالتالى يستغل الدعم المقدم من دول الاتحاد الأوروبى الى الدول العربية غير المنتجة للبترول والتى تسعى لاصلاح هياكلها الإنتاجية ضمن برامج التصحيح الهيكلى والاصلاح الاقتصادى بصفة عامة. أخيرا يشرح د.عبدالناصر العبادى الاستاذ بكلية التخطيط والادارة بجامعة البلقاء بالأردن تفاصيل اتفاقية الشراكة الأردنية وهى الاتفاقية الوحيدة التى تم توقيعها مع الاتحاد الأوروبى قائلا: جاءت الاتفاقية مع التوجه الأردنى نحو تعزيز التعاون الاقتصادى والسياسى والثقافى فى الاطار العربى ومع العالم وخاصة دول الاتحاد الأوروبى. ومن خلال قراءة الاتفاقية وفى الجانب الذى يغطى القطاع الصناعى نجد أنها تنطوى على أحكام عديدة تدعم الصناعة الأردنية ومن أهمها تقديم دعم مالى وفنى لقطاع الصناعة يرتكز على دعم عملية الاصلاح واعادة الهيكلة وفى هذا المجال قام الاتحاد الأوروبى بتقديم الدعم المالى والفنى للقطاعين العام والخاص حيث قدم الاتحاد الأوروبى عدة منح مثل 10 مليون وحدة نقدية أوروبية لتمويل مخاطر رأس المال على المشروعات بالاضافة الى 7 ملايين وحدة نقد أوروبية لدعم برامج القطاع الخاص. وبجانب ذلك هناك عدد من السلبيات هى التخلى عن أنشطة صناعية تعجز عن الوقوف فى وجه المنافسة بعد فقدانها الحماية وكذلك التشدد فى تطبيق قواعد المنشأ الأمر الذى سيحول دون زيادة الصادرات الصناعية الأدرنية للأسواق الأوروبية. أما الأثار على القطاع الزراعى فإن الاثار الايجابية للاتفاقية على هذا القطاع لن تكون ملموسة ولن تجد نقاطا ايجابية ملموسة فى هذه المرحلة بسبب تمسك دول الاتحاد الأوروبى بسياسة زراعية مشتركة ودفاعه عنها. أما الجانب السلبى فإن معظم صادرات الأردن من المنتجات الزراعية لدول الاتحاد الأوروبى لم تكن تخضع لأية رسوم جمركية نظرا للاعفاءات التى كانت ممنوحة للمنتجات الزراعية.. فى حين أنه فى ظل اتفاقية الشراكة هناك قيود عديدة على تصدير المنتجات الزراعية للأسواق الأوروبية. أما عن الآثار على القطاع المالى فهناك أثار ايجابية تتمثل فى تحرير حركة المدفوعات ورأس المال وازالة القيود عن القطاع المالى.. وكذلك فإن السماح بدخول مؤسسات مالية أجنبية الى الأردن من شأنه ان يؤدى الى تدفق الاستثمارات الأجنبية اليها.. وامكانية الاستفادة من قدرات وامكانيات هذه المؤسسات فى رفع كفاءة القطاع المالى الأردنى وقد يكون ذلك حافزا للمؤسسات المالية الأردنية لاعادة هيكلتها لتعمل وفقا للأسس التجارية السليمة الأمر الذى سيزيد من قدرتها على المنافسة وتمويل عملية التنمية بكفاءة عالية. وعلى الرغم من هذه الايجابيات الا ان هناك بعض السلبيات للاتفاقية فى الجانب المالى من أهمها المنافسة غير المتكافئة بين مؤسسات مالية صغيرة أردنية ومؤسسات أجنبية تمتلك امكانات تكنولوجية ومالية وبشرية وادارية هائلة وقد يؤدى تحرير حركة المدفوعات ورأس المال بين الأسواق المالية الى ازمات مالية والتخوف من قيام المؤسسات المالية الأوروبية المتوقع انشاؤها فى الأردن بتجميع المدخرات المحلية وتوجيهها للاستثمار فى قطاعات غير مجدية أو للاستثمار فى أسواق خارجية.