عقدت في البحرين, مؤخرا, ندوة علمية ناقشت موضوع أمن البطاقات الائتمانية في الدول العربية ـ خاصة في دول مجلس التعاون ـ والتي نظمتها وزارة الداخلية في البحرين بالتعاون مع أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية بمشاركة عدد من الدول العربية هي الإمارات والسعودية وقطر وعمان وسوريا والسودان ومصر. إضافة إلى البحرين. وقد حضر 79 مشاركا من هذه الدول قدموا أوراق عمل تمثل وجهات نظر الجهات المعنية في بلدانهم, ومنها البنوك والجهات الأمنية وغيرها, وذلك بهدف التعريف ببطاقات الائتمان والجرائم المرتبطة بتزويرها, إضافة بالطبع إلى سبل التصدي لهذه الجرائم. النقاشات كانت ثرية, وجادة في بحثها وصياغتها لطرق العلاج من هذه المسألة التي هي مرشحة لأن تصبح (ظاهرة) مع مرور الوقت. ولذلك كان التركيز الأكبر على سبل الوقاية قبل الاستفحال. وتأتي الأهمية التي تكتسبها إقامة ندوة (أمن البطاقات الائتمانية) على المستوى العربي ـ والتي أثراها حضور نخبة من المسئولين الخليجيين ـ من كوننا بتنا نعيش بالفعل عصر النقود الإلكترونية عوضا عن النقود الورقية, وبات استخدام البطاقات يشغل حيزا كبيرا في حياتنا العلمية. ويستتبع هذه الحقيقة أن هناك الكثير من المحاذير والمخاوف التي تنجم عن الاعتماد الكبير من قبل مئات الملايين عن البشر على هذه البطاقات في انجاز معاملاتهم اليومية. وقد شهدت الندوة المذكورة علاوة على كلمات الافتتاح استعراض العديد من أوراق العمل المهمة. رئيس وفد دولة الإمارات, عبدالله سيف اليماحي, أكد أن البطاقات بمختلف أنواعها المتوافرة حاليا تعتبر الأمثل أمنيا, وهي الأفضل استخداما بدلا من النقود السائلة. وقد تمكنت دولة الإمارات منذ فترة من القبض على عدد من مجرمي التزوير الذين حاولوا إدخال بطاقات مزورة, إلا أنهم اكتشفوا قبل أن يقوموا بأية عملية احتيال أو تسوق. وعن الطرق الواجب اتباعها في حال اكتشاف عملية تزوير البطاقات قال إن تزوير بطاقات الائتمان هو مثل أية جريمة أو تزوير العملات, فهذه البطاقات بديل آمن للنقود السائلة, لكن الفرد عليه أن يأخذ احتياطاته ويسأل عن إجراءات وطرق الحماية والاحتياطات. مشيرا إلى أن اكتشاف عملية التزوير تتم بعد وصول الفواتير لصاحبها, كما أنه من الواجب إبلاغ مراكز (الفيزا) حال حدوث جريمة السرقة أو التزوير أو البنك المتعامل معه. محذرا بشدة من التعامل مع مواقع الإنترنت المشبوهة حتى لا يتم سحب مبالغ من رصيد صاحب البطاقة. العميد الشيخ دعيج بن خليفة آل خليفة, المدير العام للإدارة العامة للمرور بوزارة الداخلية في البحرين رئيس اللجنة المنظمة للندوة, افتتح الندوة بكلمة قال فيها إن التقنيات والوسائل الحديثة المستخدمة في المجال المصرفي والأنشطة الاقتصادية والمالية قد تطورت بشكل عام وكان من نتيجة ذلك تراجع التعامل بالنقود السائلة بصورة ملحوظة وإحلال نظم استخدام البطاقات الائتمانية بأشكالها وأنواعها المختلفة بدلا منها, حتى أن هذه البطاقات أصبحت تقوم بدور أساسي في تعامل الناس مع البنوك والمؤسسات المالية واتسع نطاق التعامل بها ليشمل المؤسسات العامة والخاصة والمجالات التجارية وأنشطة الخدمات. وأوضح أن هذه الطفرة الكبيرة التي يشهدها نظام التعامل بالبطاقات الائتمانية تتطلب إيجاد الوسائل الفعالة لحماية هذه البطاقات من أية محاولات قد تنال من سلامتها أو تخل بالثقة التي اكتسبتها في مجال المعاملات المالية. وأكد أن البحرين قد اكتسبت ثقة كبيرة في مجال سوق المال وأصبحت مركزا ماليا مهما على المستويين الإقليمي والدولي وبالتالي فإنها تسعى دائما إلى المشاركة في وضع النظم والقواعد التي من شأنها تعزيز الثقة في المعاملات وتطوير وسائل وتقنيات العمل المصرفي, منوها بأن الدراسات العلمية والبحوث التي تتناولها الندوة سوف يكون لها مردود طيب في تعزيز التعامل بالبطاقات الائتمانية في جميع أوجه النشاطات الاقتصادية. وقال إن التعاون والتنسيق بين الدول الخليجية متواصل لمواجهة أي خلل في المجال الأمني, وذلك ينسحب على مستوى الاحتيال والتزوير. كما أن الاجتماعات مستمرة مع الأجهزة الأمنية في دول مجلس التعاون. مساعد رئيس أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية د. جمعان بن رشيد أبا الرقوش, قال إن موضوع جرائم البطاقات الممغنطة يشكل أهمية كبرى في عصرنا الحالي, لأن التبادل الثقافي بين المجتمعات العالمية ينتج من خلاله ودون أدنى شك بعض الإفرازات التي تشكل سلوكا يغري بالفرد في المجتمع العربي. ومن هذا المنطلق فان أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية تسعى من خلال برنامج عملها السنوي إلى أن تتلمس ملامح المستقبل لكي تقوم بدورها التوعوي الذي يسهم في رفع كفاءة رجل الأمن العربي وأيضا في رفع درجة الوعي الأمني لدى المواطن العربي بما يحقق في النهاية الهدف الأسمى لتعاون المواطن مع رجل الأمن يدا بيد نحو مجتمع آمن. وأكد أن جرائم البطاقات الممغنطة في الوطن العربي لا تشكل في وقتنا الحاضر مشكلة, مقارنة بما يحدث في المجتمع الغربي, وذلك ما يدعو إلى الاطمئنان إلى أن مجتمعاتنا العربية وأسواقها المالية في استقرار. منوها بأن الأكاديمية تنظم هذه الندوة لأول مرة في البحرين بينما نظمت الأكاديمية عددا من الأنشطة الأخرى في هذا البلد المعطاء والآمن الذي تعودنا منه دائما الرغبة الصادقة في تنفيذ الأعمال العربية المشتركة. وطالب أبا الرقوش بضرورة تفعيل الآليات اللازمة لحماية الأسواق العربية, لاسيما الخليجية التي وصفها بالمتقدمة تقنيا, من بعض التجاوزات التي قد يرتكبها المنحرفون, وقد استلزمت هذه التقنية بالتالي تلاشي استخدام النقد تدريجيا في أقطاب كثيرة من العالم الذي لاشك في أن ارتباط الدول العربية الوثيق به يساعد على انتقال هذه الجريمة عبر الأسواق المفتوحة على بعضها البعض. ونفى أن تكون جريمة تزوير بطاقات الائتمان قد اتخذت شكل الظاهرة في البلاد العربية, حيث لم يتعد الأمر بعد طور البدايات التي نسعى لأن نؤطر لها اطارا وقائيا وحمائيا, لكنها ظاهرة متوقعة يتم وضع خطط وقائية لعلاجها في الوقت المناسب. واستبعد أن تكون هناك جريمة منظمة وراء عدد من الحالات التي ظهرت في أسواق عربية بين وقت وآخر, وإنها في الغالب جرائم فردية لا تشكل رقما مهما في عالم الجريمة مقارنة بالأرقام الموجودة في العالم العربي. أما الأجهزة المصرفية العربية فإن لديها من الآليات ما يمكنها من المحافظة على حقوق المواطنين المستثمرين والمدخرين, وتمتلك من الأنظمة والقوانين ما تحفظ للسوق العربية حقوقها كاملة. النقيب أحمد بن عبدالله الحضرمي, رئيس قسم التزييف والتزوير بالمختبر الجنائي في شرطة سلطنة عمان, قال إن هناك نوعين من التزوير بالبطاقات, تزوير كلي وهو إصدار بطاقة جديدة بما فيها من معلومات, وتزوير جزئي وذلك من خلال إحداث تعديلات داخل البطاقة ذاتها كالتوقيع أو الشريط الممغنط أو صورة حامل البطاقة. ويتم تتبع هذه الجرائم على مرحلتين, الأولى من قبل الجهة الأمنية من خلال تتبع المجرمين لضبطهم, والمرحلة الثانية تكون من جهة القسم للتحقق من عملية التزوير وإظهار الحقيقة. ويتم ذلك عن طريق المقارنة الفنية بين بطاقة حقيقية صادرة من الجهة المصورة للبطاقة المزيفة, والبطاقة المشتبه فيها لتتم المقارنة بينهما جنبا إلى جنب, وعلى ضوء الفروقات أو التوافق نعرف ما إذا كانت هذه البطاقة مزورة أم حقيقية. ومن جانبه أكد المشرف العلمي على الندوة الدكتور عمر الشيخ الأصم, أن جرائم الاحتيال والتزوير التي تمت في الدول العربية ثبت أنها قدمت من قبل عصابات من خارج الدول العربية التي استخدمت البطاقات وأساءت استخدامها, والبطاقات الائتمانية الأكثر انتشارا في الدول العربية هي بطاقات الفيزا وماستركارد والبطاقات الذكية وأمريكان اكسبريس, حيث أشارت الإحصاءات المتاحة إلى أن هذه البطاقات هي الأكثر أمانا في استخدامها. وأضاف أن ظاهرة تزييف بطاقات الائتمان هي ظاهرة مستفحلة إلا أنها عربيا ظاهرة جديدة لم تستفحل بعد, على الرغم من وجود إشارات إلى نموها تدريجيا مع سياسات العولمة وانفتاح الأسواق الحالية. ومتفقا مع د. جمعان قال الأصم إن المنظرين والباحثين العرب يعكفون في الوقت الراهن على محاولة سن قوانين وآليات للتشريعات الوقائية, والتأسيس لثوابت يتعاملون من منطلقها مع نمط جديد من الجرائم, ودعا إلى ضرورة التنسيق بين الأجهزة الأمنية والأجهزة المصرفية في تشكيل قانون للتصدي للجريمة مع تفاقهما المحتمل. وأوضح أن أكثر البلدان العربية تداولا لبطاقات الائتمان هي الدول الخليجية, حيث تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى لكبر أسواقها وحجم مصارفها وحاملي البطاقات, تليها الإمارات العربية المتحدة, ثم الكويت, والبحرين, وسلطنة عمان, فيما لم تعرف بعض أقطار عربية هذه التقنية, وإن احتمالات وجود عمليات تزوير للبطاقات تتزايد كلما كان نطاق استخدامها أوسع. هشام مفيد حمود, من سيتي بنك البحرين, أعد ورقة بعنوان (الآثار الناجمة عن التزوير) ذكر فيها أن خسائر عالمية تجاوزت مليارات الدولارات سنويا قد ترتبت على استخدام بطاقات مزورة, مما يعكس مدى خطورة هذه الجريمة المالية على الاقتصاد, حيث تقع مسئولية تحمل هذه المخاطر على جميع المشاركين في عملية إصدار أو قبول البطاقة بمن في ذلك حامل البطاقة في حال عدم الإبلاغ عن أي استخدام ناتج عن تزوير البطاقة في الموعد المحدد الذي عادة ما يكون 15 يوما من تاريخ كشف الحساب, أو التاجر الذي لم يلتزم بعملية فحص البطاقة أو الحصول على موافقة البنك في عملية الدفع أو في حال تواطؤ التاجر مع حاملي البطاقات المزيفة. أما الآثار الواقعة على النظام المصرفي, فإن عملية اختراق النظام المصرفي من خلال البطاقات المزورة التي تسهل عملية كشف الشبكة المصرفية الداخلية المتعلقة بتشغيل بطاقات الائتمان تسبب الكثير من الخسائر المالية للمصارف من حيث تطوير أنظمتها باستمرار وإصدار بطاقات جديدة للعملاء المتضررين من عمليات تزوير البطاقات الائتمانية. وقد فاق معدل النمو في عدد البطاقات العام السابق نسبة 30% مقارنة بالعام السابق له, كما زاد معدل حجم الاستهلاك بنسبة تجاوزت 3 أضعاف حجمها العام 1995. وقد بينت الإحصاءات التي وفرتها شركة (فيزا) توضح أن ثمة تزايدا في نسب البطاقات المزورة في بعض الأسواق المالية العربية خلال الفترة من 94 إلى ,96 حيث تميزت هذه الفترة بنشاط كبير في عمليات التزوير. فبينما ارتفعت النسبة في المغرب إلى 88%, وفي مصر بنسبة 63%, وفي تونس بنسبة 20%, وفي لبنان بنسبة 4%, وانخفضت نسبة الجرائم المالية عن طريق التزوير في بطاقات الائتمان في دول الخليج العربية بشكل ملحوظ وكبير. فقد سجلت الجريمة خلال هذه الفترة انخفاضا في كل من سلطنة عمان بنسبة 100%, والإمارات بنسبة 60%, والسعودية بنسبة 52%, والبحرين بنسبة 23%. وأوصى مفيد بتدريب العملاء من مستخدمي البطاقات وتثقيفهم ليسهم ذلك في تقليص مستوى وجود الظاهرة, كما أوصى بضرورة الإبلاغ الفوري عن عمليات الاحتيال, وتشجيع البنوك على ذلك, وتفعيل عمليات المشاركة في درء المخاطر بين الجهات الأمنية والمصرفية والأفراد والتجار وتطويرها, وإضافة خصائص لبطاقات الائتمان, ووضع تشريعات عربية للحد من انتشار الظاهرة بالتنسيق بين الجهات المسئولة. من جانبه أكد سعود عبدالعزيز العثمان, من مؤسسة النقد العربي السعودي, في بحثه المقدم حول دور البنك المركزي في مراقبة استخدام البطاقات الائتمانية, أن زيادة معدلات استخدام البطاقات الائتمانية كانت لها أهمية كبيرة من المنظور الأمني, فمن خلال البطاقة تم التقليل من حجم بعض الجرائم المالية الخطيرة ومنها السرقة والتزييف للعملات وغسل الأموال والرشوة. ولهذا تسعى الدول من خلال أجهزتها المصرفية بشكل خاص وبدعم من الجهات الأمنية المعنية لدعم مشروعات استخدام البطاقات البلاستيكية المصرفية عموما. وللبنوك المركزية السلطة المطلقة للقيام بالإشراف والمراقبة على أعمال البنوك وتقوم هذه العلاقة بناء على نظم وقوانين تحكم بموجبها تلك الممارسات ويتم تنفيذ هذه المهام من خلال ثلاثة محاور رئيسة يختلف تطبيقها والاعتماد عليها من دولة إلى أخرى. وأخيرا صرح مدير البطاقات ببنك البحرين الوطني, جاسم بوجيري, بأن نسب استخدام البطاقات الائتمانية المزورة في البحرين ضئيلة جدا قياسا بحجم المبالغ التي استهدفت, ومقارنة بالإحصاءات العالمية المتوافرة على الرغم من صعوبة تحديد نسب صحيحة في هذا المجال, وأن البطاقات الصادرة في البحرين حتى الآن تتراوح بين 60 و70 ألف بطاقة ائتمان. وأرجع ذلك إلى وجود وعي وتثقيف في الدوائر الأمنية والمصرفية, وفاعلية التنسيق الموجود بينها, وقال إن الحالات التي تم رصدها كانت على مستوى أفراد حاملين لبطاقات مزورة جلبت من خارج البلاد. وقال بوجيري إن ضعف التقنيات الموجودة في أجهزة الصراف الآلي لدى البنوك يتحمل جزءا كبيرا من مسئولية إتمام عمليات التزوير, محذرا من كبر حجم الخطورة إذا ما استهدفت الدول العربية بنشاط إجرامي منظم لم يتم ضبطه حتى الآن. كما أن قلة وجود توعية لدى مستخدمي البطاقات الائتمانية من أفراد تشكل خطرا محدقا على مستقبل المعاملات المصرفية عن طريق بطاقات الائتمان, حيث يمكن للمضطلعين بعمليات التزوير الاستفادة من استخدام الأفراد لبطاقات الائتمان خارج حدود الدول العربية.