يتوقع ان تكون عضوية الصين في منظمة التجارة العالمية نعمة على بعض الدول الاسيوية ونقمة على البعض الآخر, لكن التوازن الاقتصادي في المنطقة سوف يفيد بالتأكيد بصفة عامة من هذه العضوية. سوف تؤدي هذه العضوية الى ارتفاع حجم التجارة والاستثمار والنمو لان الصين تحتل المركز الثاني بين الاقتصاديات الاسيوية من حيث الحجم بعد اليابان. الدول المصدرة في آسيا سوف تفيد من هذه العضوية لان واردات الصين سوف تفوق صادراتها خلال السنوات المقبلة. ويقول احد الخبراء الاقتصاديين في هونج كونج ان دخول الصين في عضوية منظمة التجارة العالمية هو حدث مهم بالنسبة لآسيا لانه يطرح فرصا وتحديات امام اقتصاديات المنطقة, لكن التأثير العام لهذه العضوية سيكون ايجابيا بالنسبة لاقتصاديات آسيا. تخفيف القيود المالية وقد اعلنت الصين, تمهيدا لدخولها في العضوية القريبة, انها ستقضي على الفواصل القانونية بين القطاعات المالية من بنوك وتأمين وشركات وساطة بشكل تدريجي تمهيدا لتطبيق القواعد العالمية في قطاع البنوك. وكانت الصين قد اعلنت من قبل ايضا انها سوف تطرح اسهم البنوك الكبيرة الاربعة المملوكة للدولة في بورصة الاوراق المالية, بما يعني ان هذه البنوك التي كانت تدار بتعليمات من الحكومة المركزية سوف تتبع قواعد السوق لأول مرة في تاريخها. واكد مسئول حكومي انه لابد ان يكون هناك تعاون بين البنوك وشركات التأمين وشركات الوساطة كما يحدث في انحاء العالم والاتجاهات الدولية والشعور بأن قطاعا ماليا قويا في الصين سوف يساعد في مواجهة المنافسة من المؤسسات الخارجية المماثلة بعد حصول الصين على عضوية منظمة التجارة العالمية الى ازالة الفواصل بين افرع القطاعات المالية في الصين من بنوك وشركات تأمين ووساطة. هذا يعني ان السوق الصينية سوف تكون اكثر انفتاحا امام المنافسة من الشركات العالمية ومتعددة الجنسية بناء على التزاماتها بفتح اسواقها امام المنافسة مقابل حصولها على عضوية منظمة التجارة العالمية. فماذا يعني ذلك بالنسبة للصين ذاتها وبالنسبة للدول الاسيوية المحيطة بها؟ يعتقد كثير من المراقبين ان اكثر المستفيدين من الانفتاح الصيني هي هونج كونج, لأن زيادة تحرير التجارة في بر الصين يزيد الطلب على خدماتها المالية والمحاسبية والقانونية والاستشارية في الوقت الذي يساعد فيه توسع التجارة الصينية الى توسيع نطاق الشحن والأعمال اللوجستية. والمعروف ان هونج كونج, حتى من قبل عودتها الى الصين بعد الاحتلال البريطاني لها, هي بوابة الدخول الى سوق الصين الداخلية الواسعة لكن هناك اخرون حذروا من ان التوسع في السوق الصيني على المدى الطويل قد يقلل من الاهمية النسبية لهونج كونج لأن الصين سوف تطور الخدمات التي تحتاجها من هونج كونج بنفسها. وبرغم توتر العلاقات بين تايوان والصين, فإن الأولى سوف تفيد من هذه العضوية, لأن تايوان هي اكثر الاقتصاديات الاسيوية من حيث التصدير. لكن هناك قلق بين الدول الاسيوية من تزايد الاهمية النسبية للصين كدولة مصدرة, فقد يحرم ذلك هذه الدول من نصيبها في اسواقها التقليدية للتصدير, خاصة الولايات المتحدة وأوروبا كما تخشى هذه الدول ايضا من اجتذاب الصين لغالبية الاستثمارات الاجنبية, التي تعتمد كثير من الدول الاسيوية عليها في نموها الاقتصادي كما ان انفتاح الصين قد يستنزف رأس مال من بقية ارجاء آسيا, مما يشكل خطرا على الانتعاش الاقتصادي والعملات الآسيوية وأسعار الاسهم. لكن هل يحدث ذلك بالفعل على المدى القريب؟ ان حدوث ذلك يتوقف على التزام الصين بتعهداتها امام منظمة التجارة العالمية بفتح اسواقها امام المنافسة العالمية. هل تلتزم الصين بالتعهدات؟ حذر باسكال لامي الممثل التجاري الأوروبي من أن الصين قد تحتاج لفترة طويلة قبل تنفيذ وعودها بتحرير تجارتها وقطاعاتها الاقتصادية, وقد قطعت الصين هذه العهود أمام الاتحاد الأوروبي وواشنطن والدول الاعضاء الأخرين في منظمة التجارة. وقال لامي لابد ان نلاحظ ان انفتاح الصين لن يحدث دفعة واحدة لانه لابد من اجراء تحولات وتغيرات سياسية واقتصادية, سيكون لها ايضا انعكاسات اجتماعية. وحذر لامي بكين من انها لا يجب ان تشعر بصدمة عندما تتكيف مع الوضع الجديد اذا جاء وقت وحكمت لجنة المنظمة العالمية اي حكم ضد الصين. لكن تشارلين بارشفسكي الممثلة التجارية الامريكية من ناحية اخرى اعربت عن ثقتها في ان بكين سوف تفي بتعهداتها ومعايير منظمة التجارة العالمية بعد حصولها على العضوية, لان لذلك اهمية كبيرة في دخول الصين للساحة التجارية الدولية. واضافت انها تعتقد ان الصين سوف تستطيع التوافق وانها غير قلقة بشأن ما يقال عن ان وعود الصين مجرد كلمات نظرية. وقالت ليس في ذلك شيء نظري لان اجراءات انفتاح السوق لابد ان تكون عملية ومحسوسة ويظهر تأثيرها بمجرد تنفيذها. وقالت ان زعماء الصين ايضا يعلمون تماما انهم لابد ان يصلحوا اقتصادهم حتى تستطيع البلاد ان تحقق النمو الاقتصادي المرغوب وتحقيق الأهداف من وراء عضويتها في المنظمة العالمية. لكن ماهو وضع الاقتصاد الصيني حاليا, وكيف يمكن ان يتحول هذا الوضع الحالي بعد حصول الصين على عضوية منظمة التجارة العالمية؟ الوضع الاقتصادي حاليا برغم الاصلاحات التي تقوم بها الصين منذ عقدين من الزمان, والطفرة في اسهم شركات الاقتصاد الجديد, لا تزال الصين تواجه صلابة في جذب المستثمرين لتعزيز قوة شركات الاقتصاد التقليدي التي تريد ان تطرح اسهمها امام المستثمرين خلال العام الجاري. وتسعى الصين منذ سنوات الى تعزيز الاقتصاد الجديد على امل ان يساعدها ذلك في تخفيف الاعتماد على الاقتصاد التقليدي مثل الزراعة والصناعات الثقيلة. وقد حققت بعض النجاح في ذلك فشأت بعض شركات الانترنت والاتصالات القادرة على المنافسة العالمية لكن بأعداد قليلة. لكن الصين وجدت نفسها محاصرة بمشكلة جديدة, هي ان المستثمرين يهتمون فقط بشركات التكنولوجيا الفائقة ولا يهتمون بشركات الاقتصاد التقليدي التي تريد الصين ان تطورها وتبيعها للمستثمرين لكن الحكومة في الصين تسيطر على تسجيل الشركات في البورصات. وقد تعهدت الحكومة بالتخلي عن غالبية الشركات المملوكة لها والمتعثرة بحلول نهاية العام الجاري, لكنها ينبغي ان تسرع ببيع أسهم مئات الشركات المتعثرة حتى يتحقق هذا الهدف. ويفترض ان تستغل عائدات هذه المبيعات لسداد ديون الشركات واعادة هيكلتها حتى تزداد كفاءتها وقدرتها على المنافسة. لكن فجأة تحيط الشكوك بهذه السياسات. ويقول أحد الخبراء من هونج كونج حتى لو استمرت أسهم شركات التكنولوجيا الفائقة في الارتقاع, فالأموال الناتجة عن ذلك لن تذهب الى أسهم الشركات التقليدية. واتضح ذلك عندما اخفقت شركة بتروتشاينا ـ جزء من المؤسسة الوطنية للبترول ـ في جذب اهتمام المستثمرين لشراء أسهمها عندما قررت بيعها لجمع الاموال. وكان بيع أسهم هذه الشركة يعتبر أكبر عملية بيع أسهم لشركة صينية, لكن المؤسسة اضطرت الى خفض حجم الصفقة حتى يمكن ان تتم, وتمت في نطاق ثلاث مليارات دولار أمريكي, أي أقل من نصف الاصدار الذي كانت تنويه الشركة. وتأمل ثلاث شركات كبيرة مملوكة للحكومة هي بايشان للحديد والصلب والصين للبتروكيماويات والصين الوطنية لمشروعات البترول الخارجية في ان تدخل الاسواق العالمية عن طريق بيع الأسهم خلال العام الجاري من أجل جمع عدة مليارات من الدولارات. الصين تحقق نموا لكنه غير متوازن أعلنت الصين انها حققت نموا خلال الربع الأول من العام بنسبة 1.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق وبنسبة 8.6% خلال الربع الأخير من العام الماضي, وسجل الاقتصاد الصيني نموا بنسبة 1.7% خلال العام الماضي. ومنذ عامين تحدث اقتصاديون عن بنوك الدولة الكبرى التي تمر بحالة تدهور, وظلت في حالة فنية ومالية سيئة حتى الآن. وأشار بعض التقارير الى ان الاقتصاد الصيني يتدهور, لكن مسئول في الحكومة نفى ذلك وقال ان الاقتصاد الصيني يحافظ على قوة دفع كبيرة منذ العام الماضي وحتى الآن. رغم هذا النمو الكبير, الا انه يتفاوت كثيرا بين مختلف المناطق في البلاد, فغالبية النشاط الاقتصادي يتركز في المدن الكبيرة, خاصة على الساحل الشرقي للبلاد, وبقية اجزاء الصين تعاني كسادا كبيرا. واذا انخفض النمو الاقتصادي الصيني عن ذلك, سوف تواجه الحكومة اضطرابات اجتماعية في المنطقة الشمالية الشرقية الصناعية, حيث يصل معدل البطالة الى 30%. وقام بالفعل شغب في فبراير الماضي بعد اغلاق الحكومة لأحد المناجم لأنه يسجل خسائر وشارك في الشغب 20 الف عامل, لكن الحكومة تمكنت من قمعه. وحاولت بكين تعزيز النمو الاقتصادي عن طريق ضخ المال في مشروعات بنية تحتية عملاقة, مثل مشروع سد الخوانق الثلاثة. وخفضت الفائدة على الودائع المصرفية ورفعت رواتب العاملين بالحكومة وزادت من العطلات الرسمية لتشجيع الانفاق الاستهلاكي. الصادرات والاستثمارات الاجنبية تحقق الصادرات والاستثمارات الاجنبية نموا مقارنة بفترة الأزمة الآسيوية, لكن الصادرات قفزت بنسبة 39% خلال الربع الأول من العام, مما دفع الفائض التجاري الصيني الى 2.5 مليارات دولار خلال ربع عام فقط. وارتفعت الاستثمارات الاجنبية بنسبة 10% في مارس من العام الجاري لأول مرة منذ موجة عزوف المستثمرين عن الاستثمار في الصين. وبلغت قيمة عقود الاستثمار الاجنبية ارتفاعا بنسبة 27% خلال الربع الأول. ويبدو ان الارتفاع في الصادرات والاستثمارات قضى على تهديد انخفاض العملة المحلية الصينية, فقد كانت هناك مخاوف ان تنخفض. هل بيانات الاقتصاد الصيني سليمة؟ هناك تقديرات بأن نحو عشرة ملايين عامل صيني سوف يفقدون وظائفهم خلال السنوات الثلاث المقبلة, حيث ان المنافسة الشيدة سوف تدفع بعض الشركات الصينية للخروج من ميدان المنافسة. حقيقي ان الاحصاءات التي تعلنها الصين توضح ان النمو في تصاعد مستمر في اتجاه يبشر بأن التزام الصين بمعايير منظمة التجارة العالمية في المنافسة لن يكون تأثيره كبيرا بسبب منافسة الشركات الاجنبية. هناك مؤسسات دولية مثل البنك وصندوق النقد الدوليين يزالان يقبلان هذه الاحصاءات, غير ان اقتصاديين مستقلين يعتقدون ان بكين تعلن ارقاما مبالغا فيها عن النمو الاقتصادي خلال العامين الماضيين. فقد يكون الاقتصاد الصيني أضعف مما يمكن تصوره وأبعد ما يكون عن الانتعاش والنمو, بما يعني ان الاقتصاد قد يكون غير مؤهل لاستقبال الصدمات التي قد تحدث من عضوية منظمة التجارة العالمية. وقام توم رواسكي استاذ الاقتصاد بجامعة بتسبرج بحساب معدل النمو الاقتصادي الصيني بناء على بيانات مثل الأجور وعائدات الضرائب, واكتشف من خلال هذه الحسابات ان معدل النمو 8.5% فقط, مقابل 1.8% خلال الربع الأول من العام و1.7% خلال العام الماضي أعلنتهما الحكومة. ومع ذلك يقول توم رواسكي ويعتبر معدل نمو اقتصادي 5% بالنسبة لدولة نامية جيد, لكنه بالنسبة لدولة فقيرة وهائلة التعداد السكاني مثل الصين نموا ضعيفا وغير قادر على استيعاب العمالة المتنامية وارتفاع معدلات البطالة, كما يعني هذا المعدل ان نصف النمو الذي تحقق خلال العامين الماضيين يأتي عن طريق مشروعات حكومية والنصف الآخر من الصادرات. وكلا المصدرين مشروع للنمو الاقتصادي, لكن هناك حاجة لتحقيق استقرار اجتماعي, فماذا ستفعل الصين بعد انفتاح البلاد أمام المنافسة الاجنبية بعد عضويتها في منظمة التجارة العالمية؟ وهل يتحسن النمو الاقتصادي نتيجة الاستثمارات الاجنبية؟ وهل تتوفر فرص عمل لاستيعاب العمالة التي تسرحها المشروعات الحكومية من أجل اعادة الهيكلة وزيادة القدرة على المنافسة؟ كل ذلك يفرض ان الصين التزمت في الأساس بتعهداتها أمام المنظمة العالمية. كتب المحرر الاقتصادي