كنا نتوقع من المؤتمر السادس واسواق المال العربية في بيروت خلال الشهر الماضي, والذي القيت به نحو 30 محاضرة ومداخلة حول الاستثمار في الدول العربية وحضره حوالي 500 من كبار المسئولين ورجال الاعمال العرب والمختصين, كنا نتوقع ان يأتي المؤتمر بجديد مع بداية قرن جديد والفية جديدة, تعتمد, كما ظهر في مناطق اخرى, على التنفيذ العملي وليس على المطالبات النظرية ذات الاساليب الشكلية والاعلامية, والتي يكون مصيرها الحفظ في الادراج الارشيفية حتى يعفو عليها الزمن, ثم تفنى او تحرق في غفلة منه. غير ان المؤتمر بضخامة الخبراء والمستشارين العرب الذين حضروه, لم يكن اسعد حالا من المؤتمرات الخمسة السابقة, لافي توصياته ولا في الخطب والمحاضرات التي القيت به, وان كان قد ركز في اغلبها على العيوب والاخطاء التي تجتازها عمليات التعاون العربي المشترك, والتي تمثلت فيما يلي: ـ استنكار الاسلوب الذي يسير عليه التعاون العربي المشترك, حيث ذكرت التوصيات ان اقتصاديات العالم العربي لم تستغل بعد كل امكانات التعاون والتبادل فيما بينها وان ما تم تحقيقه حتى الآن على مستوى الجهود الانمائية, مازال دون مستوى التحديات بل وفي نطاق الحد الادنى من الدعوة للتكامل العربي وازالة العراقيل من وجه التجارة, وتحرير تبادل السلع والخدمات والتنقلات الرأسمالية. ـ ضرورة انشاء شبكات تقرب فيما بين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الدول العربية مع تنسيق وتطوير السياسات الاقتصادية والمالية في الدول العربية, وتزيد من القدرات التنافسية والتفاوضية بما يساعدها على فتح الاسواق لمنتجاتها, واعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية العربية, وتطوير البحث العلمي والتعليم الفني ومواجهة شح الموارد وتعزيز العمل العربي المشترك. ـ التأكيد على ان التكنولوجيا تخفض الاكلاف المصرفية وترفع الفاعلية التشغيلية وتوسع شبكة الانتشار المصرفي, وان عدم الاعتماد على التكنولوجيا سيهمش العمليات المصرفية التقليدية وسيحصر دور المصارف في العمليات المعقدة وتمويل المشروعات والاقرار بان استمرار المصارف الصغيرة سيؤدي الى صعوبة شراء التكنولوجيا والاعتماد على الكوادر البشرية المطلوبة, وهو ما يتطلب الاندماج السريع والتكتل المصرفي داخل القطر الواحد بين اقطار الدول العربية. ـ وفي مجال الاستثمار العربي اكدالمؤتمر على دور الاستثمار الاجنبي في تنمية الكثير من الدول النامية خلال العقدين الاخيرين مع ضرورة التركيز على مصادر رأس المال المحلي كأولوية في استراتيجية البناء العربي محليا واقليميا, خاصة وان رؤوس الاموال المحلية هي اكثر اقبالا ومنافسة واستقرار من غيرها وهي التي تمول عادة اسواقها المحلية وتتبعها بعد ذلك رؤوس الاموال الاخرى. ـ ان تحقيق التنمية لا يعتمد فقط على تطبيق الصيغ الاقتصادية التقليدية بل يعتمدايضا على نقل الاقتصاديات العربية الى عهد الاقتصاد الجديد الذي تحركه تكنولوجيا المعلومات والمبتكرات الحديثة او التخوف من اتساع فجوة تقنيات المعلومات بين الدول العربية والعالم المتطور والمطالبة بتحديد الخيار العربي لاقتصاد المعرفة والمعلومات بديلا عن ايديولوجيات الأمن ودعوة المستثمرين العرب للاستثمار في بناء صناعات تكنولوجية متطورة. ولا اكون مبالغا اذا قلت ان اغلب التوصيات اذا كانت مفيدة وعملية, فانها معادة ومكررة واعدت للاستهلاك العربي المحلي فقط وليس للتنفيذ العملي الموضوعي, وان كان بعضها يمكن ان يكون محل تنفيذ عاجل طالما تكون هناك نية وارادة قوية على العمل للصالح العربي القومي, وليس مجرد فض مجالس ما اكثر انتشارها داخل المنطقة العربية وبين عواصمها المختلفة. ان استرداد الاموال العربية من الخارج واستثمارها داخل المنطقة العربية يمكن ان يؤدي الى تغيير اقتصادي جذري في الداخل والى بناء كتلة اقتصادية عربية يطالب بها الملوك والرؤساء العرب في اغلب اجتماعاتهم الثنائية والجماعية, وما يتطلبه ذلك من خطوات عملية تنفيذية يقوم باعدادها مجموعة خبراء عرب يتعين ان تشكلها جامعة الدول العربية اذا ارادت ان يكون لها دور تاريخي جديد يبدأ مع القرن الجديد. لقد وصلت الاموال العربية في الخارج الى حوالي 680 مليار دولار امريكي وفقا لمصادر البنك الدولي الصادرة منذ خمس سنوات (حيث انقطعت بعدها هذه التقديرات) , في حين ان بعض المؤسسات البحثية الاجنبية تقدرها بما يزيد على 1000 مليار دولار امريكي, منها ما يقرب من 5% فقط تستثمر داخل المنطقة العربية والباقي في الخارج بين الدول الامريكية والاوروبية والاسيوية, وتتنوع هذه الاستثمارات بين حسابات جارية في البنوك وودائع مصرفية لأجل واسهم وسندات لشركات اجنبية مسجلة في بورصات الاوراق المالية الاجنبية وعقارات ومصانع ومحلات تجارية... الخ. ولاشك ان هذه الاستثمارات, اذا كان بعضها يستفيد منها اصحابها العرب فان اغلبها يدعم اقتصادات الدول الاجنبية بعيدا عن المنطقة العربية, ومن واقع حوار نشر في اواخر العام الماضي بجريدة (واشنطن بوست) بين الرئيس كلينتون والامير الوليد بن طلال, جرى استعراض استثمارات الامير داخل الولايات المتحدة والتي تبلغ جملتها 46 مليار دولار امريكي وفقا لما نشر حينئذ, حيث وجه الرئيس الامريكي الشكر للامير على اهتمامه بالاستثمار داخل الولايات المتحدة والتي تتنوع بين قطاعات متعددة اهمها المصارف والاعلام والتقنية وشبكة الانترنت والفنادق والترفيه وتجارة التجزئة والملاحة الجوية. ولقد تضمن هذا الحوار ما قدمه الامير للاقتصاد الامريكي خاصة في مجال انقاذ شركة (سيتي كورب) المصرفية صاحبة مصرف سيتي بنك مما جعله اكبر مساهم فردي في اكبر بنك امريكي ـ وفي دمج (مجموعة ترافللرز) لتكوين سيتي جروب Citigrourp ثاني اكبر مؤسسة مالية في العالم, وفي شراء حوالي 10% من اسهم محلات ساكس فيفث Sahs Fifth AVenue الفاخرة لبيع الازياء في نيويورك, وفي شراء 50% من سلسلة فنادق فيرمونت, وفي 25% من اسهم منتجع ديزني لاند Diseney مما انقذ المنتج ماليا. هذه الاستثمارات وغيرها للأمير في الولايات المتحدة الامريكية كان مثار اهتمام الرئيس الامريكي كلينتون الذي استقبل في المكتب البيضاوي بالبيت الابيض الامير الوليد بن طلال ونجله في نوفمبر الماضي وذلك في اجتماع ضخم ضم رئيس الامن القومي الامريكي (ساندي برجر) ورئيس البيت الابيض (جون بوديستا) والسفير الامريكي لدى السعودية (داين فادكر) , وكان الاجتماع مخصصا لشكر الامير على اهتمامه بالاستثمار داخل الولايات المتحدة الامريكية وتشجيعه على المزيد منها وتذليل كل العقبات التي تواجه استثماراته. انه اسلوب جديد حقا في تشجيع الاستثمارات الكبيرة, ارجو ان يسود المنطقة العربية, وان يضع المستثمرين العرب في موضع ومكانة لائقة تساعد على استرداد جزء من اموالهم المبعثرة في الخارج والتي خرجت منذ عهود الاشتراكية التي اعتقد بعض الرؤساء العرب انها ستكون اسلوبا جديدا للتنمية ومعالجة الفقر والبطالة, فاذا بها تأتي بالعكس حيث زاد الفقر وادى الى هروب الاموال الى الخارج وافتقار الدول العربية الى الاموال التي تساعد على التنمية والتقدم الاقتصادي. على ان الاسلوب العملي الجديد الذي اقترحه ايضا في مجال تشجيع استرداد الاموال العربية من الخارج يتضمن ما يلي: ـ ان تقوم مجموعة من الخبراء الفنيين الذين تشكلهم جامعة الدول العربية, من العرب المقيمين في الداخل والخارج, بحصر دقيق لرجال الاعمال العرب الذين يملكون استثمارات ضخمة في الدول الاجنبية والتي يمكن تسييلها ونقلها الى اماكن اخرى داخل المنطقة العربية. ـ ان تضع المجموعة بالاتفاق مع الحكومات العربية المعنية ومع كبار المستثمرين العرب المشروعات الكبرى التي يمكن إنشاؤها اقليميا داخل المنطقة العربية وتؤدي الى حصولهم على المزايا التي يحصلون عليها بالخارج, كما يمكن ايضا ان تساعدهم هذه الحكومات في تسهيل اعمالهم بما يتضمنه ذلك من القضاء على البيروقراطية باساليب حديثة غير تقليدية, وخلق مناخ استثماري جديد يعتمد على التكنولوجيا الحديثة والمستوردة وعلى الاهتمام بالمستثمرين العرب. ـ توفير الاقامة المناسبة للمستثمرين العرب في الاماكن والدول العربية التي يرغبون الاستثمار فيها بالمنطقة العربية, مع انشاء مدن جديدة لهذا الغرض, وعلى ان يقوموا بالاشتراك في عمليات انشائها ومدها بالمرافق والبنية الاساسية التي تؤدي الى امكان القيام بالاتصالات السريعة بأية دولة اجنبية او الانتقال اليها لانهاء اعمال لهم في اسرع وقت ممكن. ـ من الممكن ان تكون توشكى اول المشروعات لاقامة منطقة استثمارية حرة جديدة تتضمن كل المزيا التي تساعد المستثمرين العرب على العيش فيها وتزويدها بكل لوازمهم, وقد بدأ فيها فعلا الاستثمار السعودي والاماراتي, كما يمكن ان يمتد ذلك الى مشروع جبل علي في دبي ومنطقة شمال غرب السويس ومناطق عربية اخرى جديدة تنشأ ليس كمناطق حرة فقط ولكن كمناطق استثمارية يمكن الحصول عليها بالايجار من الدولة كمشروع مدينة هونج كونج التي عادت منذ سنوات قليلة الى دولتها الام. ان العيوب والاخطاء والتناقضات التي تعوق عمليات الاستثمار العربي المشترك والتي عرضت بالفعل في مؤتمر بيروت للاستثمار واسواق المال العربية لابد ان تكون دفعة جديدة امام المخلصين والامناء العرب للانتفاع بها وهم يضعون الخطط الجديدة للتعاون الاقتصادي العربي في القرن الحالي وحتى يكون قادرا على تشجيع الاجيال العربية المقبلة للوقوف ضد المخربين والاعداء الذين وقفوا ضد التعاون العربي في الربع قرن الاخير ومنعوا الانجازات وهم مختبئون ومختفيون ولهم اغراضهم الشخصية الخاصة. ان ما اعرضه قد يبدو غريبا في بعض جوانبه, ولكنه منطقي مع قرن جديد وفكر حديث يبدأ بأنظمة دولية جديدة تتبلور فيما يسمى (بالعولمة) التي ستأكل الضعيف وتعطي الفرصة فقط للقوي والغنى, ليس بسلاحه ولا بجسده ولكن بأمواله وخططه, وهي استراتيجية جديدة مقبلة قد تؤدي الى تحويل العالم الى سادة وعبيد, او الى سادة للجميع.. ولكن على درجات مختلفة. بقلم: مستشار يحيي المصري