اكدت دراسة اقتصادية خليجية حديثة ان التحدي الذي يجب على دول مجلس التعاون ان تقبله وتعمل من أجله هو ان تكون عمليات نقل التقنية جزءا من سياسته لتنمية القدرات البشرية والمادية لبناء قاعدة تقنية وطنية تتولى مسئوليات الاختيار الامثل للتقنية وتعمل على تطويعها. وقالت الدراسة انه مهما قيل حول نقل التقنية من قبل الخبراء والمسئولين بين دعوات المؤيدين واستنكار الرافضين لاستيراد التقنية فان حل المشكلات المترتبة على نقل التقنية لا يكون بدعوات الانعزال عن العالم المتقدم بدعوى الاعتماد الكامل على القدرات الذاتية مشيرة الى انه ليس هناك ادنى شك في ان بلوغ المستويات المبتغاه من الاداء التقني تعتبر عملية طويلة وشاقة وقد يتطلب التدرب على التحكم في التقنية وعمليات الانتاج سنوات طويلة وجهدا ومثابرة من خلال تعميق الوعي باهمية القاعدة التقنية المتطورة القادرة ذاتيا على الاستمرار والنمو والتي تشكل ضمانة لعمليات التنمية المستدامة التي نطمح ان تستمر صعودا في دول المجلس. واشارت الدراسة الى ان هناك العديد من القطاعات الاقتصادية التي تمكنت من ادخال وتطبيق احدث الاساليب التقنية الا ان الاسلوب الذي اعتمدته دول المجلس في نقل التقنية وتوفر العمالة الوافدة لن يدفعنا الى تنمية قدراتنا ووضع الخطط المستقبلية باتجاه خلق القدرة على انتاج تلك التقنيات ولنا في تجارب بعض الدول النامية خير مثال فقد تزامنت فيها اجراءات الرقابة على نقل التقنية مع اجراءات اخرى لا نتاج التقنية وتشير بعض التقارير والدراسات الى ان الدول النامية في مجملها لا تمتلك سوى 5% من القدرات التقنية العالمية وانها لا تنفق سوى 1% من مجموع ما يتفق دوليا على هذه العلوم والتقنية بل والملاحظ ان النشاط العلمي والبحث في مجالات التقنية يكاد يكون مهمشا وذلك يؤدي بلا شك الى اتساع الفجوة التقنية والجهود المبذولة لتضييقها ولا تزال محتاجة الى جهود مضنية تتطلب تضافر جهود معاهد الابحاث والجامعات والقطاعات الحكومية والصناعية من خلال آلية فعالة ومن خلال عمل خليجي مشترك ومتضافر كتكلة اقليمية موحدة. وذكرت الدراسة وجود تجارب يمكن اعتبارها تجارب واعدة كما في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية التي تبذل جهودا في تدعيم خطط التنمية في المملكة العربية السعودية وذلك بتنشيط البحث العلمي في مجالات التقنية المختلفة من خلال برامج مكثفة لتطوير ابحاث الطاقة الشمسية وابحاث توليد الطاقة الكهربائية باستخدام طاقة الرياح وبرامج في مجال البترول والصناعات الكيماوية وغيرها كذلك جهود مؤسسة الكويت للتقدم العلمي التي تمول العديد من البحوث في مجال العلوم التطبيقية والتقنية وغيرها من المجالات, الا ان ذلك كله مازال يقل بمراحل عما يجب عمله حيث لا يشكل سوى جزء من 1% الذي تنفقه دول العالم في هذا المجال. وشددت الدراسة على ضرورة ترسيخ مبدأ هام في التعامل مع التقنية وهي انها نتاج نشاط انساني ينطلق من العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع وان نقل التقنية لن ينقل الانتاج من موقع المتلقي الى موقع المنافس فامتلاك المعرفة والمهارة واستيعاب التقنية هو الهدف الاستراتيجي الذي يجب ان تسعى اليه دول المجلس. وتؤكد خطط وبرامج التنمية في دول المجلس ان ايجاد قاعدة قوية ومعتمدة وكفؤة من القوى العاملة وتغطية الجزء الكبير من العلماء والمهندسين والفنيين هو الاولوية التي يجب ان تسعى اليها دول المجلس, كما ان نقل التقنية واستيعابها وتطويرها يتطلب التعاون الخلاق بين معاهد الابحاث بالجامعات والقطاعات الحكومية والقطاعات الاقتصادية المختلفة, كذلك فإن تبني القطاع الخاص لمشروعات بحثية وتطويرها والاستثمار فيها سيحقق للقطاع الخاص نقلة نوعية باتجاه ولوج مجالات جديدة للانتاج ذي القيمة المضافة العالية. وقالت الدراسة انه بالاضافة لاستمرار الحاجة الى نقل التقنية المتطورة المتوائمة مع حاجات دول المجلس والتي تحقق الكفاءة الانتاجية والجودة فإن تنمية الامكانات التقنية وتطويع واستنباط معطيات جديدة من التقنية المنقولة واكتساب التقنية بفعالية لضمان استدامة التنمية هي طريق لبناء القدرات الذاتية ضمن عملية طويلة وشاقة, فالتحدي الأكبر سيكون في قدرة دولنا على بناء الانسان المقتدر والواعي والمهيأ لاستيعاب التقنية والاضافة عليها من خلال الابتكار والابداع بتبني استراتيجيات تعتمد العلم والتقنية لمدخلات اساسية للتنمية وقد وضعت خطط التنمية في دول المجلس ضمن برامجها وتوجهاتها اولويات لدعم وتوسيع القاعدة الوطنية للبحث العلمي والتطوير التقني والتركيز على الأساليب التقنية التي تتلاءم ومتطلبات الاقتصاد المحلي والاستثمار في ابحاث التقنية وتشجيع الابتكار ودعم قدرات القطاع الخاص في مجال استخدامات التقنية وتعزيز دوره في توسيع النشاط البحثي في مجال الصناعات المختلفة. واوضحت ان نقل التقنية يعد من الموضوعات المهمة التي شغلت بال الكثيرين من المهتمين بدراسات التنمية في مجلس التعاون وهناك فهم خاطيء يقول ان البدائل التقنية متعددة ومتاحة بحرية وهذا غير صحيح ليس فقط لأن الشركات والمؤسسات الكبرى التي تتيح التقنية المتقدمة تحيط عملياتها الانتاجية بقدر من السرية فقط فتلك حقيقة واقعة ولكن حرية الاختيار تحتاج بداية الى توفر معلومات وافية عن التقنيات المتاحة لدى الدول المنتجة وذلك محاط بالسرية كذلك لو توفرت تلك المعلومات فمن هو القادر على تحليلها وتقييمها في ظل غياب انظمة معلومات تقنية مقتدرة ان لم نقل غياب الخبرات التقنية القادرة على استيعاب تلك المعلومات. وذكرت ان عمليات نقل التقنية تتخذ عادة مسارات مختلفة منها نقل المعدات والالات وهو الاسلوب الاكثر شيوعا او نقل الخدمات التقنية من خلال التصميمات او الدراسات الفنية او خدمات التدريب واستخدامات الحاسب الآلي وغيره او عبر اسلوب نقل المعرفة من خلال نقل الخبرات للتدريب على مختلف عمليات ومراحل الانتاج وان من ينظر لتجارب الدول النامية في مجال نقل وتوطين التقنية يلاحظ ان الدول التي اكتفت بشراء الالات والتقنيات الحادثة لم يؤد ذلك لها الى التحكم في التقنية ولم تستطع ان تطور القطاع الصناعي لديها لتتمكن من تحقيق المنافسة ذلك لان السيطرة على التقنية تتم من خلال المعرفة ومن خلال نظم البحث والتطوير.
