من اللافت للنظر ان دراسات منظمة العمل العربية تشير بوضوح الى ان الوضع ا لراهن للعمالة العربية لا يتناسب مع القدرات والطاقة الهائلة التي تتطلبها احتياجات العمل حسب المقاييس الدولية, وتصف المنظمة معدل النمو العالي للقوى العاملة وتدني نوعيتها وانتاجيتها, وارتفاع تكلفتها بانها من التحديات الاساسية للاقتصادات العربية ولا سيما في ظل مستجدات الاقتصاد العالمي المفتوح والقائم على المنافسة. ولذلك تدعو المنظمة الى ضرورة العمل لتنمية مهارات القوى العاملة وتأهيلها وتدريبها باستمرار , بالاضافة الى تطوير انظمة التعليم والتدريب والبحوث وتعديل القوانين المنظمة للعمل, وتحسين مناخ الاستثمار وتنشيط القطاع الخاص, وتطوير الانظمة ذات الكثافة العمالية العالية القادرة على استيعاب جزء كبير من القوى العاملة, والعمل على خفض معدلات البطالة التي لاتزال تشكل الهاجس الاكبر لنمو الاقتصادات العربية . الا أن ما تواجه العمالة العربية من تحديات لن يقف عند هذا الحد وذلك بسبب تطور العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية الجيدية. فلقد تضمنت اتفاقية الجات عدة مجالات تتعلق بالشروط والاوضاع التي تلتزم بها الدول الاعضاء لتحرير اسواق العمالة من القيود والحواجز في اطار اتفاقية الخدمات بجانب ما تسمح به الاتفاقية من اقامة اسو ا ق متكاملة للعمل, مع منح مزايا خاصة لبعض الدول في هذا المجال. كما تناولت هذه الاتفاقية حرية انتقال العمالة عبر الحدود سواء العمالة الدائمة او المؤقتة او لاغراض السياحة ومعايير تقييم المؤهلات والخبرات وقواعد منح الجنسية وحق الاقامة, بالاضافة الى ادراج ملحق في نهاية الاتفاقية يتناول الاحكام المكملة لعنصر العمالة فيما لم يرد بالاتفاقية نفسها. لقد كان لعامل البطالة وزيادة تنقل الاشخاص عبر الحدود دور رئيسي في تكوين المنظمة العالمية للتجارة, حيث ظهرت اهمية فتح الاسواق امام حركة التنقل وتحرير هذه الاسواق من القيود والحواجز التي تعترضها خاصة بعد ان اصبح قطاع الخدمات في الدول الغنية يعادل 60% من ناتجها القومي, كما تضمنت نصوص الاتفاقية السماح لاي دولة بالدخول في اتفاق للتكامل التام لاسواق العمل مع أي دولة اخرى, واشترطت الاتفاقية اعفاء رعايا تلك الدولة من تصاريح العمل والاقامة, كما اشترطت ابلاغ مجلس تجارة الخدمات بمثل هذه الاتفاقية. ان العديد من الدول العربية سوف يعاني من معدل زيادة البطالة بها مع بدء العمل بالاتفاقية نتيجة تدني معدل نمو الانتاج العربي على مستوى العالم, حيث تصل نسبة الانتاج الزراعي 5.1% والصناعي 5.0% من الانتاج العالمي, ومن المرجح تفاقم تلك المشكلة في الاجل القصير وربما المتوسط وخلال المرحلة الانتقالية المتاحة لدى الدول النامية لتكييف اوضاعها الاقتصادية للتعامل مع المتغيرات الجديدة (5-10 سنوات), اما الوضع في الاجل الطويل فيتوقف على مدى مرونة واستجابة الدول العربية لدواعي التطوير ومدى تكتلها وتكاملها واندماجها معا لمنع تفاقم تلك المشكلات ومدى قدرة الدول العربية على تخطي عديد من الصعاب ومنها خصوصا زيادة حجم السكان ومن ثم حجم القوى العاملة العربية واتجاه بعض الدول العربية لتبني برامج الاصلاح الاقتصادي علاو ة على اختلال التركيبة السكانية وارتفاع نسبة الاعالة وتدني الانتاجية ووجود تيارات الهجرة العربية المرتدة من الدول العربية والاوروبية وكذلك ارتفاع نسبة العمالة الاجنبية الى اجمالي السكان . لذلك فإن التحدي الذي يواجه الدول العربية في ظل العولمة الراهنة يتجسد في استشراق المستقبل والمضي قدما في الاستعداد لمواجهة تحديات ومشاكل الاندماج في الاقتصاد العالمي والمشاركة الفاعلة في التغيرات السياسية والاقتصادية والتقنية التي يشهدها العالم, اذ تعاني الدول العربية من مشاكل عديدة ابرزها القيود البيروقراطية وارتفاع معدلا ت البطالة والبطالة المقنعة وعدم تطور اسواق رأس المال وغياب الاطر التشريعية الملائمة ووجود المنازعات القبلية والعرقية والعقائدية, وضعف المشاركة السياسية الفعالة , وما يم يتم اجراء اصلاحات جوهرية في المجالات الاقتصادية والسياسية والتشريعية والتعليمية. ان الطريق نحو اصلاح الاوضاع الاقتصادية العربية والتي بضمنها اصلاح أوضاع العمالة العربي يتطلب من الدول العربية المضي قدما في مسيرة التكامل الاقتصادي جاعلة من المصالح العليا سياسة القوة الدافعة لتوجهاتها وقراراتها. كما ينبغي ان تبعث الحكومات برسالة واضحة الى الاسواق تؤكد التزام الحكومات بانتهاج سياسات اصلاحية تهدف الى تحرير الاقتصاد من القيود البيروقراطية ووضع القطاع الخاص في مقعد القيادة بها. كما أنه من الضروري انفتاح الاسواق المالية بالمنطقة على العالم الخارجي واكتسابها عمقا وشفافية اكبر. كما تبرز أيضا أهمية تحديث وتطوير نظم التعليم والتشريع بما يتلاءم مع احتياجات أسواق العمل وبرامج التنمية. حسين محمد