إن علاقة المنفعة الاقتصادية, والمنفعة المباشرة وغير المباشرة والمنفعة المعنوية, هي الدرس الأول, الذي يجب أن يعيه الإنسان في علاقاته بمن حوله, وبعلاقته مع الله سبحانه وتعالى ولكن بالنسبة لله, فهو غنى كريم, وتنزه عن أي مقابل. فالمنفعة مرتدة على المخلوق فقط, وعلى دائرته وشبكته, ولا بد من الشعور بقيمة المنافع والثمرات والنعيم, وهذا الشعور لا يكون إلا بعد التعب والمنافسة, فالمنافسة ضرورية للتقدم, وصيانة من الفساد. ضرورة المنافسة ينتج عن استمرار المنافسة والمدافعة, تفاعـل المنفعة, وتشابكها, ومن ثم وضع المفاهيم الجديدة وتغيير ما هو موجود لأن الملك والثروة, يؤديان إلى تغيير المفاهيم والقوانين والمعايير والمقاييس, وذلك مـن أجل بسط النفوذ والسيطرة ومن ثم العولمة. لقد كانت مقاومة وعداوة الإنسان لرسل الله من البشر وعدم اقتناعهم بان الله-عز وجل- يصطفي من البشر رسلا لهم, وكان مطلبهم المتكرر بكثرة في القرآن الكريم, أن يرسل الله-عز وجل- ملكا رسولا, وبالرغم من خطورة ذلك عليهم, والتي قد تصل لهلاك الإنسان كما نبه القرآن, إلا أن رغبة الإنسان برؤية الملائكة وترحيبه المتكرر بهم, نابع من حاجة, قد نسميها النزعة نحو قبول ما هو غير معروف من أجل منافسته حتى لو كان من غير جنسه, ولكن الإنسان نسي كما نسي آدم-عليه السلام- أن الملائكة قد سجدت له, فلا منافسة معه, وبقي إبليس الذي آبى وتكبر, فكانت منافسة متعددة الصور, فالشيطان مخلوق من نار والإنسان من طين وتراب, ولكل واحد خواص وقوى, تختلف عن الأخر, فالشيطان يملك قوى لا يمكن أن يملكها الإنسان, وأقل هذه القوى رؤيته الإنسان, وعدم تمكن الإنسان من رؤيته, ورؤيته أكثر مما يرى الإنسان فذلك هو الشيطان, الذي تم إمهالـه وانظاره إلى يوم البعث, بعد أن أبى أن يسجـد لآدم, وأستكبـر لكونه مخلوقا من نار, وأدم مخلوق من طين ولأن آدم-عليه السلام- كرم عليه فخرقت الغيرة والحسد جميع مكامن الخير فيه, ليصبح شرا في شر ومنافسا وعدوا لآدم ونبيه, وبعد أن قال الحق (قال انك من المنظرين) (سورة الأعراف 7: الآية 15)وتوعد الشيطان الوقوف لهم في الطريق المستقيم, وبعد ذلك إثارة مكامن ونقاط الضعف الآدمي, واستغلالها, ونزعة الملك, والنزعة المتعلقة بالصحة والجسد, وكيفية المحافظة عليها, وهى ما تسمى بالخلود, وكلنا يعرف من القصص التي يقصها القرآن علينا, كيف قام إبليس كمنافس لآدم بالدعاية والإعلان والتسويق والعرض الذي عرضه عليهما, نحو الأكـل من تلك الشجرة, رغم التحذير الرباني لكل من آدم وحواء, وكان ما كان, من الأكل من تلك الشجرة, فنتج عن هذه المنافسة, أن تحققت بعض المعارف لدى آدم وحواء, وكان الجزاء طردهم جميعا من الجنة. المنافسة بين جنسين مختلفين تكون المنافسة في جنس واحد أي بين البشر (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) وقد ترتقى لتأخذ صـورة العداوة بين جنسين مختلفين, الشيطان والإنسان, وكلاهما من مصدرين مختلفين, فأصبح آدم وحواء, ومعهما إبليس المنافس, الذي انقلبت منافسته إلى عداء شرس, لا يسلم منها إلا الفئة المخلصة, وهنا درس آخر, نستفيده من هذه العلاقة التبادلية النفعية لطرف واحد, وهو المخلوق, وهذا الدرس هو المنافسة التي تنقلب إلى عداوة, فالله سبحانه وتعالى لم يترك الإنسان بدون علم مسبق, بمنافسه وهو الشيطان, والعلم المسبق بما سيلحق بهذا الشيطان من أتباع من نفس منظومة الإنسان, وبالتالي, فإن أي صاحب عمل أو تجارة عليه أن يعرف مسبقا منافسيه في نفس العمل والتجارة, وأن يحدد أخطر هؤلاء المنافسين, لتبقى آثار المنافسة محدودة, ويتعامل معها, وهو على علم بها. وتصبـح المنافسة معركة, يدخل فيها الصوت والخيل والرجال (واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهـم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) (سورة الإسراء الآية64) فمن منافس إلى عدو يتعـارك بالصوت والخيل والرجال, ثم مشارك, حيث يتمكن المنافس من شراء الشركات الصغيرة المنافسة أو ابتلاعها أو القضاء عليها أو أن تقوم هذه الشركات, بالانضواء تحت لوائه, وتصبح مشاركة له عن ضعف, وتابعة له. إن آيات ونظم القرآن لا تقصر مسألة العلم بالمنافس على مجرد العلم, بل أيضا تدق ناقوس التحذير من أن الشيطان عدو (أن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) (سورة فاطر الآية 6)وهذا تنبيه وتحذير, يقتضـي, وجوب المعاملة بالمثل, إذا أنقلب المنافس إلى عدو, فيجب التخلي عن قواعد المنافسة, ومعاملته على أساس العداوة, واتخاذه عدوا وليس منافسا. إن أخطر عدو على المنافس إبليس هم أهل العلم من بني البشر, وهو لا يعاملهم معاملة الناس العاديين, مع أنه لا أحد ينجو من إلقاء الشيطان في أفكاره. النصر للعلم الذي يؤدى إلى الإيمان لا أحد ينجو من إلقاء الشيطان في أمنيته, أي في أفكاره ونظرياته وآرائه ومبادئه ورسالته وأهدافه, إلا الرسل والأنبياء, حيث ينسخ الله ما يلقى الشيطان, ثم يحكم الله آياته (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقـى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم آياته والله عليم حكيم) (سورة الحج الآية 52). ولا سبيل أمام الناس من النجاة من هذا الإلقاء إلا بالعلم, والتعلم والإيمان والتقوى, عنـدئـذ يضمحل, ويذوى الاستعداد الفطري, تحت وطـأة العلم والتعلم والإيمان, وهو ما يمكن استخلاصه من الآيات اللاحقة التي تظهر نتيجة هذه المنافسة الشديدة, تظهر لنا أن الذين أوتوا العلم, يعلمون بأنه الحق من ربهم. إن الله خلق النظم جميعها, وسخرها للإنسان على أساس العلاقة التبادلية, والمقابل هو لينظر, كيف يعمل الإنسان؟ ليجتاز الإنسان, ويتخطـى الامتحان الرباني, فكان ابتلاء الناس واختبارهـم ثم فتنتهم بالنار, كما يفتن الذهب بالنار, ليعلم أيهم أحسن عملا والله يعلم أي من الناس أحسن عملا, (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) (سورة هود الآية 7) وهذه قاعدة لكل الناس, فالجميع يعمل, وفق ما أوتى من علم وخبرة, وفق عوامـل البيئة التي من حوله, وضمن شبكة العلاقـات, ووفق عوامل أخرى, ويتنافس منافسة شديدة, كمن يـدخل الامتحان والاختبار ليكون عمله أحسن الأعمال, فإذا انتقلت المنافسة إلـى مرحلة التصفيـات, يفتن المتسابقون بالعلم, فمن خبت, زاده الله علما في العلم, فيكون من الذين أوتوا العلم, ليصلوا إلى حقيقة علمية, أنه الحق من ربهم, فيؤمنون ليكونوا قـدوة لمن حولهم, فإذا استمرت المسابقة والمدافعة نحو العلم, يحاول الشيطان, أن يثير ما تم إلقاؤه في أمنية وفكر الإنسان, وهنا يصبح العالم أمام امتحان عسير, هل يصمد أمام ما تم إلقاؤه من الشيطان في أمنية العالم, وتلك الجرعات التي يتابع الشيطان إلقاءها في قلبـه, لتصبح زيغا وزيادة, ويصبح من الذين في قلوبهم زيغ ويتبعون ما تشابه من آيات القرآن, أي من النظم القرآنية المتشابهة, ابتغاء الفتنة, وابتغاء تأويله, أم يصمد وينسخ بالعلم جميع أماني ووعود الشيطان, ويصبح من الراسخين بالعلم, والذين يقولون (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة أنك أنت الوهاب) (سورة آل عمران الآية 8). نظم الحق ونظم الباطل لا شك أن المعـركـة بين الحق والباطل, الباطل الذي يقوم على الزيغ والظلم, وهو نقل شيء من مكانه الصحيح إلى مكان آخر, وهنا يبتعد الإنسان عن الصراط المستقيم, فيكون الظلم, ويلعب الشيطان وأتبعاه من الأنس والجن, دورا كبيرا في تزيين الظلم, وجعله أساسـا وأصلا, يحل محل استراتيجية الصراط المستقيم, فيصبح الاعوجاج والالتفات, ومقولة فرق تسد, استراتيجية تتبع لتحقيق الغايات, والأغراض الدنيوية من مال, وبنين, ومبان, وذهب, وفضة, وخيول وأنعام وحرث, وحتى لا يتعدى الظلم إلى الشرك, ويصبح الشرك, هو ظلم كبير, فمسألة, أن تشرك مع الله الها آخر, أي أنك, وضعت ندا أو الها في مكان لا يستحقه, وهذا هو الظلم, وهو اعتداء على الحق, لأن الحق يفترض أن يسأل التابع من واحد, فإذا تم مساءلته من اثنين, فهو ليس بتابع, والسفينة التي لها أكثر من قبطان معرضة للغرق, والعبد المملوك من قبل أكثر شخص فهو حر. نظم الظلم تأخذ نظم الظلم صورا ومجالات كثيرة, فان لم تصدق بمعاملاتك التجارية, وتزين بضاعتك وتنمقها, وتغلفها لتخفى عيوبها ظلم, وأن تستعمل وسائل إعلان ودعاية, لتصف صفات المنتجات الحسنة, وتخفى تأثيرها على البيئة, وعلى المستعمل ظلم, أن تجعل نصوص الضمانة والكفالة لبعض المنتجات, التي تتطلب ضمان وكفالة, مبهمة وغامضة ومجملة, لتتنصـل من أي مطالبة في المستقبل ظلم, أن تثير الاضطراب في الأسواق المالية, والتجارية بالشراء, والإغراق لتخريب الاقتصاد, ظلم, أن تأخذ مال ليس بمالك ظلم, ألا تعمـل ثماني ساعات بجد وإخلاص وأمانة, ظلم, ألا تدفع أجر المستخدم في المدة المتفق عليها ظلم, أن تكون قادرا على الدفع, وتماطل في دفـع ما عليك من ديون ومطالبات مستحقة ظلم, أن تنازع في حق, تعتقد أنه ليس بحق لك أو لا تملك وسيلة لإثباته, وتدلي به إلى القضاء لتأكل, فريقا من أموال الناس بالباطل ظلم, لأنك ظلمت نفسك, يوم لم تـأخذ, وسيلة إثبات, ولم تكتبه صغيرا كان أو كبيرا. ولا تقتصر نظم الظلم على الأفراد ومعاملاتهم, بل تتعدى إلى الأمم والدول والحكومات والشركات, فإن تغـزو أمة لأمم الأخرى بهدف استعمارها ظلم, أن يستبعد أحد نماذج العولمة, الدول والشعوب الأخرى, ظلم, أن تسيطر السبعة الكبار, على الدول الأخرى وتقوم باستنزاف مواردها الطبيعية والبشرية, وإعادة تلك المـوارد بصورة منتجات وسلع, وبوسائل إعلان مثيرة وبأسعار باهظة, ظلم, أن يقـوم نظـام معين بضرب وبنسف مصانع أدوية أو مواقع أخرى, لمجـرد مزاعـم لدعـم اتجاه معين ظلم, والحق, هو ألا نـزر وازرة وزر أخرى, والحق أن يقـوم هؤلاء الناس باستخدام مواردهم الطبيعية والبشرية, واستغلالهـا وتطويرها وتصنيعها وتسويقها, بالطرق والوسائل التي تتفق وميزانياتهم وأذواقهم وسلوكهم وحياتهم. لقد تم تصوير الظلم على أنه عدل, وأنه أصل وأساس, وكان ذلك نتيجـة تكرار ممارسة الظلم, وتصويره وتزيينه للناس على أنه أصل وأساس, وعرضه وتسويقه عن طريق الإعلان والدعاية, والجامعات والمدارس والمجلات والصحـف, والرياضة, وجميع طرق الاتصال, أضف إلى ذلك, إن خلجات وملقيات وأماني الشيطان, التي زينت للناس, فأصبح الظلم في أعين الناس ليس بظلم, وأصبح الظلم قاعدة يمارس يوميا, وأصبحت حياة الإنسان مضطربة وقلقة, ولا أمن فيها ولا سلامة, الأخ لا يسلم من أخيه, والأب لا يسلم من ابنه, وأصبحت الجريمة متزايدة, والقيم في الحضيض, والناس تصفق, والنخبة تهتف وتبارك وتقدس ثالوث السلطة والمال والكهانة, فالقـوي أو من تفرعن, أصبح فرعونا, ومن تهيمن أصبح هامانـا, ومن تقرن بالذهب والأساور والسلاسل والأموال, أصبح قارونا, وأصبحوا هم القدوة لمن حولهم ولمن دونهم. بالرغم من ذلك, لا بد من وجود قلة قليلة, تمثل صوت الحق, فإذا على صوت الحق من القلة القليلة, من الذين أوتوا العلم, والإيمان, والراسخون في العلم, والذين ينهون عن الفساد في الأرض, ويأمرون بالمعروف, أعتبر ذلك العلو اعتداء على الحق, ويسطي عليهم ذيول الباطل, فتصبح المعركة بين حق وباطل, حق لا تدعمه إلا قلة قليلة, وباطل أصبح حقا مزيفا بأعين أكثر الناس, ويبقى الطرف الضعيف, هو الخاسر في كل الأحوال, والطرف القوى هو الرابح, على الأقل في الحياة الدنيا ولأجل مسمى, ولكن أليس المؤمن القوى خير من الضعيف, وأن القوة لله جميعا, ومن كان مع الله-عز وجل- فإن شيئا من تلك القوة الإلهية هي حسبة, وحتى يتمتع الإنسان بشيء من القوة لا بد من نظم العدالة. نظم العدالة تبقى نظم العدالة بين المؤمنين, والتي يجب أن ترتكز على أن, القوامة لله-سبحانه وتعالى- والحكم والفصل لكتابة وسنة رسوله, وألا يؤثر على الأحكام, أي تدخل لأي إنسان في مجرى العدالة, وهى الاستقلالية التامة للقضاء (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسـط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ان الله خبير بما تعملون) (سورة المائدة الآية 8). إذا تمتع الإنسان باستقلال رأيه وقضائه, ولم يخفه التدخل والعدوان, فإنه يرتقي إلى أن يقضي الإنسان بقضائه وشهادته ولو على نفسه. الحكم بالعدل ولو على النفس إن الحكم بين الناس, بغض النظر عن ملتهم ودينهم والقانون الذي يطبق, فالحكم يجب أن يكون بالعدل, دون الالتفات إلى أي عوامل أخرى, سوى ما يقدم من بينـات وقانون يطبق, فإن كان القانون لا يستقيم والعدل المنشود, فيجب على القضـاء, أن يتجاوزه ويجتهد (وإن حكمت فأحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين) سورة المائدة الآية 42 وتتواصل نظم العدالة إلى العدل المطلق, الذي يتجرد من كل القيود, حتى قيد النفس والقرابة, بما في ذلك الوالديـن والأقـارب والأغنياء والفقراء, وتلك مسألة وحدها يجب علينا عندما نصل إليها, أن نقول بأن هناك عدالة في الأرض. (يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء للـه ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين أن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فـلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وأن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا) (سورة النساء الآية 135). لقد سقط في يد القضاء عند ما إرتكن وراء السلطة التقديرية المطلقة, وعلى المحاكم-بالوقت الحاضر- أن تكف عن القول, بأن لها سلطة تقديرية, وأن تلتزم بالنظم الربانية الخاصة بالعدل والحق, وإلا فإن السلطة التقديرية التي تقول بها, تصبح سلطة تحكمية, وفيها اعتداء على النظم الربانية, وبشكل خاص مسألة التفريق بين الواقع والقانون, وحجب الأمور الواقعية على محكمة التمييز أو النقض. عولمة الفسق والفاحشة إن زيادة سرعة الاتصالات والقنوات الفضائية والإنترنت, وغيرها من أدوات العولمة, تبرز ظواهر ما كان لها أن تبرز, وظاهرة عولمة الفسق والفاحشة ونزعة التعري وإبراز المفاتن, يجب أن ترشد لأنها أصبحت تأخذ مظهر التعميم, فمنذ اعتراف ديانا وتشارلز أمام الملايين على شاشات التلفزيون, بالخيانة الزوجية والزنا, والعلاقات المحرمة, وإلى اتهام نتانياهو بالخيانة الزوجية, ثم كلينتون وعلاقته الخاطئة, وتوقف الأمر بالمعروف والنهي عـن المنكر, وانقسام وسائل الأعلام بالتعليقات, فمنهم من يعتبرها شجاعة, كما في الاعتراف بالخطأ, ومن بينهم ينادي بالاستقالـة كالجمهوريين, ومنهم من هو صامت كالديمقراطيين, والصحافة الأوروبية, التي تشعر بالحرج إزاء بقعة أمريكا, كدولة يدعى فيها للازدواجية الخلقية, والنفاق, والسفه, وازدواجية على السياسة, ووسائل الإعلام لسنوات طويلـة, وهذا لا يجعلها رجل شرطة, يعتد به على مستوى الدولة, حتى أن الصحافـة الألمانية, اعتبرت أن منصب الرئاسة الأمريكية أصبح ملطخا بالوحل, وأن بل كلينتون فقد مصداقيته, وإلى أي مدى يمكن أن يلتزم, أي الرئيس الأمريكي بالحقيقة, وأما اليابان, فتعتبر ذلك شأنا داخليا, والبعض الأخر من الصحافة الأمريكية التي اكتفت بنعته بالكذب, ماذا يعني كل هذا؟ هل نعتبره شيئا عاديا؟ أين القلة القليلة من صوت الحق؟ بالنسبة لنا نحن العرب, فتعليقنا على ذلك, لا يعدو أن يكون نوعا من أنواع ثقافة النقل والتحويل والتعليق, فمنا من يقول: بأنها مرحلة من مراحل بروتوكولات حكماء صهيـون, ومنا من يقول: بأنها مؤامرة لصالح إسرائيل! إن الخطورة في هذه الظاهرة, هي في عولمتها بوسائل الإعلان, وتمريرها كأنها مسألة عادية, وإن العلاقات المحرمة والأفعال الخاطئة, مسموح بها, في حين لو أن الحكم كان بما أنزل في الكتاب, لانحسـرت هذه الظاهرة وتوقفت, ولم يصبح الفساد يمارس بشكل علني, كحال قوم لـوط, حيث كان مصيرهم التدمير والحجارة المسومة ثم الخسف, ولأنهم عولموا اللواط والفاحشة فكانوا أهوى. أضف إلى ذلك, أن الأنموذج الأمريكي, أصبح أنموذجا مغرورا, ويعتقد بأنه لا حدود لقوته, فعلى أثر الفضيحة والاعتراف تقوم الطائرات الأمريكية بقصف السودان وأفغانستان, وبدون دليل على اشتراكهما ببعض التفجيرات, وكأنه أصبح هذا النظام أو الأنموذج كفرعون الذي اعتقد بأنه لا يوجد إله غيره وأنه هو الرب الأعلى (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري) (سورة القصص: الآية 38). ما من شك أن النموذج الأمريكي, يقوم بالتعامل الفوقي مع المجتمع الدولي, وأن هذا التعامل يولد شعـورا بالعجز والإذلال, مما يساهم في إشاعة جو من الاستياء والاندفاع نحو تأكيـد استقلالية الإرادة, حيث نتج عن ذلك, تناقض بين تيار الواقعية, المستـاء من تصرفات وممارسات النظام الأمريكي, وتيار البرجماتية المستلم للإدارة الأمريكية, حيث يترجم هذا التناقض في بعض الأحيان إلى حروب أهلية فكرية وسياسية, وكثيرا ما تتحول إلى موجة ويصل الأستاذ/ مقصود في النتيجة, وهو يعلق على ما حدث من عمليات انتقامية على السودان وأفغانستان (بأن تلك العمليات تعبر عن فكر سياسي منفتح وديمقراطي أثناء الحرب الباردة, تحول اليوم إلى استغناء, بألا حدود لقوته, وألا مجال لنقده أو معارضته, ويقول: أن الواقعيين, يرون أنه قدر ومصير, والمعارض يجب أن يتكيف معه, والذيـن استشعروا الذل انفجروا بوجه الدولة العظمى الوحيدة, فكان الإرهاب عنفا يقمع, وعنفا عابثا متهورا, ويتساءل في آخر المقالة, هل كل هذا نتيجة لفوضى العولمة أو بدء عولمة الفوضى؟ (كلوفيس مقصود 1989). تشابه أدوات تغيير النظم المقروءة والنظم المنظورة علـى العموم, فإن ما سبق يمثل لنا فرصة, وما علينا, إلا أن نقفز بخطوات واثقـة, ليتبلور الأنموذج الرباني, ويحقق المضارب أهدافـه, والذي يجب أن يسود في القرن الحادي والعشرين, لكونه النموذج الرباني, وما على مضاربنا أو مضاربتنـا, إلا أن يعمل على ضوء الرؤية التي تم بحثها في هذا الكتاب, وذلك بعمل استراتيجية ورؤية للنهوض والاعتماد على الذات, ومباشرة أي عمل تجاري وغير تجاري فيه تجديد وابتكار ضمن جزئية أو شريحة سوقية معينة, وضمن مفهوم نظرية المضاربة بـالإدارة, والتي تكفي, إذا ما تم تبنيها كنظام من النظم المقروءة في القـرآن والتي تعكس النظـم المنظـورة وغير المنظورة في الكون, أو تم تبني أي نظرية أو طريقة أو أسلـوب آخر له أصل في النظم المقروءة المهم, ألا نتوقف, إذا فرغنا من مهمة, فلنباشر بمهمة جديدة, أصعب وأتعب من السابقـة, وهـذا ما يأمرنا به الله, أولا نقرأ الآية الكريمة (فـإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب) [سورة الشرح 94: الآية 7و8 أي إذا فرغت من عمل, قم بعمل أصعب من السابق وأتعب, ولكن ضمن المحافظة على النظم الكونية من خلال النظم القرآنية, وألا نكون كالذين أتـوا الكتاب من قبل, فطال عليهم الأمد, فقست قلوبهم, وأخذوا بتحريف النظم المكتوبة بالتوراة والإنجيل, والنظم الكونية والأيكولوجية, والنظم الأخلاقية, فأصبح الحـال على ما هو عليه, وسنلاحظ أيضا مدى التوافق بين الأدوات, التي يتم بموجبها تغيير نظم الكون عن مسارها, وفلكها الذي رسمه ووضعه الخالق, وما بين النظم التي احتواها الكتاب المصدق لما بين يديه (الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم, نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان) [سورة آل عمران: الآيات1و2و3و4). تلك الكتب السماوية, التي لم يتعهد رب العزة بحفظها وصونها, بالرغم مما تحمله من نظم, تعكس النظم الموجودة بالكون, إلا أنها تعرضت لتغييرات كثيرة, وانعكس ذلك التغيير في تلك الكتب على التغيير في النظم الكونية. يترتب على هذا المسخ والتناسخ والتغيير لخلق الله, الناتج عن اتبـاع الإنسان للشيطان وأمانيه, الخسارة التي لا شك فيها. قد لا نفهم مسألة الاعتداء على نظم الاختلاف والتنوع, إلا إذا فهمنا العلاقة بين النظم بكل أشكالها وصورها, فعلاقة النظم مع بعضها البعض, وتأثيرها على ما يتصل بها من نظم, واتصالها في الناظوم الكلي, أي الذي يشمل كل النظم الرئيسية والفرعية والجزئية, فهو أشبه ما يكون بجسد الإنسان على اعتبار, أنه الناظوم الذي تتألف منه جميع النظم, بالعودة إلى العلاقة بين النظم الداخلية في الناظوم, فإن العلاقة تتصل بالنقاط أو المفاصل التي تلتقي فيها مع النظم الأخرى, وهى أشبه ما تكون بالمفاصل في جسد الإنسان, فإذا أردنا أن نعرف عمل كل نقطة التقاء, وتداخل ما بين النظم, فعلينا أن نعرف عمل المفصل في جسد الإنسان, وكيف يوفر هذا المفصل الحركة, والانسياب والمرونة لعضوين متصلين مع بعضهما البعض, وما ينقله من مدخلات, وما يحصل به من معالجات, وما يخرج منه مخرجات من تغذية راجعة أو خلفية, ولإدراك أهمية علاقة النظم مع بعضها البعض, لنتصور أن أحد مفاصل الإنسان, إصابة ضرر أو تلف, ومدى تأثير ذلك على العضويـن, اللذين يجمع بينهما ذلك المفصل, ومدى تأثير ذلك على الناظوم ككل, فإذا كنا نعرف, بأن جسد الإنسان يتكون من ثلاثمائة وستين مفصلا, فمعنى ذلك أننا أمام ثلاثمائة نقطة التقاء, وعلاقة خاصة بالنظم مع بعضها البعض فقط. ولو قمنا بتوسيع النظرة النظمية, لتشمل نظما أكثر, فلنتصور الكون كناظوم, مطوي بيمين الخالق أو بقبضته, ونتصور العدد اللامتناهي للأنظمة الكلية والرئيسية والفرعية, ونقاط الالتقاء بين جميع هذه النظم, والتي تشبه مفاصل الإنسان. لو تركنا النظم النازلة والهابطة, من جاذبية ونيازك وملائكة وأوامـر ونواه وغيرها, والنظم الصاعـدة من أبخرة النيران, ومن تسبيح المخلوقات, ونظم دعاء وصلوات الإنسان, والكلام الطيب الذي يرفعه الخالق إليه وغير ذلك وهبطنا على الأرض, ورأينا نظم الاختلاف والتنوع, بكل بيئة وأيكولوجية, وحاولنا الإخلال, بإحدى هذه النظم أو قمنا برفع نظام, وإظهاره عن سطح الأرض أو وضعه في مكان غير مكانه الصحيح, وهو الظلم, فماذا سيحصل؟ لاشك أن أحد المفاصل أو العقد التي يتقاطع عندها نظام مع نظام سوف يصيبه الخلل يؤدي كل من الخلل وعدم التوازن إلى الضرر والتلف والفساد في النظامين اللذين يلتقيان عند هذه النقطة أو ذاك المفصل, ولكن هذا الخلل والانهيار والفساد, يمتد ليشمل النظام الفرعي, الذي يدخل في إطاره النظامين, وبعد أن يصيب الفساد والخلل النظام الفرعي, يتسلل الخلل والفساد إلى النظام الرئيسي, الذي يكون النظام الفرعي جزءا منه, ومن النظام الرئيسي, يتسلل إلى النظام الكلي, وسلسلة العدوى والتأثير غير متناهية, إلا إذا افترضنا أن الناظوم الكوني جميعه له نهاية, وهذا افتراض, تبعده الآية الكريمة عن مساق التفكير النظمي (والسماء بنيناها بأييد وأنا لموسوعون) [سورة الذاريات: الآية ,47 فالناظوم غير متناه, وبقدر مـا تستطيع أن تكشف منه, وأن تلاحق حدوده وتماسه بقدر ما تطول المسافة أمامك, وتتوسع وتتمدد أو تنتفخ, لأنه يتوسع بموجب النظم التي أبدعها الله خالق داخل الناظوم, ونظمه الرئيسية والفرعية, والتفاعلات والعلاقات المتفاعلة وغيرها. لو تركنا الناظوم جانبا, وعدنا إلى الأنظمة السفلية في الأرض, وتابعنا سلسلة الخـلل في النواظيم, وكيفية تسللها إلى الأنظمة الأخرى, فسوف نرى عجب العجاب, ولتقريب ذلك, سنستعين بمثال حي نراه بأعيننا ونتابع أخباره يوميا, ويشغل بال كل الاقتصاديين والعولميين وغيرهم, لقد بدأ الخلل بأيدي المنافسين, والذين تحولوا إلى أعداء, واستعملوا ذلك اليهودي سوريس في نهاية التسعينات من القرن العشرين, فأحدث خللا بأحد المفاصل التي تنظم أعمال الأنظمة, فكان عدم التوازن والخلل والمأساة في إحدى الأنظمة الفرعية, لنقول على سبيل المثال تايلاند, ثم أنتقل إلى الأنظمة الفرعية أندونيسيا, وماليزيا وسنغافورة والفلبين كنظام رئيس, ثم أنتقل ليشمل النظام الكلي ويشمل كوريا واليابان وهونج كونج والصين, فأصبح الخلل والأذى والضرر بالنظام الكلي. لكن هل توقف الخلل في النظم عند هذا الحد, طبعا لا, فلقد تسلل إلى روسيا وأصبح يصيب مقطعا كبيرا من النظام السفلي الأرضي, وهذا المقطع سيؤثر على غيره في الجسد ككل, فامتد إلى المكسيك, وأمريكا اللاتينية, وامتد بعد ذلك إلى الرأس المالي والعلمي, أي النظام الكلي في أمريكا, فكان ما كان من إصابة نظم بورصات المال والأسهم في أمريكا, حتى أصبحت أسواق المال ''كازينو عالمي'' لتبث سلسلة الانهيارات والهبوط, والمآسي التي تصيب في النتيجة, نظم الإنسان, والذي سخر الله-سبحانه وتعالى- من أجله كل ما في الناظوم من نظم, وكل ذلك لأن الإنسان نفسه, يحـاول أن يعبث ويغير بنظام من نظم الملكية, لأن هذه البورصات, تدرج أسهم الشركات المساهمة للتداول, وهذه الشركات مملوكة لصناديق الترست, والاستثمار, والخدمات المالية بشكل عام, وأصبحت ملكية هذه الصناديق تمثل نسبة 40% من مجموع الملكية في العالم, وتساهم في الشركات الكبيرة بنسبة 60%, وهو ما يعني أن هناك عبثا بنظام الملك الذي أخرج آدم من الجنة, فالتوزيع للثروة والملك نظام من النظم الربانية التي سبقت كلمة الله بها, وهى لا للعولمـة, ونعم للاختلاف والتنوع والمنافسة والمدافعة والتوزيع العادل, والإنفاق حسب النظم الربانية, وعلينا أن نعمل ضمن النظم, وبالحد الأدنى المسموح به, والذي بينته الملة والثقافية الإبراهيمية, وأي شيء خلافها, فإنه اعتداء من الإنسان على تلك النظم, ظنا على أنه قادر على أن يتحكم بالنظم, ويتحدى الخالق بسيطرته على النظم, والله سبحانه, يحذرنا من ذلك في القرآن (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها, أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيـدا كأن لم تغني بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) (سورة يونس: الآية 24), وهو ما يعنى أن استغلال الإنسان لعطاء الله في المشاركة العلمية, وتحول هذه المشاركة التفضيلية, والتكريمية إلى سلطة تحكمية, وسيطرة على النظم, حتى لو كانت نظما سفلية في الأرض, فأمر الله قادم بالنهاية لا محالة. نظم الاستخلاف والتمكين في الأرض يؤدي هـذا الإخلال بالنظم الربانية, ومنها نظام الثروة والملكية سواء كان بالنظم المسطورة في الكتاب أو بالنظم التي هي انعكاس لنظم الكتاب والمنظورة في البيئة والكون, يؤدي بالعولمة ونماذجها, وبتلك الكائنـات والشركات المتعددة الجنسيات, بالانتقال من بيئة إلى أخرى, ومن مكان إلى آخر, ومن سوق إلى آخر, ناشرة ليس الفساد المنظم والجريمة, وغسيل الأموال والرق الأبيض والذي تمثل نسبته ما يعادل 20% من تجارة العالم, بل وناقلة أيضا الأمراض والطفيليات والجراثيم من بيئة إلى أخرى, والتي يحتمل أن تكون الكائنات والأحياء الأخرى بما فيها الإنسان في بيئتها, قد أصبح عندها مناعة ضدها, وحينما تنتقل معهم إلى بيئة أخرى, حيث لا يكون لدى الكائنات الحية, وسكان تلك البيئة مناعة ضدها, سواء كانت للحيوان أو النبات أو الإنسـان, وأي شخص مدرك للأمور, سيرى أن نتائج العولمة المؤثرة على الصحة الخاصة بالإنسان, تتكرس بأمراض ثلاثة, لا يكاد ينجو منها أحد, وهي السمنة والحساسية والسكر, وكل ذلك بفعل العولمة.