لاشك في أن ظاهرة عمالة الأطفال من الظواهر التي تعكس سوء استخدام السلطة في العديد من النواحي. فهذه الظاهرة ما هي إلا استغلال للصغير والضعيف من قبل الكبار من أجل مصلحتهم الشخصية. إذ إن عمالة الطفل تعتبر أكبر فشل يمكن أن يصيب جهود التنمية, فإضافة إلى الكارثة المتمثلة في وجود مليار وثلثمائة شخص يعيشون في فقر مدقع في مختلف أرجاء العالم تمثل عمالة الطفل الجانب المظلم من الاقتصاد العالمي. فهل التخلص من هذه الظاهرة في مختلف أنحاء العالم يعتبر حلما بعيد المنال؟ الإجابة أن هذا لا يعتبر حلما بعيد المنال أو يستحيل حدوثه, ولا يجب بأية حال من الأحوال أن يكون كذلك. وفي هذا النطاق يجب أن تشترك جميع فئات المجتمع الدولي في تحقيق هذا الحلم, لاسيما إذا كانت هذه الظاهرة تؤثر سلبيا على توافر فرص العمل أمام الكبار, وأمام آباء هؤلاء الأطفال أنفسهم! فنحن جميعا نريد أن نرى الآباء في عملهم والأطفال في مدارسهم. ومن أجل تحقيق هذا الهدف, يجب أن نبدأ بفهم مشكلات هؤلاء الأطفال في كل مجتمع, والمشكلات التي أدت بعوائلهم إلى السماح لهم بالعمل في هذه السن, وطبيعة المجتمع الذي دفعهم إلى هذه الطريق. وتفخر منظمة العمل الدولية بأن البرنامج الدولي لمكافحة عمالة الطفل يأتي في صلب هذه القضية, ومن خلاله تعمل المنظمة على التعاون مع الحكومات وأصحاب العمل واتحادات العمال والمنظمات الأهلية, وغيرها من المنظمات الدولية المعنية بالقضية, لاسيما اليونيسيف. وفي خلال الثماني سنوات الأخيرة, تلقى هذا البرنامج دعما مما يناهز 90 دولة من مختلف أنحاء العالم, وهو الأمر الذي شكل تحالفا كبيرا دفع بالقضية إلى بؤرة الاهتمام العالمي, وجعلها تتحول إلى قضية عالمية. فبعد أن كان البرنامج يحظى بدعم مالي من دولة واحدة فقط, هي ألمانيا, إلى جانب الدول الست المشاركة في البرنامج عند بدايته العام ,1992 أصبح لدينا الآن أكثر من 20 دولة مانحة وأكثر من 65 دولة مشاركة في البرنامج من مختلف أرجاء العالم, وتأتي الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الآونة لتقدم دعما كبيرا للبرنامج, وهي تمثل الآن أكبر ممول له. ولاشك أن مثل هذه البرامج وغيرها من المشروعات الميدانية في هذا الخصوص تعتبر حيوية لعلاج المشكلة, إلا أنها في الوقت نفسه لا تعتبر كافية لإيجاد الحلول الجذرية اللازمة. فوحدها لن تستطيع هذه المبادرات أن تتخلص من عمالة الطفل, ومع ذلك فهذه البرامج تعطي دليلا على أن الأطفال يمكن حمايتهم من ظروف العمل المتدهورة التي يعيشون تحتها, وأنه يمكن إعادة تأهيلهم والعناية بهم. إلا أن هذه البرامج يجب أن يصاحبها دعوة عالمية ضد عمالة الطفل, وأن تركز هذه الدعوة على أسوأ أشكال هذه الظاهرة, وأن يكون هدف هذه الدعوة تحويل هذه الظاهرة من واقع لا يمكن تحديه أو تغييره, إلى أمر غير مقبول بسبب ما يمثله من ضرر بالغ وسوء استخدام السلطة. فهذه الدعوة يجب أن تأخذ شكل حملة توجد مناخا من الغضب والثورة ضد عمالة الطفل, لكونها ظاهرة غير أخلاقية وغير مريحة وغير مربحة, وهو الأمر الذي في النهاية سيجعل من المستحيل استمرار هؤلاء الذين يستغلون الأطفال على نهجهم المخالف للقواعد الأخلاقية والصالح العام. وفي الوقت نفسه يجب أن تكون هناك فرص وآفاق للتنمية المستدامة, حتى تكون هناك بدائل حقيقية للأطفال وعوائلهم يتسنى لهم من خلالها مواجهة أخطار الفقر والعزلة. ففي أغلب الأحيان يكون الأجر الذي يحصل عليه الطفل من عمله هو المورد الوحيد الذي تعيش منه عائلته. وقد أثبتت التجارب في هذا الشأن أن (التعليم للجميع) أمر في غاية الأهمية والحسم, فوصفة العلاج في هذه القضية تتمثل في توافر المدارس للعدد الأكبر من الأطفال, وتوفير فرص العمل المناسبة أمام الآباء, إلى جانب توافر الدعم المناسب من قبل المجتمع الدولي. وإذا كانت لدينا الإرادة لتوفير هذه الأدوات, فإنه سيكون بوسعنا أن نضع نهاية لظاهرة عمالة الطفل في فترة لا تتجاوز عمر أطفال اليوم. وحقيقة الأمر هي أننا على علم بنوعية السياسات التي نحتاجها للوصول إلى حل, ولكننا الآن نحن في حاجة إلى شحذ الإرادة السياسية حتى يمكننا تحقيق الهدف. ولاشك في أننا نحقق تقدما في هذا الشأن. فمنذ عام مضى تبنى بالإجماع مندوبون عن الدول الأعضاء في منظمة العمل الدولية, من حكومات وأصحاب عمل وعمال, ميثاقا جديدا حول التخلص من أسوأ أشكال عمالة الطفل وتتضمن هذه الأشكال العمل الإجباري للأطفال, واستغلالهم جنسيا, واستغلالهم في نشاطات غير قانونية, وعملهم في ظروف ضارة بصحتهم وظروف نموهم وتنميتهم. وقد أكدت الحكومات الموقعة على هذا الميثاق التزامها بالقيام بأعمال فورية من أجل حماية الأطفال من هذه (الكوارث) , وإعادة التأهيل المناسب لهم ولمستقبلهم ولعوائلهم, حتى يتسنى لهم تلافي الأضرار التي يمكن أن تنجم عن انغماسهم في هذه الأعمال, سواء على المدى القصير أو البعيد, وهو الأمر الذي يشكل خطرا داهما على الاقتصاد العالمي ككل. واليوم نجد أن خمس عشرة دولة, منها الولايات المتحدة الأميركية, قد قامت بالتوقيع فعليا على هذا الميثاق, وهناك تقارير ومعلومات تشير إلى أن عددا أكبر من هذا في طريقه إلى التوقيع على الميثاق قريبا جدا. وفي هذا الصدد لا تألو منظمة العمل الدولية أي جهد في سبيل توسيع قاعدة المشاركين في هذا الميثاق المهم, الذي من شأنه إحداث نقلة نوعية في طريقة حل مشكلة عمالة الطفل. وقد أثبتت المعلومات أن هذا الميثاق سيكون أسرع وثيقة يتم توثيقها في تاريخ منظمة العمل الدولية بشكل عام. ولقد شهد العام الماضي توقيع الرئيس الأميركي بيل كلينتون على وثائق الميثاق, وهو الأمر الذي يعكس مدى التزام الولايات المتحدة الأميركية ورعايتها للميثاق, سواء من قبل الحكومة أو الكونجرس. إلا أننا في حاجة إلى أكثر من توقيع الميثاق وإبرامه, فهذا الميثاق يتيح فرصا جديدة ويفتح آفاقا جديدة وواسعة, ويعد بمثابة نقطة الانطلاق لمرحلة جديدة في الحملة العالمية ضد ظاهرة عمالة الأطفال في العالم. فهذا الميثاق يعبر عن الإرادة العالمية في التركيز على أسوأ أشكال هذه الظاهرة الخطيرة, فالمجتمعات ـ وعلى نحو متزايد ـ أصبحت مستعدة لتحمل المسؤولية والمشاركة في تحديد مصير أطفالها. فالأمر يتطلب أن تتحد السياسات القومية مع التعاون الدولي في صيغة شاملة وبرامج محددة الوقت, من أجل هدف التخلص من أسوأ أشكال ظاهرة عمالة الطفل. وسيتم تقديم كل الدعم الفني والمالي اللازم لكل تلك الدول التي ستتحرك في هذا الاتجاه. وفي هذا الصدد لابد من تأكيد أن منظمة العمل الدولية لن تدخر جهدا حتى يتحقق هذا الهدف, فهذا الجيل من المسؤولين والقادة يمكنه أن يضيف إنجازا جديدا للبشرية يتمثل في التخلص من استعباد واستغلال الأطفال, وهو أمر بالطبع لا يخلو من الصعوبة, ولكنه في الوقت نفسه ليس مستحيلا. خوان سومافيا ـ مدير عام منظمة العمل الدولية