هل تصدق ان 90% من الوظائف المكتبية في الولايات المتحدة سوف تختفي او تتغير تماما خلال 10 ـ 15 عاما مقبلة؟ هذا التوقع يعتبر امرا مدمراً في ضوء ان 90% من العاملين الآن يشغلون وظائف مكتبية بشكل او بآخر حتى غالبية الوظائف في الصناعات التحويلية هذه الايام, مرتبطة بخدمات يؤديها موظفون مكتبيون في مجالات مثل التمويل والموارد البشرية والهندسة. وعندما تحدث احد الخبراء في العمالة عن ذكريات سابقة, قال ان نحو 108 عمال قاموا بافراغ سفينة من حمولتها عام 1970. ثم جاء عصر الحاويات, وعندئذ قام بافراغ حمولة السفينة ثمانية عمال فقط. هذا يعني انخفاض بنسبة 98.5% في ايام العمل بالنسبة للعاملين, لأن العدد السابق استغرق خمسة ايام لتنفيذ المهمة, بينما استغرق الثمانية رجال يوما واحدا فقط. هذه المرة اعادة الهيكلة سوف تطال الوظائف المكتبية وتعيد هيكلتها بنفس الطريقة. الحقيقة ان حركة خماسية العناصر سوف تسرع بهذا التغير المتوقع بنسبة 90% خلال 10 اعوام. أولا: هناك عنصر المنافسة الشديدة المدمرة في شركات التكنولوجيا الفائقة والتجارة الالكترونية. من المؤكد ان ضحايا كثيرين سيسقطون في هذه المنافسة. لكن الذين يظلون على المسرح سوف يمارسون ضغوطا كبيرة وسريعة على اصحاب المناصب. مثلا شركة مثل هيلتيون وبي. إم. دي تنوي تحقيق عشرات المليارات من الدولارات المهددة من نظام الدعاية الصحية. وكل ما تؤدي اليه هذه الشركات هو ثورة حقيقية في المجال الذي تعمل به. ثانيا: برمجيات الشركات, هو اسم الادوات التي تسيطر على كل جانب من جوانب الأعمال والتجارة من العمالة الى الانتاج الى المبيعات الى المحاسبة, ثم تربط كل الاطراف التي تشمل الموردين وموردي الموردين وتجار الجملة والتجزئة ثم المستهلكين الكابوس الحقيقي للوظائف المكتبية هو هذه البرمجيات التي تمثل انسانا آليا يقوم بالوظيفة. سوف يكون تأثير هذا الانسان الآلي على كل جوانب الأعمال والتجارة هو تأثير اوناش الشركة والحاويات على عمال الميناء من عام 1960. لكن تثبيت هذه الادوات ليس سهلا فالجانب الفني صعب والجانب السياسي اكثر صعوبة. عندما بدأ استخدام الانسان الآلي, اثارت النقابات العمالية عواصف رهيبة, هذه المرة سوف يثير هذه العواصف بيروقراطيو الادارة. لكن لماذا يفعلون ذلك؟ لأن هذه البرمجيات, أو الانسان الآلي الجديد يهدد مكانتهم ووظائفهم, التي تكونت بعناية وبراعة عبر عدة اجيال. لكن البرمجيات وصلت بالفعل, وانتصرت في النهاية. ثالثا: الانتاج لصالح الغير, حيث يقول احد خبراء شركات الحواسيب الآلية ان الهند تستطيع زيادة اجمالي الناتج المحلي لها بمقدار تريليون دولار خلال الاعوام القليلة المقبلة عن طريق توفير بديل الوظائف المكتبية لصالح الشركات الغربية. وافترض الخبير ان نحو 50 مليون وظيفة من الوظائف المكتبية في الغرب قد تذهب الى الهند, التي فاق سكانها مليار نسمة من فترة بسيطة. ويصل متوسط الراتب الشهري لهذه الوظائف التي يشغلها الهنود 20 الف دولار سنويا لكل منها. رابعا: الشبكة الرقمية, فقد اعلنت شركتا جنرال موتورز وديملر كرايزلر للسيارات عن ربط عشرات الآلاف من الموردين لهما في شبكة واحدة على الانترنت. يشمل هذا الكيان منتجات قيمتها نحو 250 مليار دولار سنويا, وقد تصل الى 500 مليار باضافة منتجات الموردين للموردين. باختصار كل خردلة كانت تهدر سوف تدخل في نظام المشتراوات الجديدة, وسوف تكون دورة امر الشراء سريعة لدرجة مذهلة. وتهدف شركة ميديباي الى تنفيذ نفس الفكرة في مجالات الامدادات الطبية. هذا هو عالم التجارة الالكترونية بين الشركات, الذي سوف يصل حجم تجارته الى تريليونات التريليونات من الدولارات. خامسا: ضغط الوقت. لقد استغرق الراديو 37 عاما حتى ينتشر في 50 مليون منزل. لكن الشبكة الرقمية وصلت الى هذا العدد من المنازل خلال اربع سنوات فقط لذلك يعتقد المراقبون ان احداث ثورة في ممارسات الوظائف المكتبية استغرق قرنا من الزمان, لكن الثورة الجديدة في نفس نظام الوظائف المكتبية سوف تستغرق عشر سنوات فقط. الحقيقة ان هذه العناصر الخمسة هي حقائق, وليست افتراضات وكل منها يؤثر في الآخرين بشكل متعدد الجهات والجوانب لذلك يرى المراقبون ان الثورة على قاب قوسين او ادنى لكن هذه العناصر في نفس الوقت تزيد من درجة التحرر لقد استحوذ الانسان الآلي في العمالة اليدوية على الوظائف في المصنع والمخزن ورصيف الميناء. وسوف يحدث نفس الشيء بالنسبة للبرمجيات في مجال الوظائف المكتبية. كما كان العمل في خط انتاج الصلب ليس نزهة في عام 1946, فإن تمرير الاوراق داخل برج اداري ليس متعة كبيرة ايضا. لقد قال احد الذين يقومون بهذه الوظيفة طوال 41 عاما ان الوظيفة المكتبية هي نوع من العبودية. ان التغيرات التي تصيب العالم في الفترة الحالية اكبر من التغيرات التي وقعت على مدى مئات بل آلاف السنين الماضية لقد وقع تغيير كبير منذ بدأ انسان الكهف يمارس المقايضة. اهم الوظائف الجديدة المتوقعة من كان يتوقع من عشر سنوات ان مصمم مواقع على الانترنت سوف تكون وظيفة مهمة ومن اهم الوظائف في عام 2000 بالطبع لم يكن احد يتصور ذلك. مهندس انسجة لذلك من المتوقع مثلا خلال الاعوام المقبلة ان يكون هناك مهندس انسجة بشرية. الآن يباع في الاسواق جلد صناعي وكذلك غضاريف ومفاصل صناعية تستخدم في استبدال هذه الاجزاء البشرية التالفة. وبعد 25 عاما من الآن يتوقع العلماء ان يقوموا بزرع بنكرياس او كبد او امعاء او تمدد داخل حيوانات قبل اعادة استخدامها وزرعها للبشر الذين يحتاجون الى قطع غيار بشرية. ولابد ان يقوم مهندس الانسجة بتصميم هذه الاعضاء الجديدة. مبرمج مورثات يتوقع العلماء ايضا ان يكون هناك من يقوم بوظيفة مهندس جينات (مورثات) فسوف تسمح الخرائط الوراثية البشرية للفنيين في المعامل بايجاد مورثات تفصيل وتغيير جينات الافراد عن طريق جينات او مورثات جديدة مصممة بالحاسب الآلي خصيصا حسب طلب العميل. هؤلاء هم مبرمجو المورثات البشرية. يقوم هؤلاء بمسح الحامض النووي لدى البشر ويخلصونه من اي عيوب باستخدام علاج جيني ويضيفون جزئيات ذكية لمنع انتشار مجموعة من الامراض وهكذا تنتج مورثات قوية سليمة تزرع في الاجنة او الكبار من اجل اكتساب الصحة والصفات المطلوبة. ويتوقع العلماء ايضا ان تظهر وظيفة زارع محاصيل علاجية ماذا يفعل هذا الزارع او المزارع الجديد؟ انه يزرع محاصيل معالجة وراثيا ويربي مواشي معالجة وراثيا ايضا بحيث يتم انتاج بروتينات علاجية. وجرى حاليا تجريب زراعة طماطم تحتوي على امصال. مزارع صيدلاني ضد بعض الامراض ويسمى هذا المزارع (المزارع الصيدلي) لانه يزرع محاصيل ويربي مواشي تحمل علاجات للأمراض. وعندما يزداد سكان كوكب الارض الى اعداد رهيبة بحيث لا يكفي الغذاء المنتج هؤلاء السكان ماذا يحدث في ذلك الوقت؟ لابد من انتاج اغذية سريعة من الفواكه والخضروات وحتى الحيوانات والأسماك. لابد ان تنمو هذه الاغذية في وقت قياسي بحيث تزرع في الصباح ليتناولها الناس في موعد الغذاء وهكذا من سيقوم بمراقبة هذه المحاصيل والحيوانات. انهم مراقبو الاغذية السريعة. عامل منجم معلومات وعندما يكون هناك تلال وجبال من المعلومات, ولا تستطيع محركات البحث على الانترنت مثلا ان تحصل على المعلومات التي تريدها في الوقت المناسب. لابد ان يكون هناك متخصصون في البحث عن المعلومات واحضارها بالسرعة المناسبة سوف يطلق على هؤلاء عمال مناجم المعلومات, الذين تكلفهم بالحصول على اي معلومة في اي وقت فيأتوك بها. مهندس عن بعد عندما تتعطل الاجهزة المنزلية الالكترونية التي تستخدمها في اوقات غير ملائمة او اوقات خارج العمل الرسمي, لابد ان تجد من يعينك على اصلاح هذا العطل. عندئذ لابد ان يكون هناك اناس ينتظرون بجوار خطوط هاتفية ساخنة لمدة 24 ساعة يوميا, او على الشبكة الالكترونية الرقمية حتى يساعدوك في هذه الظروف. لابد ان يستطيعوا توفير النصيحة الفنية والخطوات الهكلية حتى تصلح الاعطال في اجهزتك الالكترونية التي تريد استخدامها. لابد ان يطلق على هؤلاء مهندسون عن بعد. ممثل محاكاة الواقع عندما يصاب الانسان ايضا بالملل, ولايريد ان يشاهد الافلام او المسرحيات, بل يريد ان يشارك فيها بنفسه حتى يخرج من حالة الملل التي اصابته. ماذا سيفعل عندئذ, لابد ان يكون هناك كتاب مسرحيات وممثلون حقيقيون ينتظرون على الشبكة الالكترونية لتطلب منهم العون في ذلك. انهم ممثلون وكتاب على الانترنت يحاكون الواقع تماما بالنسبة لك. اذاعة موجهة شخصيا يتوقع العلماء ان تكون البرامج الاذاعية الاعلانية ايضا موجهة لاشخاص بعينهم في المستقبل حتى تصل الاعلانات الى كل من تستهدفه وتؤثر فيه. لذلك ستظهر في المستقبل اذاعات تستهدفك شخصيا باذاعة موسيقى تحبها انت شخصيا واعلانات تنبعث مع اذاعتها روائح تفضلها انت شخصيا. هذه هي الاذاعات الموجهة للاشخاص بذاتهم والى انظمتهم العصبية, حتى تؤتي تأثيرا أقوى. بديل الكتروني وسوف يظل مهندسو الحاسب الآلي يقلدون الذكاء البشري في الحواسيب الآلية. ولن تستطيع اذا تحدثت الى الحاسب الآلي الناطق ان تفرق بين صوت بشري مسجل او صوت الكتروني. وهكذا سوف يكون هناك ايضا اشخاص بدلاء لك على الكمبيوتر يقومون بالرد على رسائلك الالكترونية سواء المكتوبة, او المنطوقة في حالة عدم وجودك, وبالطريقة التي كانت سترد بها انت شخصيا. هذا سيطلق عليه البديل الالكتروني. وبعد فترة قصيرة من الزمن ايضا سوف يقوم مهندسو الذكاء الصناعي بترجمة تجاربك وخبراتك الى برمجيات, وبالتالي يضعوك على اقراص مدمجة يستطيع الاخرون الاستفادة منها. فيستطيع الطبيب استخدام اقراص مدمجة توضح ما يحدث من استاذة مثلا في حالات جراحية معينة وهكذا بالنسبة لكل الوظائف وسوف يسمي هذا مهندس المعرفة. وظائف قد تختفي تماما مقابل الوظائف الجديدة التي يتوقع العلماء ان تظهر في الفترة المقبلة, سوف تختفي ايضا وظائف اخرى موجودة حاليا مع تقدم التطبيقات الالكترونة في عصر التكنولوجيا الرسمية. وسطاء ووكلاء ومندوب تأمين اول هذه الوظائف التي ستختفي, هي وسطاء الاسهم وتجار السيارات وساعي البريد ووكلاء العقارات والتأمين. سوف تؤدي الانترنت بالطبع الى اختفاء هذه الوظائف لانه لا داعي لوجود وسطاء بالملايين, في الوقت الذي يستطيع في الناس استخدام الانترنت بدلا منهم. يتوقع العلماء ايضا ان تختفي وظيفة المدرس. لقد اصبح التعليم عن بعد اكثر انتشارا وشعبية. ومن خلال الفصول الدراسية عبر الانترنت وتحديد المستوى والدرجات الالكترونية لن يكون هناك قاعات درس يقف بداخلها مدرس, لأن تكلفة التعليم عبر الشبكات الرقمية سوف تكون اقل كثيرا من القاعات والمقاعد وغيرها من مستلزمات التعليم التقليدي الحالي. يتوقع العلماء ايضا ان تختفي المطابع من الوجود, لأن الصحف والكتب والمجالات سوف تظهر عبر شاشة الانترنت, ولا حاجة للاحتفاظ بها في صورة ورقية ما دمنا نستطيع استدعائها في اي وقت على الشاشة. سكرتيرة تلقي نصوصا مع انتشار اجهزة التعرف على الصوت الكترونيا وبرمجياتها لن يكون هناك حاجة الى السكرتير او السكرتيرة التي تملي عليهم ما تريد كتابته, وكل من يقوم بهذه الوظيفة سواء في المكتب او الشرطة او المحكمة او غيرها. يستطيع الشخص ان يملي ما يريد مباشرة على حاسب آلي مجهز ببرنامج تعرف على الصوت وكتابة ما يلي عليه مباشرة. اذن ليس هناك حاجة الى السكرتير او السكرتيرة بعد الآن. الأكثر من ذلك ان الخبراء توقعوا ايضا اختفاء وظيفة المدير التنفيذي. فإن عملية مرور القرارات والاوامر من الادارة العليا الى العاملين في اية شركة عن طريق مدير تنفيذي سوف تكون مجهزة ومكلفة. فسوف يقوم فريق من الخبراء سريعي التفكير بادارة الشركات في عصر الانترنت, دون الحاجة الى مدير تنفيذي. طبيب تقويم اسنان يقول الخبراء ان مهنة طبيب تقويم الاسنان سوف تختفي من الوجود لان برامج المحاكاة ثلاثية الابعاد سوف تكون الطبيب العادي من تعديل اوضاع الاسنان لمن يحتاجون الى ذلك ويجري حاليا تجريب هذه البرمجيات التي تمكن المريض من اختيار شكل الاسنان التي يريد وتمكن الطبيب من تنفيذ رغبة الشخص من خلال صناعة وتركيب مجموعة جديدة تماما من الاسنان, او تركيب اضافات بلاستيكية مصممة الكترونيا لتغيير شكل الاسنان التي كانت في حاجة الى تقويم. حارس السجن يتوقع العلماء ان تظهر اجهزة ميكروسكوبية تزرع في رؤوس المجرمين تمنعهم من التفكير في ارتكاب اي عمل اجرامي وسوف يمكن توجيه هذه المجسات, وبالتالي لن يفكر المحكومون بالهرب او الخروج من السجن, وبالتالي لن يكون هناك حاجة الى حراس السجون. قائد الشاحنة سوف تكون هناك طرق ذكية بين الولايات, بحيث يمكن ان تسير فيها شاحنات تسير بالحاسب الآلي. يمكن توجيه هذه الشاحنات من مراكز تحكم ويمكن للطرق الذكية ذات العلامات الالكترونية ايضا توجيه هذه الشاحنات وبسرعة كبيرة دون ان تصطدم بشيء. وعندما يكون هناك تزاحم في هذه الطرق, يتم توجيه رسائل الكترونية عبر الحاسب الآلي لمقودها لتغير طريقها الى طرق اقل كثافة. وهكذا لن يكون هناك حاجة الى سائق الشاحنة فيما بعد. مديرة المنزل استطاع البراد الآن ان يحدد ما هي انواع الاغذية والمشروبات التي يحتاجها المنزل وان تشتري هذه المشتروات عبر الانترنت, فلا داعي اذن لوجود مديرة منزل. واذا استطاعت المكنسة الكهربائية ان تنطلق للعمل بناء على برمجيات ومجسات لقياس درجة الغبار داخل المنزل, ويوضع بداخلها خريطة الكترونية بمواقع الأثاث والحوائط وغيرها من المواقع, فلماذا يكون هناك حاجة الى ان يمسك بالمكنسة الكهربائية لتوجيهها؟ الآباء اكثر التوقعات طرافة هي ان اطفال الانابيب وعمليات الاستنساخ في المستقبل سوف تجعل وجود الاباء لا ضرورة له. وكذلك وجود ارحام صناعية لاستكمال نمو الاجنة, سيجعل من وجود الأم البشرية غير ذي قيمة الا لاستخراج البويضة الانثوية منها فقط. لكن في بقية مراحل نمو الجنين لن يكون هناك حاجة لوجود الاباء او الامهات. هل يمكن ان تتحقق هذه التوقعات بالفعل, وهل يؤدى عصر الانترنت والتكنولوجيا الرقمية الى الاستغناء عن كثير من الوظائف البشرية؟ لقد بنى العلماء توقعاتهم بناء على مبدأ القياس من تجربة سابقة, مثل ما حدث في مثال تفريغ حمولة سفينة قبل ظهور الحاويات وبعدها. لكن لا نظن ان قاعدة القياس تنطبق في كل الحالات والظروف. إلا ان المستقبل القريب هو الذي سيكون الحكم الفيصل في ذلك, فهم توقعوا ان يحدث ذلك في غضون فترة 25 عاما, وهي ليست فترة طويلة جدا, اي ان من يقرأون ذلك قد يشاهدون تحقق او عدم تحقق هذه التوقعات اذا أمد الله في اعمارهم. كتب المحرر الاقتصادي