تتسبب المناقشات الدائرة حول أسعار النفط دائما في إحداث قدر كبير من الاضطراب, وهو الأمر الذي يرجع أساسا إلى غياب عنصر الشفافية وندرة المعلومات المتاحة, بشأن الفارق الضخم بين سعر النفط الخام الذي تحصل عليه الدول المصدرة وأسعار التجزئة الخاصة بالمنتجات النفطية والتي يدفعها المستهلكون داخل الدول المستوردة للنفط. قيمة المنتجات النفطية الأخرى التي يشتريها المستهلكون يتم تسعيرها بالعملة المحلية لكل دولة, للتر أو للجالون أو للطن, حسب نوع المنتج. وثاني هذه الأسباب يكمن في أنه حتى الإحصائيات التي تنشر داخل الدول الصناعية بشأن أسعار النفط, نجد أنه من النادر جدا الحصول على أرقام خاصة بمتوسط الأسعار الفعلية لمختلف المنتجات. وكل هذه الأمور تجعل من الصعب للغاية أن ينجح أي شخص ـ ليست لديه الخبرة الكافية ـ في عقد مقارنة بين أسعار النفط الخام وأسعار المنتجات النفطية التي تم شراؤها من قبل المستهلك النهائي. وعلى الرغم من كل هذا, نجد أنه عندما ترتفع الأسعار فإن المستهلكين يشيرون بأصابع الاتهام إلى الدول المصدرة للنفط, دون أن يكونوا على علم ـ أصلا ـ بالتأثير الذي يحدثه التغير في أسعار خام النفط على أسعار التجزئة, التي تباع بها المنتجات النفطية من قبل الدول المستوردة إلى المستهلك. وواقع الأمر يشير إلى أن هذا التأثير يعتبر طفيفا بسبب الفارق الضخم بين السعرين, وهو الفارق الذي يتضمن تكلفة وأرباح الموزعين والقائمين على عمليات التكرير من ناحية, والضرائب المفروضة من قبل حكومات الدول المستوردة من ناحية أخرى. وفي دراسة قامت بها الأوبك, أوردت المنظمة تفسيرا للموقف لاسيما بعد الانتقادات والضغوط القوية التي واجهتها المنظمة عندما وصلت الأسعار إلى أعلى معدلاتها منذ فترة. فطبقا لحسابات أمانة الأوبك, والتي هي أساسا مبنية على ما نشرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تحت عنوان: (أسعار الطاقة والضرائب) , فإن سعر سلة خام أوبك وصل في المتوسط إلى 47.17 دولارا للبرميل العام ,1999 في حين أنه في العام الماضي كان متوسط سعر برميل النفط بعد تكريره في الولايات المتحدة الأميركية 90.43 دولارا, وكان 60.76 دولارا في منطقة الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية, و10.95 دولارا في دول الاتحاد الأوروبي! وسجلت بريطانيا أعلى معدل في هذا الشأن حيث وصل سعر البرميل نفسه إلى 50.141 دولارا, وتلتها فرنسا بسعر 90.102 دولار. إن الهوة الشاسعة بين سعر خام النفط وأسعار المنتجات المكررة, يرجع سببها الأساسي إلى الضرائب العديدة التي تفرضها حكومات الدول المستوردة. ففي العام 1999 شكلت هذه الضرائب 68% من السعر الذي تم دفعه من قبل المستهلك النهائي في دول الاتحاد الأوروبي, في حين ذهب 16% فقط من السعر إلى الدول المصدرة, و16% أخرى إلى القائمين على عمليات التكرير والموزعين. وفي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ككل, مثلت هذه الضرائب 48% من أسعار منتجات النفط, وذهب 22% فقط من قيمة السعر إلى الدول المصدرة, و30% إلى القائمين على عملية التكرير والموزعين. وبعبارة أخرى قامت دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بفرض ضرائب وجمارك وصلت إلى 40.36 دولارا على البرميل الواحد من المشتقات النفطية المباعة, وهو ما يعادل أكثر من ضعفي المبلغ الذي تتلقاه الدول المصدرة. بينما نجد أن حكومات دول الاتحاد الأوروبي بصفة خاصة, حصلت على ضرائب من هذه المشتقات وصلت إلى 90.64 دولارا, وهو ما يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف ما حصلت عليه الدول المصدرة للنفط الخام. وعلاوة على ذلك, نجد أن الإحصائيات تشير إلى أن نصيب الدول المصدرة من أسعار المنتجات النفطية المكررة قد انخفض بشدة خلال الأعوام الماضية. في حين أن نسبة الضرائب التي تفرضها الدول المستوردة تزيد بالنسبة نفسها التي ينخفض بها نصيب الدول المصدرة من الأسعار. والسبب في ذلك يرجع ـ مع وجود بعض الاستثناءات القليلة للغاية ـ إلى أنه منذ فترة انهيار السوق عامي 1985 و,1986 انتهزت الدول الصناعية فرصة انخفاض أسعار النفط الخام, وقامت برفع الضرائب على المنتجات النفطية. وبوجه عام كانت الزيادة في الضرائب أكبر من الانخفاض الذي حدث في أسعار النفط الخام.. ففي العام ,1984 على سبيل المثال, عندما كان سعر نفط أوبك 06.28 دولارا أمريكيا للبرميل, كان متوسط سعر المشتقات المكررة في غرب أوروبا 60 دولارا للبرميل. وبقدوم العام ,1999 عندما لم يزد متوسط سعر خام أوبك عن 47.17 دولارا للبرميل, ارتفع سعر المنتجات المكررة في دول الاتحاد الأوروبي إلى 10.95 دولارا للبرميل. وفي الدول الصناعية بشكل عام, ولاسيما في أوروبا واليابان, نجد أن أعلى معدل ضرائب يتم فرضه على الجازولين. وفي دول عدة أخرى, تمثل الضرائب أكثر من 80% من السعر الذي يدفعه أصحاب السيارات, وهذا الأمر دفع أحدهم للقول ساخرا إن صاحب السيارة في الدول الأوروبية بالفعل يشتري ضرائب بعبق الجازولين. وفي ضوء هذه الحقائق, فإن لدى أوبك كل الحق في أن تؤكد في إحدى نشراتها الشهرية أن المنظمة أصبحت كبش الفداء في مواجهة صرخات الاعتراض التي تسببت فيها الزيادة في أسعار منتجات النفط. إلا أن واقع الأمر يشير إلى أن الأمر أصبح أكثر من كونها كبش فداء, فالدول المصدرة للنفط هي بالفعل ضحايا ميل ميزان القوى بشدة لصالح الدول الصناعية. فطبقا للقيمة الفعلية للدولار العام ,1973 فإن متوسط سعر صادرات هذه الدول من النفط انخفض من 98.15 دولارا للبرميل العام 1984 إلى 57.3 دولارات للبرميل العام ,1998 قبل أن يرتفع إلى 09.5 دولارات في العام 1999. إن حالة عدم الرضا والسخط التي تحيط بارتفاع أسعار المنتجات النفطية منذ مارس ,1999 كما تم التعبير عنها عن طريق بعض وسائل الإعلام, وعن طريق مجموعات الضغط في أوساط المستهلكين, لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية, كان لها أثر كبير في الضغط على الحكومات والقادة السياسيين في الدول الصناعية. ولأسباب انتخابية واعتبارات أخرى, قامت الحكومات الغربية بدورها بممارسة ضغوط إضافية على دول الأوبك حتى تقوم بزيادة إنتاجها. د. نقولا سركيس ـ رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس