لكي ينجح المفاوض في تحقيق الاهداف التي تجري من اجلها المفاوضات يجب عليه ان يجيب على مجموعة من الاسئلة بدقة ويحدد ملامح الاستراتيجية التي سيتبعها خلال المفاوضات. فما هي الاسس التي يستند اليها وضع وتطوير الاستراتيجية؟ وما هي الاساليب الواجب الالتزام بها؟ اتفق خبراء علم التفاوض على ان وضع وتطوير الاستراتيجية يستند إلى الافتراض البسيط التالي (الطرف الآخر ويؤكد هذا الافتراض ان الهدف الرئيسي للاستراتيجية هو التأثير على مجريات النقاش للحصول على شىء لا يرغب شخص آخر في منحه وفي واقع الامر لا توجد الا ثلاثة اساليب ينبغي على الانسان اتباعها للحصول على ما يريد وهي:ـ ـ القوة. ـ الدبلوماسية. ـ المفاوضات. ويقصد بالقوة اجبار الطرف الآخر وفرض ضغوط قوية عليه حتى لا يجد مفراً من ان يمنحك ما تريد او بعبارة اخرى اتباع سياسة (ان لم توافق ستنال من اشد العقاب) . اما الدبلوماسية او بتعبير اكثر دقة (الحنكة والمكر والبراعة في الخداع) فهي الاسلوب الذي يجعل احد الاطراف يكتشف عقب انتهاء المفاوضات انه قد تنازل عن كل شىء دون ان يدري. وفي بعض الاحيان قد لا يدرك مثل هذا الشخص انه فعلاً قد خرج من المفاوضات خالي الوفاض تماماً. ولا تعتبر القوة والدبلوماسية نوعاً من التفاوض بأي شكل من الاشكال حتى مع استخدام الاستراتيجيات والتكتيكات. فالتفاوض يعنى مواجهة رأي مختلف او مشكلة ما يسعى شخصان او اكثر لايجاد حل يرضي الطرفين معاً. ويعني التفاوض ايضاً العمل معاً وبطريقة ودية لحل السؤال التالي: ما هو الشىء الذي يمكن ان تفعله حتى تغادر هذه القاعة وقد حققت الحد الادنى من طلباتك وزيادة ان امكن بينما اكون انا في الوقت قد حققت الحد الادنى من احتياجاتي وزيادة ان امكن؟ الآن وانت تأخذ هذا السؤال بعين الاعتبار تمعن في الاسئلة التالية التي تم وصفها لتستخدمها عملياً عند رسم استراتيجية الجولة المقبلة من المفاوضات التي تنوي دخولها وحاول التركيز على التوضيح الذي يلي كل سؤال من هذه الاسئلة! ـ هل اخاطر واجازف؟ فعامل المخاطرة يلعب دوراً مهماً في المفاوضات ويمكن ان يؤدى لنتائج ايجابية استناداً إلى نوعية الاسلوب والمنهج الذي ستتبعه. ان المفهوم الاساسي للتفاوض يعني المخاطرة المحسوبة فأنت دائماً تحاول تقديم المقترحات والعروض التي تستجيب لمصلحتك بقدر المستطاع وتأمل في ذات الوقت ان تكون النتائج مرضية للطرف الآخر ايضاً. وعلى سبيل المثال يحاول الانسان الذي يبيع او يعرض اية سلعة تقليل المخاطر التي قد تواجه المشتري حقيقية كانت ام وهمية لا يهم الا ان ما يهم حقاً هو ما يعتقده المشتري. وما يمنع الانسان من المخاطرة والمجازفة هو خوفه من رفض عروضه ومقترحاته وخوفه ايضاً من الفشل وهو ما يشكل بصفة خاصة عائقاً كبيراً ويملك المفاوض المتمرس والبارع من الاسلحة ما يجعله يدرك ان الشخص الذي يجلس امامه يرتجف من الخوف ويتملكه الرعب ويعرف جيداً كيف يستغل هذا الخوف ويتلاعب بالطرف الآخر كيفما شاء. وبالطبع نحن جميعاً يعترينا الاحساس بالخوف الا ان ما يهم حقاً هو عدم ترك اي مجال لهذا الاحساس للسيطرة علينا بالدرجة التي لا نستطيع معها اتخاذ اي قرارات. والنصيحة التي نقدمها هنا هي انه يجب الا ننسي مطلقاً ان هذا المفاوض المتمرس والبارع لديه هو ايضاً من الاسباب ما تجعله يخاف من الفشل. والميزة الرئيسية لعدم حصر التفكير حول انفسنا فقط هي امكان التعرف على مخاوف الطرف الآخر ومخاوفنا ايضاً. ـ هل اسعى لاشاعة جو من الثقة والتعاون؟ وقد يستغرب البعض ان السعى لخلق جو تسوده الثقة والتعاون يمكن ان يندرج في اطار الاستراتيجية وفي واقع الامر يؤدى هذا السعى من حيث المبدأ إلى اشاعة مناخ ايجابي من التفاهم والحميمية بين الاطراف المتفاوضة واذا رغب المفاوض في ان تكون له اليد العليا )وهذا شىء طبيعي( يتعين عليه عدم التظاهر اذ انه اذا ما اكتشف الطرف الآخر بأنك غير امين وصادق فلن يغفر لك هذا مطلقاً وهناك فارق كبير بين التظاهر بالامانة والصدق والتعامل من منطلقات اخلاقية وبين الاستغلال غير الاخلاقي والاساءة لثقة الآخرين. ـ ما هي التنازلات التي اخطط للحصول عليها؟ فأنت تفاوض السبب بسيط وهو الرغبة في الحصول على شىء معين ومهما كان هذا (الشيء) الا انه يجب التركيز عليه عند وضع التصور الخاص بالاستراتيجية. ـ ما هي التنازلات التي انا على اتم الاستعداد لتقديمها؟ هل يمكنك تحديد اية تنازلات في وسائل تبدو غير مهمة لك الا انها تعنىالشىء الكثير بالنسبة للطرف الآخر؟ وعندما يتم التعامل مع هذه التنازلات بذكاء ومهارة فيمكن لهذا ان يعود عليك بفوائد عظيمة لم تكن تتوقعها ولكن يعتمد الامر على قدرتك على الابداع لتحديد هذه التنازلات. ـ ما هو الحد الادنى من طلباتك؟ فالحد الادنى من الطلبات يعتبر مرتكزاً مهماً لوضع وتطوير الاستراتيجية ويمثل قاعدة الهرم بالنسبة للاهداف والمصالح. ـ ما هي المواضيع (المحرمة) التي يجب عدم التفاوض حولها؟ كيف تقوم بتوصيل الرسالة للطرف الآخر حتى يفهم ان هناك مواضيع (حمراء) و(محرمة) يجب عدم مناقشتها؟ واي الاساليب تستخدم؟ اللباقة والدبلوماسية, كلمات حاسمة وعدوانية, اتخاذ موقف متفتح ولين, الصرامة. ان الموقف الذي تختاره لتوصيل هذه الرسالة سيتوقف عليه مصير المفاوضات. ـ كيف تخطط لاقناع الطرف الآخر؟ ان هناك العديد من الاساليب لاقناع الطرف الآخر بقبول الحجج التي تطرحها. والآن اي المواقف ستختار: هل ستحاول اقناعه؟ هل ستجادله؟ ام ستتبع الاسلوبين معاً؟ هل تقدم اليه مستندات مكتوبة؟ هل ستعرض بيانات سمعية وبصرية؟ ما هي النقاط القوية في الحجج التي ستطرحها؟ هل ستحضر معك بعض الخبراء؟ هل تعد صفقات وعروضاً جذابة؟ ـ هل تنوي استخدام اية تكتيكات للضغط عليه؟ هناك طرق مختلفة لممارسة الضغط مثل تحديد موعد نهائي للمفاوضات والايحاء بان هناك جهة اخرى ترغب في التفاوض حول العقد نفسه مثلاً. ـ كيف ستكون ردة فعلك على الضغوط التي يمارسها الطرف الآخر؟ قد يحاول الطرف الآخر فرض شروط او قيود او ينزع لانتهاج سياسة الترهيب ليجبرك على تقديم تنازلات. ويتعين عليك ان تقيم خطوط دفاع واضحة وقوية لصد مثل هذه الممارسات. ـ ما هي وتيرة المفاوضات التي تفضلها؟ هناك مواقف عدة يمكن اتخاذها منها: الهجوم المباشر وتجنب الموضوع الرئيسي. اتخاذ موقف استراتيجي جديد تجاه كل موضوع من الموضوعات. الحصول على اكبر قدر من التنازلات وجمعها للخروج باتفاقية مقبولة. ـ هل تستعين بطرف ثالث؟ قدتكون سمعت بالرواية التي حكاها الملياردير الراحل اوناسيس والتي تؤكد اهمية هذه الخطوة بالتحديد فقد كان الملياردير اليوناني يحتسي قدحاً من القهوة بمطعمه المفضل حين اتجه نحوه شخص لن يره من قبل وحياة ثم سحب مقعداً وجلس عليه وقبل ان يفيق الملياردير من اثر الصدمة الاولى فاجأه الشخص بقوله (يبدو انك لم تتذكرني لقد كنا زملاء دراسة في الصف والمدرسة نفسهما كم انا سعيد لرؤيتك مرة اخرى يا صديقي القديم) واسترجع اوناسيس (شريط حياته) الا انه فشل تماماً في ان يجد وجه هذا الشخص الا ان الرجل كان ظريفاً ومهذباً ولم يجد اوناسيس صعوبة في خلق جو من الالفة والمودة وفجأة قال الرجل (اسمع يا اوناسيس هل تقدم لي خدمة؟) ورد اوناسيس بقوله (حسنا ولم لا؟ ما هي؟ فقال الرجل (حسناً غداً وفي هذا المطعم وذلك الوقت سأكون جالساً هناك مع مجموعة من الاشخاص الذين ارغب في ان عقد معهم صفقة مهمة وارجو ان تمر بالقرب منا وتلقي تحية عابرة حسناً اتفقنا ـ أليس كذلك؟ فرد الملياردير على صديقه (القديم) بقوله (اتفقنا) فنهض الرجل وغادر المطعم. وفي اليوم التالي وفي الموعد تلفت اوناسيس حوله فرأى الرجل يجلس مع مجموعة من الاشخاص ومنهمك في الحديث فنهض الملياردير الراحل من مقعده واتجه صوب الرجل وحياه بابتسامة عريضة وبدلاً من ان يرد الصديق (القديم) على التحية باحسن منها كما هو متفق عليه تجهم وجهه وبدا وكأن شخصاً قد قاطع كلامه وصرخ في وجه اوناسيس (الا تفهم انني مشغول الآن؟ سأتحدث معك فيما بعد. لقد استغل الرجل علاقاته ـ الزائفة ـ بالملياردير المشهور لاضفاء المزيد من القوة على موقفه. ان شخصاً يستطيع ان يصرخ في وجه اوناسيس (هيا اذهب في حال سبيلك ودعني) لابد وان يكون شخصية قوية ومهمة. لقد استخدم الرجل الذكي طرفاً ثالثاً بشكل ما هي للغاية الا ان الرجل كان يرغب في واقع الامر بذل انطباع جيد لدى الملياردير الراحل نفسه وعقب هذه الواقعة بعدة اشهر استخدم اوناسيس صديقه (القديم) ليتفاوض نيابة عنه وهكذا حقق الرجل هدفه الرئيسي. ـ كيف يتم توزيع الصلاحيات اذا كنت تتفاوض ضمن فريق من المفاوضين؟ ـ هل ستستخدم اية تكتيكات مفاجئة؟ يمكن مثلاً تعديل الاستراتيجية التي ستطرح بها حججك في منتصف الطريق وقبل انتهاء المفاوضات في تلك اللحظة التي يعتقد عندها الطرف الآخر انه قد توصل إلى فك طلاسم استراتيجيتك وبدأ يعد لهجوم مضاد. ـ هل ستستخدم اي نوع من الحيل'؟ كن مستعداً لاقناع نفسك بصحة الحيلة وتخيل نفسك وانت تتظاهر بان الحيلة (حيلتك) انما هي (شيء واقعي بالفعل) امام الطرف الآخر. ـ هل ستقدم عروضاً تتجاوز صلاحياتك؟ يجب هنا ان يتم تحديد هامش للمناورة والمدى الذي يمكن ان تذهب اليه كما يجب ان يكون لديك تصور متكامل للحدود الدنيا والقصوى لصلاحياتك؟ ـ هل ستتحدث عن التنافس والمنافسة؟ ان هذا السؤال يعتبر مكملاً للسؤال الخاص بالتكتيكات المفاجئة. ـ ما هي نوعية التسوية التي تسعى اليها؟ يمكنك ان تختتم المفاوضات على النحو التالي: ـ اتفاقية شفاهية. ـ اتفاقية مكتوبة وموقع عليها من الطرفين. ـ اتفاقية تعاقدية تشمل جميع البنود. ـ اتفاقية جزئية )تضم الموضوعات التي ترغب في التوصل لاتفاق حولها(. ـ اتفاقية مفصلة وشاملة او اتفاقية تحتوي على خطوط عريضة. ـ ما هو الانطباع الذي ترغب في ان تتركه؟ كيف تريد ان ينظر اليك الطرف الآخر مستقبلاً؟ كيف سيحدثون الآخرين عنك بمن فيهم من عملاء محتملين مستقبلاً؟ هذا ايضاً خيار استراتيجي يجب عدم تركه للمصادفة فالانطباعات الاخيرة هي التي تدوم طويلاً. ـ ما هي الجوانب التي تميزك عن الطرف الآخر؟ هناك عناصر معينة وصفات محددة يتعين توفرها للمفاوض الناجح هل اكتشفت ما هي؟ حسنا حاول وانظر إلى نفسك جيداً واخضع قدراتك الجسمانية والذهنية لاختبارات قاسية فقد تكتشف انك تتميز عن الآخرين في جوانب عديدة. فهيا ابدأ الآن.