ربما كانت (الحاجة هي أم الاختراع) كما نعرف ونسمع جميعا, إلا أن (الرغبة) هي الدافع الذي ظهر في العصر الحديث وبدأ يزيح (الحاجة) من مكانها في المقولة السابقة ليأخذ موقعها, وهذا ما تثبته الاختراعات العديدة التي نراها بين فترة وأخرى, تلك الاختراعات والسلع التي يطغى عليها الطابع الاستهلاكي الكمالي والتي لا تنبع من (حاجة) الإنسان إليها بقدر ما تنبع من (رغبته) في تسهيل حياته إلى الدرجة القصوى. ومن أجل ذلك لا توجد شركة كبرى تنتج أجهزة من هذا النوع إلا وتمتلك طاقما استشاريا مهمته ـ فقط ـ القيام بدراسات معقدة وبعيدة المدى تهدف إلى (إقناع) المستهلك بأهمية هذه السلعة أو تلك بهدف تسويقها ومنافسة الشركات العالمية الأخرى ـ وعلى مستوى الدول ـ التي تنتج سلعا مشابهة. وربما, إذا تأملنا قليلا, سنجد أن معظم الأشياء التي نستخدمها في حياتنا اليومية يمكن الاستغناء عنها.. وبسهولة. وهكذا تتراجع يوما بعد يوم المقولة التي أطلقها الفيلسوف أفلاطون والتي تقول (الحاجة أم الاختراع) , ويتضاءل تأثيرها على واقعنا العصري. ومما لاشك فيه أن الحاجة قد أدت في الماضي ـ حتى بدايات هذا القرن ـ إلى ظهور الكثير من الاختراعات التي شهدتها البشرية, ولكن منذ بدء القرن الجاري فإن الحاجة لم تعد هي أم الاختراع.. فأم الاختراع الآن هي (الرغبة) . فلم تكن هناك أية حاجة أساسية وراء اختراع جهاز مثل الفيديو, ولكنها كانت مجرد رغبة قوية لمتابعة المواد الترفيهية والتعليمية بشكل سريع يسهل تسويقه. وخلال الفترة القصيرة التي شهدت تطور هذا الاختراع غير الحيوي أدت رغبات مستخدمي جهاز الفيديو إلى تطويره بشكل لم يكن يحلم به مستخدمو النماذج البدائية من هذا الجهاز. وكان المولد الرئيس لهذه الرغبات, وسيظل, مجموعة من الضغوط الاجتماعية والثقافية التي لا تؤثر فقط في حياة الناس الخاصة, ولكنها تلعب دورا حاسما في أعمالهم ونشاطاتهم المعرفية والعلمية. قد يبدو لنا أن الطلب الذي يقوم على الرغبة عند مقارنته مع الحرمان الذي يعاني منه الكثيرون من سكان العالم الثالث هو شكل من أشكال الطمع, ولكن سواء أقبلنا بهذا النوع من الطلب أم لا, فسيظل ملمحا أساسيا من ملامح العديد من الأسواق, وستظل الحاجة أو الجشع دوافع للابتكار والاختراع. وتعتمد فكرة تقبل السوق والمستهلكين لأي منتج أو خدمة أو فكرة مبتكرة على خمسة عوامل, هي الخبرة النسبية والتلاؤم والتعقيد والقابلية للتقسيم والقابلية للنقل. وكما يحدث في كثير من الحالات فقد تفشل منتجات مبتكرة في مرحلة التسويق لأنها لا تتوافق مع تلك المعايير الخمسة. ومما لاشك فيه فإنه ولكي ينجح ابتكار ما تجاريا يجب أن يلبي رغبة كامنة أو معلنة لدى المستهلكين, وهذه الرغبة تحتاج لمهارات المسئولين عن عمليات الاتصال والتفاوض, وليس مهارات مهندسي الإنتاج حتى يتم التعبير عن تلك الرغبة فتتحول إلى خطوة إيجابية وهي شراء السلعة أو الخدمة. ولكي يحقق المسوق هذه الأهداف فهو بحاجة ليس فقط للمهارة وروح الابتكار والمثابرة, ولكنه بحاجة لبعض الخصائص التي لا ترتبط بالسوق مثل الكياسة والذوق. ومن ضمن احتياجات الاستغلال الناجح لفكرة مبتكرة أيضا القدرة على التمييز بين الفكرة ذاتها ومعرفة أسلوب توظيفها, ففائدة هذه المعرفة تتحقق بمزيج من فكرة جيدة وخبرات إدارية ممتازة. وكما قيل فإن المنظمات المتخصصة هي وحدها القادرة على ابتكار أفكار جديدة وتحويلها إلى مشروعات قابلة للتنفيذ. وإحدى الأدوات الممكن اتباعها لتحقيق ذلك قيام جهاز عمل مستقل يضم مجموعة صغيرة من الأفراد على رأسهم قائد يقدم الدعم المطلوب لمنتج أو خدمة ما, وهذه المجموعة عادة ما تكون عملية وقادرة على اقتحام كل الإجراءات البيروقراطية ولها حرية كاملة داخل حدود معينة, إضافة إلى الصلاحيات والمسؤوليات التي تتمتع بها المؤسسات الصغيرة. أما مهمة هذه المجموعات فهي الأخذ بيد أي منتج حتى يصل إلى المرحلة التي يكون فيها قادرا على التوسع والتسويق. وقد حققت هذه المجموعات نجاحا باهرا عندما تم تشكيلها في البيئة المناسبة وتوفرت لها شبكة دعم قوية. ولكن حتى تصل عمليات التجديد إلى نهايات ناجحة يجب أن تسير جنبا إلى جنب مع دراسة عميقة للهدف من الابتكار أو التجديد, سواء في مجال المنتج أم الخدمة.. وهذا الهدف هو الزبائن. وبالفعل, تثبت الظواهر أن ما يمكننا أن نطلق عليه الاتجاه الشامل لمخاطبة الزبون في اللحظة المناسبة له بالفعل تأثير كبير على الأداء المبتكر. ونجد بعض الأدلة على ذلك في مقارنة صناعة الأجهزة في بريطانيا وألمانيا. وعلى الرغم من أن المقارنة لم تتوصل لنتائج قاطعة إلا أنها تشير بشكل واضح إلى تأثير ذلك الاتجاه على مستوى الأداء, فبينما كانت بريطانيا في وقت ما تهيمن على الأسواق العالمية, إلا أن ألمانيا واليابان حلتا محلها في أوقات لاحقة, ثم حلت كوريا محل كل هذه الدول. وقد كشفت الدراسات المستقبلية لتطوير المنتجات أن المواقف من العملاء تقوم على مقارنة النماذج غير الناجحة في بريطانيا مع النماذج الناجحة في ألمانيا, والعلاقة بين المنتجين والزبائن في هاتين الدولتين. وكشفت المقارنة عن اختلافات جوهرية في الاتجاهات. وباختصار, أوضحت المقارنة أن الشركات البريطانية تبدي اهتماما أكبر بظاهر العملية التسويقية بدلا عن مضمونها الحقيقي, بينما تميل الشركات الألمانية إلى الاهتمام بباطن وجوهر العملية وليس بالزخرفة الخارجية. وتميل الشركات البريطانية أكثر من الألمانية لتعيين مديرين لأبحاث السوق أو مديري تسويق وإجراء العديد من الدراسات التسويقية لأي منتج جديد, ولكنها لا تهتم بالتعامل المباشر مع الزبائن كما تفعل الشركات الألمانية التي تعتبر عملية الاتصال المباشر بالزبائن أثناء تطوير منتج جديد أمرا محوريا إذا أرادت أن تحقق أي نجاح. ولا يمكن النظر إلى التفاعل بين المنتجين والزبائن وكأنه العامل الوحيد الذي يشجع على الابتكار الناجح, فالمقارنة بين الصناعتين البريطانية والألمانية لم يهدف إلى إظهار تفوق التسويق الألماني على نظيره في بريطانيا بقدر ما كان يهدف إلى تأييد وإثبات الرأي القائل بأن إشراك الزبون هو أحد الشروط اللازمة لعمليات التجديد والابتكار الناجحة للمنتجات. ولكن هذا كله لا يعني أنه لا يمكن ابتكار منتجات ناجحة بعيدا عن تأثير الزبون, إلا أنه يعني فقط أن فرص النجاح تزداد بشكل كبير إذا ما قمنا بإشراك المستفيدين من هذا المنتج أو الخدمة في أية مرحلة من المراحل المبكرة لعملية التطوير. ولو أن المؤسسات بدأت أي تطوير من وجهة نظر إمكاناتها التقنية فقط, فقد يعني ذلك أن تنفصل عملية الأبحاث والتطوير عن واقع السوق. وقد تفضل بعض المؤسسات العمل الإيجابي على مجرد التفكير النظري. ولكن, لسوء الحظ, فإن هذه الرغبة في العمل تأخذ في أحيان كثيرة شكل النفور والترفع عن السوق, مما يزيد الفجوة بين المسئولين عن تصميم وإنتاج المنتجات الجديدة والمسئولين عن تسويقها. وفي هذا الصدد نسترجع الوصف الساخر الذي أطلقه أحد مسئولي التسويق عن منتج جديد طرحته شركته حين قال (إنه عديم الطعم واللون والرائحة والفائدة أيضا) . ولذلك لابد من ردم الهوة التي تفصل قسم الأبحاث عن السوق, حيث تتوفر رؤية متكاملة للسوق والفرص المتاحة فيها, ولن يتأثر ذلك إلا بتغيير المفاهيم. وبطبيعة الحال فإن أي ابتكار ناجح يتطلب بيئة متجاوبة تتقبل التغيير إلى جانب عدد كاف من المؤسسات البحثية ذات أفق واسع وتفهم عميق لعملية الابتكار والتطور المتواصل. وقد يؤدي الحماس الزائد للتفاعلات المبكرة بين المنتج والزبائن إلى إيجاد الدافع نحو التطوير والتغيير, إلا أنه لا يكفي بأية حال من الأحوال لتحقيق هذا التطوير. وإذا نظرنا إلى أداء صادرات اليابان نجد أنه أصبح يعادل أداء الولايات المتحدة إن لم يتجاوزه, إلا أن الرأي السائد الذي يقول إن أهل اليابان لا ينزعون إلى الابتكار قد يعني أن هناك عاملا ما وراء النجاحات السريعة التي حققوها بعد الحرب. وقد يكون ذلك العامل مزيج من القيم التقليدية من جهة وأساليب التسويق الحديثة من جهة أخرى. ومن أهم هذه القيم المبادئ الأربعة التي تقول: الهدف هو البقاء وليس الانتصار, الاتحاد قوة, الأفكار الجديدة أفضل من القديمة, وكل شيء يمكن تطويره. وهذه القيم والعوامل جميعها أرست اتجاها عمليا لا غبار عليه. وعلى النقيض من ذلك, يمكن النظر إلى تجربة الغرب لاكتشاف أنها تسير في الاتجاه العكسي لتلك المبادئ, حيث الأداء قصير الأجل والملكية الخاصة هي مفتاح النجاح والربح هدف أساسي. وكل هذه العوامل تتجاهل الموضوع الأساسي, وهو الأداء التنافسي. وفي هذا الجو التنافسي يطل السؤال: هل أساليب التدريب والتقويم الحالية تشجع عملية صنع القرار بطريقة تؤدي إلى الابتكار وليس مجرد مسايرة الظروف والتقليد؟ قطعا فإن الإجابة هي (لا) . فإذا أضفنا عاملا آخر وهو عدم التركيز على عملية البحث عن الفرص, فإن هذا الاتجاه سوف يؤدي إلى إضعاف فرص المنافسة. وإذا كانت الشخصية والثقافة والرضا الوظيفي لشخص ما تكمن جميعها في قدرته على حل المشكلات بشكل جيد وليس في البحث عن المنافذ الجديدة واستغلالها, فإن الأمر سيستمر كما كان عليه في الماضي وتكون النتيجة المتوقعة هي التوصل لعلاج مبتكر لأمراض لم تتم تسميتها بعد. وبالتأكيد لن يكون هناك مجال لذلك في المستقبل. ولذلك فإن تشجيع الابتكار الناجح كان وسيظل عملا جماعيا تتضافر فيه جهود أفراد من ذوي الحساسية العالية تجاه السوق, وليس الحساسية التجارية فقط, فهي أمر يختلف اختلافا جذريا. والسوق هي الجهة الوحيدة التي تحدد نوعية واتجاه هذه النشاطات, ولكن ذلك لا يحدث إلا إذا قام المنتجون بالتوفيق بين مواقفهم واتجاهاتهم وبين حاجات زبائنهم في مرحلة مبكرة. وهناك مجموعة متكاملة من أساليب البحث وتتبع المعلومات التي تتيح تدفق البيانات المفيدة بين المنتج والزبائن. ولقد بلغت أبحاث التسويق بين المستهلكين والزبائن والموزعين بأنواعهم المختلفة مستوى عاليا جدا من الدقة, وإذا أضفنا إلى ذلك الاختبارات والدراسات التي تجرى على مجموعات مختارة من المستهلكين واستجاباتهم للمنتج, فليس هناك عذر لعدم تحقيق توافق بين السوق والمنتج, أو على الأقل ليس هناك عذر لحدوث أخطاء جسيمة, فالأمر هنا لا يحتاج إلى أموال طائلة أو أساليب غامضة, ولذلك فإن فشل أية فكرة جديدة ليس له أي مبرر. والوظيفة الحقيقية للأفراد ليست إدارة الأوضاع الراهنة, ولكن تحقيق التغيير والتجديد والابتكار على كل المستويات. إلا أن التجديد الذي لا يشرك المستهلك يشجع فقط على التغييرات المحدودة والمؤقتة والتي لا تؤدي إلى تغييرات جذرية, وبالطبع لا يمكن دائما اختيار الابتكار من خلال السوق, وستكون هناك دائما فرص للفشل, فعلى سبيل المثال, فإن واحدا من خمسة أفلام سينمائية جديدة يحقق نجاحا باهرا, أي عائدا ماليا يبلغ أضعاف المبلغ الذي استثمره منتج الفيلم. ويمكن الآن إيجاز الفكرة التي تنادي بضرورة دعم وتشجيع الابتكار في أربعة عوامل هي: التوجه للحاجة, وانخفاض التكاليف الأولية, والمرونة والسرعة, ثم توافر رأس المال الكافي. ويمكن لنتائج الفشل أن تكون كارثية لأي فرد على مستوى حياته المهنية والاجتماعية, وهي أيضا كارثة للمؤسسة ككل. ولكن لا يوجد نظام يضمن نجاح أي اختراع أو ابتكار. ونقطة البداية لأي عمل يريد أن ينجح بالفعل في التجديد مهما كانت المعايير التي نحكم بها على هذا النجاح هي العلاقة الوثيقة بين المستهلكين والمنتجين, وانحياز الفئة الأخيرة لرغبات الفئة الأولى, لأنه ـ وكما سبق وذكرنا ـ فإن الرغبة قد أصبحت الآن هي أم الاختراع, وليس الحاجة. ونظرا للتطور المتواصل في رغبات المستهلكين وتنوعها فإن المستقبل القريب سيشهد دون أدنى شك المزيد من الابتكارات التي لا تستهدف سوى الاستجابة لتلك الرغبات.