تتزامن الجهود التي تبذلها دول مجلس التعاون الخليجي من أجل إصلاح هياكلها الاقتصادية وتوسعة قاعدة النشاط في هذا القطاع مع تزايد حدة مشكلة العمالة الوطنية وإيجاد الوظائف لمئات الآلاف من الشباب الداخلين إلى سوق العمل سنويا, الأمر الذي يفرض ضرورة أن تتكيف تلك الإصلاحات وفق أنماط معينة تكون قادرة على استيعاب أكبر عدد ممكن من العمالة الوطنية, خاصة من قبل القطاع الخاص, وفي الوقت نفسه تخفيف الاعتماد على العمالة مسئولون خليجيون متخصصون اجتمعوا في البحرين مؤخرا وناقشوا هذا الأمر, مستعرضين المشكلات والخطط الساعية إلى الحلول المناسبة, وكذلك المتطلبات الدولية التي تؤكد أهمية وحساسية هذه الإشكالية. تتسلط الأضواء مجددا على الجهود الجماعية التي تبذلها دول المجلس فيما يتعلق بإشكالية العمالة الأجنبية وما لوجودها من آثار يهمنا منها السلبية هنا, وذلك خلال الاجتماع الأخير الذي استضافته البحرين وضم ممثلين عن المكتب التنفيذي لمجلس وزراء العمل الخليجيين ومنظمة العمل الدولية وممثلين عن أجهزة العمل بدول المجلس, علاوة على ممثلي الأمانة العامة لدول المجلس. وقد ناقش الاجتماع بصورة جماعية تنسيق جهود جميع هذه الأطراف لربط برامج الإصلاح الاقتصادي بتنمية الموارد البشرية الوطنية. وهذه إطلالة على أهم ما أدلى به المجتمعون: * حسين علي الشمران, مدير إدارة الموارد البشرية بالأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية, يقول إن الجهود حاليا تبذل لتشكيل لجنة عليا مشتركة بين الدول الأعضاء لوضع آليات التنفيذ لتفعيل قرارات المجلس الأعلى لقادة دول المجلس التي اتخذت في الدورة العشرين حول كيفية الاستغناء عن العمالة الوافدة ووضع استراتيجيات التوطين. وأضاف الشمراني أن موضوع العمالة الوافدة وموضوع توطين الوظائف هما من الموضوعات المهمة التي بحثت على جميع المستويات, فقد أكد قادة دول المجلس على أهمية النظر في النظم والتشريعات والقوانين العمالية التي توصل الأهداف إلى التنفيذ من ناحية توطين الوظائف والحد من استيراد العمالة الأجنبية, لاسيما وأن دول المجلس الآن مليئة بالكفاءات الوطنية والمؤهلة علميا وعمليا. وأكد على دور المكتب التنفيذي لمجلس وزراء العمل الذي يقوم بالمتابعة لما يقره وزراء العمل والشؤون بدول المجلس بصفتهم الجهة المسئولة عن المجالين العمالي والاجتماعي. وأشار إلى قرار المجلس الأعلى الأخير في دورته العشرين والذي أقر مرئيات الهيئة الاستشارية لدول المجلس ومرئيات الهيئة التي أوردت بنودا عدة منها كيفية الاستغناء عن العمالة الوافدة وكيفية وضع الاستراتيجيات والأسس لتوطين الوظائف مبينة الآثار السلبية اقتصاديا واجتماعيا وعلميا. وهناك جهود تبذل لتشكيل لجنة عليا مشتركة بين دول المجلس لوضع الآليات التنفيذية لتفعيل قرارات المجلس الأعلى بهذا الخصوص مكونة من وكلاء وزراء الداخلية ووكلاء وزارات العمل. * أما عبدالله سعد الهدب, مدير مكتب تنمية العمالة الوطنية بالكويت, فيقول إن دول المجلس بصدد حالة دراسة مشروع الخطة الإرشادية الموحدة لإنشاء نظام نموذجي موحد لمعلومات سوق العمل في الخليج, وأهمية المشروع كبيرة جدا وخطة العمل تهدف للوصول إلى أهدافه النهائية خلال فترة خمس سنوات, وهو مشروع ضخم جدا يحتاج إلى جهد. وترمي الخطة إلى أن تزود كل دولة خليجية المكتب التنفيذي بمعلومات عن سوق العمل, مثل السكان ومخرجات التعليم والعمالة, ومن خلال جمع هذه المعلومات يقوم المكتب بإعداد الإحصاءات والدراسات لتحليلها لتحقيق الأهداف المرجوة من المشروع والذي يتكون من مراحل عدة أولاها تجهيز المكتب بأجهزة كمبيوتر ترتبط بشبكة مع الدول الخليجية والاتفاق على الإحصاءات, وكذلك على التواصل الحاسوبي, ثم تجهيز النظام لدعم وتنفيذ توطين العمالة الوطنية لدول مجلس التعاون والذي في نهاية الأمر سيعمل على تسهيل انتقال العمالة الوطنية بين دول المجلس, ومنها الحقوق نفسها التي يتمتع بها المواطن في بلده من راتب وتأمين وغيرها من حقوق المواطنة. وأكد الهدب على اختلاف المنظور الخليجي للعمالة فقال: (لقد كنا نعتمد اعتمادا كليا على العمالة الوافدة, وكانت أغلب المهن الإدارية تقتصر على المواطنين. فمثلا حينما نتحدث عن الكويت نرى المهن الإدارية تقتصر على الكويتيين, في حين المهن الأخرى خاصة بالعمالة الوافدة. ولقد جاء الوقت الذي يجب أن تدرك فيه دول مجلس التعاون أهمية الاعتماد على ابنائها) . وأشار من جانب آخر إلى أهمية التكيف مع العولمة فقال إنه يتوجب عدم نسيان أن العولمة قادمة بشكل يجعل الدول كلها في منظور واحد, والاقتصاد له دور كبير في تنمية رؤوس الأموال داخل الدول. لذلك صدر المرسوم الأميري بالكويت الذي بحث على تنمية وتشغيل العمالة الوطنية بحيث تسهم الدولة بجزء من الراتب ويتكفل صاحب العمل بالجزء الآخر. وهذا المرسوم الذي صدر يعطي لأي مواطن خليجي الحق نفسه الذي يعطيه للمواطن الكويتي, فمثلا في السابق كان البحريني الذي يعمل في حقل التدريس يستلم راتب 250 دينارا وقد عومل كما يعامل الأجنبي, أما بعد تفعيل هذا المرسوم فإن المدرس البحريني سيحظى على الامتيازات نفسها التي سيحظى بها الكويتي من راتب, وعلاوة زواج 12 دينارا كما هي حال الكويتي, و50 دينارا لكل طفل, والزيادات السنوية, إضافة إلى الضمان الاجتماعي. وبذلك فإننا نكون حققنا بذلك هدفين: الأول هو الحد من البطالة المقنعة العمالة الأجنبية, إضافة إلى تخفيف أعباء الرواتب على الدولة. وهذا المرسوم مهم جدا إذا ما علمنا أن في الكويت مليونا ونصف المليون أجنبي يعملون بها, في حين أن عدد سكان الكويت هو 750 ألف نسمة, مما يعكس مدى خطورة الوضع من نواح عدة اقتصادية واجتماعية, ولعلها تكون حتى أمنية. * ومن جانبه قال سميح البستاني, الخبير بمنظمة العمل الدولية, إنه تم توقيع اتفاق بروتوكولي بين منظمة العمل الدولية والمكتب التنفيذي في البحرين, ونص هذا الاتفاق على تقديم المساعدات الفنية والتقنية كافة, وفي حال إمكان تقديم المساعدات العينية من قبل مكتب منظمة العمل الدولية ببيروت إلى المكتب التنفيذي في البحرين. وقد بدأنا أولى خطوات وضع مسودة مشروع خاص بوضع نظام موحد لمعلومات سوق العمل بدول التعاون الخليجي من أجل المساعدة على تحسين أسس توطين العمالة الوطنية وتخفيف البطالة ومراقبة انسياب العمالة بين الدول الأعضاء. وأضاف: نحن في حالة تقييم الوضع في منطقة الخليج, فلا نستطيع بحال من الأحوال إلا الاعتماد على المؤشرات التي يتحدث عنها المشروع كمكونات ثلاثة هي: المكون الإحصائي الجزئي بالنسبة لأية دولة خليجية أو الكلي بالنسبة لنظام موحد لدول مجلس التعاون, والمكون المعلوماتي والذي تعمدنا أن نتجاوز الإنترنت أو نعمل على إيجاد نظام موحد من خلال برنامج يرتبط بشبكات الاتصال الخليجي فقط وذلك لأن نظام شبكة الإنترنت من السهولة اختراقه ومن ثم تحريف البيانات والإحصاءات بالشكل الذي يضر بالمشروع. والمكون الثالث هو المكون الاقتصادي الاجتماعي لمراقبة التطورات الاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا يمكننا القول إن هناك رغبة حقيقية في توطين العمالة بشكل كامل, فكل الاتجاهات تشير إلى ذلك والحركة العمالية تشير إلى ذلك, وهذا النظام حينما يعمم سوف يفضح مواطن الضعف والخلل بالنسبة للعمالة. فالمشكلة الحقيقية هي أنه بالرغم من وجود تصنيف وتوصيف خليجي موحد إلا أن كل دولة تعمل بالتوصيف الخليجي, وهذا يجعلهم يتعاملون مع الاستراتيجيتين. وبالنسبة لأهم التحديات العمالية التي تواجه المنطقة يقول إنها تتلخص في نقاط عدة أهمها: تنقل العمالة غير المنظمة وغير المراقبة, سواء الخليجية أم غيرها, ووجود مخرجات تعليم لا تتطابق مع متطلبات سوق العمل, ووجود قوانين عمل بعيدة عن المتطلبات الواقعية لسوق العمل, وإيجاد وظائف استثمارية لا تتوافر لها الموارد البشرية الخليجية. وكل هذه الأمور يجب تفاديها بسرعة, ولا يمكن استمرار الوضع على ما هو عليه, فهناك قرارات خليجية وكل الدول لديها حاليا نظام معلومات ولكنها غير متكاملة. وأضاف أن مخرجات نظم الدول هي بمثابة مدخلات للنظام الموحد الذي يتعاطى مع نظم الدول بمبدأ المعاملة بالمثل, لذلك لا يمكن بأي شكل أن يقوم النظام الموحد إذا لم تتوافر في الدول هذه النظم, علما بأنها متوافرة حاليا لكنها غير مكتملة. وبالنسبة إلى مدة تنفيذ المشروع بين أن فترة المشروع هي خمس سنوات بدءا من إقراره, فالمشروع سيرفع إلى وزراء العمل لدول مجلس التعاون والذين بدورهم سيرفعونه إلى قادة المجلس في الدورة القادمة, وبعد إقراره سيبدأ العمل فيه وسيعطي المردود الجزئي الذي سنراه مع بداية تدشين المشروع. مشيرا في الوقت نفسه إلى أن تنفيذ هذا المشروع سيتم بقدر الإمكان من خلال الخبرات الخليجية, وعمليات تشغيله ستكون خليجية 100% وستقوم منظمة العمل الدولية بتدريب هؤلاء محليا. * جمال السلمان, الباحث العمالي في المكتب التنفيذي لدول مجلس التعاون الخليجي, علق أيضا على الموضوع فقال: إن نسبة العمالة في بعض دول الخليج تتراوح بين 60 و80%, وهذا الأمر يستدعي بذل جهود إضافية لإعداد القوى العاملة الوطنية إعدادا مهنيا ومهاريا كفوءا بحيث تسهم هذه العمالة في تنفيذ خط التنمية وتسهم أيضا في ترشيد العمالة الوافدة. ولاشك في أن وجود هذه النسبة العالية يؤثر على فرص العمالة الوطنية وتدني الأجور, إضافة إلى تأثيرها على الاقتصاد بشكل عام, فتحويلات العمالة الأجنبية التي تخرج من دول المجلس تقدر بأكثر من 15268 مليون دولار سنويا, كما تبلغ نسبة العمالة الوافدة في الخليج نحو 5.70% قياسا إلى إجمالي قوة العمل, فحجم قوة العمل المواطنة في الخليج أقل من ثلاثة ملايين ونصف المليون والعمالة الوافدة أكثر من خمسة ملايين ونصف المليون. ونظرا لكل ذلك فإن الخطة الموحدة تهدف إلى تبني نظم معلومات سوق العمل في دول المجلس على أسس التقنية الموحدة التي من خلالها يمكن ترجمة الخطط المستقبلية على قواعد سليمة وصحيحة.
إشكالية العمالة الأجنبية بدول التعاون تبقى بلا حل عملي سريع، 15 مليار دولار حجم التحويلات السنوية و70% من إجمالي قوة العمل غير وطنية
