بالنظر الى المكانة التي يستحوذ عليها النفط في عجلة النمو الاقتصادي بدول مجلس التعاون الخليجي, فانه يصبح من الطبيعي التوقع ان تمثل هذه المادة مصدر رئيسي من مصادر التقلب في معدلات نمو الاقتصاد الوطني بدول المجلس. وفيما يخص القطاعين النفطي وغير النفطي تكشف دراسة قام بها احد الباحثين بمركز البحرين للدراسات والبحوث وعلى الرغم من الانجازات العديدة لسياسة تنويع القاعدة الانتاجية, الا ان هذه النسبة تتراجع وعلى نحو ملحوظ بعد السنة الاولى ويعكس هذا التراجع السريع ضعف ترابط القطاعات غير النفطية من جهة وضعف ترابطها الامامي بالقطاع النفطي من جهة اخرى مما يحد من ارتفاع مساهمة النشاط غير النفطي في تفسير تقلبات اجمالي الناتج المحلي, بمعنى آخر, ان أية صدمة يتعرض لها احد القطاعات غير النفطية سوف يقتصر تأثيرها وبشكل اساسي على ذلك القطاع. على العكس من ذلك, فامكانية التقلبات النفطية على تفسير التقلبات في اجمالي الناتج المحلي تنمو وعلى نحو مطرد بحيث ينسب اليها 85% من اجمالي التقلب بنهاية السنة الخامسة. ويرجع السبب في ذلك الى عاملين اساسيين. ينسب اولهما الى حجم التقلبات في النشاط النفطي مقارنة بغير النفطي, وثانيهما الى وجود البحرين بين دول نفطية تتعرض لصدمات مماثلة والى انكشاف بعض القطاعات غير النفطية على اقتصادات هذه الدول. من هذه القطاعات قطاعات الوحدات المصرفية الخارجية و السياحية. اذن فهناك تأثير غير مباشر للصدمات النفطية على الاقتصاد الوطني تسهم في زيادة ومن ثم استمرار تأثيرها على اجمالي الناتج المحلي. وتكشف الدراسة ايضا عن مدى حساسية وانكشاف الاقتصاد الخليجي للصدمات النفطية وغير النفطية, حيث ان حساسية النشاط الاقتصادي للتقلبات تعكس عمق الترابط بين اجمالي الناتج المحلي والقطاع النفطي. ان تعرض اجمالي الناتج المحلي لصدمتين منفردتين نفطية وغير نفطية وبمقدار 5% ينجم عنهما ارتفاع اجمالي الناتج المحلي بمعدل 3.11% و 6.3% للصدمة النفطية وغير النفطية على التوالي. ويلاحظ من ذلك ارتفاع معدل نمو اجمالي الناتج المحلي عند تعرضه لصدمة نفطية مقارنة بمعدل نموه عند تعرضه لصدمة غير نفطية. ومن هنا تبرز اهمية تعزيز نجاح سياسة تنويع القاعدة الانتاجية لدول المجلس. فعلى الرغم من الانجازات العديدة لسياسة تنويع القاعدة الانتاجية الا ان مقدرة القطاعات غير النفطية على تفسير التقلبات في اجمالي الناتج المحلي اقتصرت على الفترة قصيرة المدى. ويتسم تأثيرها بالاتجاه نحو التراجع وبحدة خلال الفترة المتوسطة وبعيدة المدى. فبعد عشر سنوات من تعرض اجمالي الناتج المحلي لصدمة غير نفطية تراجعت مساهمة الصدمات غير النفطية لتبلغ 2.9% من اجمالي التقلب في اجمالي النشاط الاقتصادي في البحرين, في حين ارتفعت نسبة الصدمات النفطية الى اكثر من ثلاثة ارباع, وبالتحديد 9.87%, وهذا يشير بدوره الى ان الاقتصاد البحريني وعلى الرغم من الانجازات العديدة لسياسة تنويع مصادر الدخل مازال اقتصادا نفطيا, تؤكد على ذلك العلاقات الهيكلية التي تحكم العلاقة بين اجمالي الناتج المحلي وقطاعي النفطي وغير النفطي. ويستدعي هذا اهمية الاخذ بسياسات اصلاح هيكلية لتهيئة الاقتصاد البحريني للمرحلة ما بعد النفطية. ان سياسة ترشيد الانفاق الحكومي, أي تقليص معدل تذبذبه مقارنة بتذبذب الايرادات الحكومية حالت دون انتقال آثار الصدمات النفطية الى اجمالي الناتج المحلي غير النفطي. وبالتالي يتضح ان سياسة ترشيد الانفاق (كفاءة الانفاق الحكومي) يمثل عاملا مهما يسهم في استقرار الدورة الاقتصادية غير النفطية. فهذا العامل له تأثير على مرحلتي الانتعاش والتراجع في الدورة الاقتصادية. بطبيعة الحال تستدعي هذه النتيجة الاخذ بسياسة ترشيد الانفاق كعامل مهم لا تقل اهميته عن الانفاق الحكومي ذاته عند تبني سياسة تهدف الى تنشيط الدورة الاقتصادية غير النفطية. فالانفاق الحكومي بحد ذاته غير قادر على نقل النشاط الاقتصادي من مرحلة الركود الى الانتعاش. فاذا افترضنا ان السلطات المالية لا تعير كفاءة الانفاق الحكومي (ترشيد الانفاق) أية اهمية, فان اثار ارتفاع الانفاق الحكومي سيخفف من حدة ركود النشاط غير النفطي لتبلغ 2.1% في العام بدلا من 4.8 % اما في حال الاخذ بسياسة ترشيد الانفاق, فان ذلك سيعزز من مقدرة الاقتصاد على النمو ليبلغ 2.5 % في العام. وهنا تكمن اهمية تركيز سياسة ترشيد الانفاق لا على تقليص الانفاق الحكومي بل على ضرورة زيادة القيمة المضافة لكل دينار ينفق. وبالضرورة ان يرتبط ذلك ببنود الانفاق الحكومي وعلى اهمية تركيز سياسة الترشيد على البنود غير الانتاجية او المرتبطة بالانتاج كالبنية التحتية على سبيل المثال. كما يؤكد اخيرا على ضرورة قيام دول مجلس التعاون الخليجي بتعزيز مقدرات الاجهزة والمؤسسات التي تسهم في تحسين كفاءة تخصيص الموارد المالية والمادية ورفع كفاءة استخدامها وذلك من اجل رفع معدلات الانتاجية المادية والبشرية ككل. حسين محمد