في الوقت الذى انشغلت فيه دول ذات حضارات قديمة بصراعات وخلافات أقعدتها وشلت حركتها وتقدمها على مدى الخمسين عاما الماضية هبت دول أخرى من سباتها غير عابئة بما تواجهه من صراعات لتشق طريقا لها بين الصفوف الأولى للدول المتقدمة على مستوى العالم) . فقد تحولت الهند على مدى السنوات القليلة الماضية فقط من بلاد تركب الأفيال الى قاعدة كبرى لتكنولوجيا المعلومات وصناعة البرمجيات (السوفت وير) وصل حجمها فى الوقت الحالى الى نحو 6.4 مليارات دولار أمريكى. وأصبحت الهند ذات المليار نسمة مقصدا تتوجه اليه الشركات متعددة الجنسية والعاملة فى هذا النوع من التجارة النظيفة الدقيقة التى تدر مليارات الدولارات على المشتغلين بها من الدول والشركات) . ولم تنشغل الهند بالحروب التى خاضتها على مدى الخمسين عاما الماضية عن مواصلة التقدم بل سارت في الاتجاهين معا. فبالرغم من الحروب الثلاث مع جارتها باكستان واستمرار التوتر على حدودها الا انها واصلت برنامجا نوويا بدأته فى عام 1947 لتحصل على عضوية النادى النووى غير متأثرة بأفواه المليار نسمة. ووصلت صناعة تكنولوجيا المعلومات وصناعة البرمجيات في الهند الى معدلات لم تصل اليها من قبل لتحقق مستويات من النمو المركب بلغت نسبته 3.56 في المئة بين الفترة من 1994 الى 1999) . وحققت صناعة البرمجيات في الهند نجاحا غير مسبوق في وقت تضاعف فيه الطلب المحلى على تكنولوجيا المعلومات بعد زيادة استخدامها فى الفترة التى أعقبت تحرير التجارة) . ووفقا لتقارير شركة (ناسكوم) وهي أكبر شركة لصناعة البرمجيات فإن صناعة تكنولوجيا المعلومات فى الهند عام 1999/1998 كانت تعادل 9.3 مليارات دولار أمريكى وقد أستهلك منها السوق المحلى ما قمته 25.1 مليار دولار أمريكى. فاذا ما أخذنا فى الاعتبار ما أنفق على عملية تطوير البرمجيات التى قامت بها العديد من الشركات فإن الرقم الأجمالى سيكون حوالى 6.4 مليارات دولار أمريكي. لقد توسعت سوق البرمجيات فى الهند بمعدل 05.46 في المئة وزادت عائداتها سبعة أضعاف ما كانت عليه في البداية حيث كانت تعادل 230 مليون دولار في عام 1994/93 لتبلغ 25.1 مليار دولار أمريكى في عام 1999/98. ومن المتوقع أن تنتعش بصورة أكبر بعد تطبيق قوانين حقوق الملكية وزيادة الانفاق الحكومى على تكنولوجيا المعلومات لتصل الى معدل زيادة سنوية تبلغ 50 في المئة وهي بهذا ستصل الى عائدات مقدارها 1.4 مليارات دولار أمريكى عام 2002/2001) . وعلى المستوى المحلى في الهند نمت هذه الصناعة نموا ملحوظا في السنوات الأخيرة حيث أنتجت الشركات المحلية الهندية ما يزيد على 122 برنامج كمبيوتر جديدا وأنتجت الشركات الأجنبية العاملة فى الهند ما يزيد على 158 برنامج كمبيوتر جديداً وذلك خلال عام 1999/1998. ولكن صناعة البرمجيات في الهند لم تذهب الى الخارج لتحصل على شهادات جودة فقط بل كانت تحقق مبيعات عالية بعد أن حققت صادراتها زيادة بمعدل 71.60 في المئة وارتفعت العائدات من 3مليارات دولارأ مريكى فى عام 1985 الى 9.3 مليارات دولار عام 2000/99) . وتسارع الهند الخطى فى اتجاه أن تصبح قاعدة لتطوير البرمجيات للشركات الأجنبية. فلم تختر شركة (مايكروسوفت) سوى مدينة حيدر أباد لانشاء أول مركز لتطوير البرمجيات خارج الولايات المتحدة الأمريكية كما تقوم الشركات العملاقة مثل شركة (أى.بى.أم) ' و(نوفيل) و(أوراكل أيهنتى.ان.تى) و (كومباك) بالكثير من أعمال تطوير البرمجيات الخاصة بها في الهند) . وأقتصاديا تعد الهند الآن واحدة من أسرع الأقتصاديات نموا في آسيا بل من الممكن أن تصبح أسرعها فى عام 2001. فقد توقع لها (بنك التنمية الآسيوية) أن تحقق نموا قدره 7 في المئة فى عام 2000 / 2001 فى الوقت الذى يتوقع فيه هبوط معدل النمو الكورى الى 6 في المئة وكذلك الحال بالنسبة للصين) . فإذا ما وصل النمو الى هذه النسبة في الهند سيتضاعف دخل الفرد خلال 12 عاما . وبزيادة معدل النمو الى 8 ـ 10 في المئة فإنه من الممكن أن تنخفض نسبة الفقر الى 15 ـ 20 فى المائة خلال عقد واحد حيث من المتوقع أن يزيد معدل دخل الفرد من 11 ألف روبية (أى مايعادل 266 دولاراً أمريكياً) الى 32 ألف روبية (أى ما يعادل 512 دولاراً) وذلك بحلول بدايات العقد الأول من القرن الحالى) . ولم تقتصر همة ونشاط بلاد الأفيال على المجال النووى وصناعة البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات والاكتفاء الذاتى من الطعام والنمو الأقتصادى بل شرعت الهند هذه الأيام فى الدخول الى مجال الفضاء أيضا حيث تخطط للقيام برحلة الى القمر تدعم أمكانياتها التكنولوجية) . وأزاء ما حققه مجتمع بلاد تركب الأفيال فى مجال تكنولوجيا المعلومات وصناعة السوفت وير (تجارة الملايين السريعة) يتساءل المرء هل يمكن لدول أخرى نامية أن تتحدى مصاعبها وتفعل ما فعلته الهند في مجال البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات. أ.ش.أ