هناك أهداف اخرى عديدة لتشجيع الصناعة من أهمها تنويع مصادر الدخل, فالصناعة تعتبر من أهم مصادر الدخل والامارات تسعى من اجل ذلك وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد, لذلك اتجهت الى قطاع الصناعة وأولته الرعاية لأن الاعتماد على مصدر وحيد للدخل قد يؤدي الى عوائق تعوق عملية التنمية في المستقبل. الا ان الخبراء يرون ضرورة رسم سياسة استراتيجية واضحة لدعم وحماية الصناعة الوطنية تحسبا للمستقبل, فمازالت هناك بعض الأمور التي يجب تطويرها أو التخلص منها لدعم الصناعة الوطنية, فكما تقول الخبيرة الدكتورة سهير السبع في دراسة لها انه منذ بداية التصنيع في الامارات فإن التشابه كان هو السمة المميزة للصناعات التي يتم تأسيسها حيث كان المستثمرون يفضلون تكرار الصناعات التي تثبت جدواها ويوجد طلب فعلي على منتجاتها ورغم ان ظاهرة التقليد أخذت بالتراجع مع زيادة الوعي الاستثماري لدى الافراد ومع انشاء كثير من الصناعات الاجنبية المتنوعة في انشطتها الا ان هيكل المنتجات المحلية لايزال يتسم بالتشابه الى حد كبير رغم ان هناك العديد من الصناعات المجدية اقتصاديا لايزال المستثمرون الصناعيون يحجمون عن دخولها إما لانخفاض مردوداتها الربحية أو لعدم الرغبة في خوض صناعات غير مسبوقة أو لعدم الوعي بأهميتها أو لعدم وجود العوامل المشجعة على اقامتها. وقد انعكس هذا التشابه على زيادة حدة تنافس المصانع المتخصصة في منتجات متشابهة على المستهلكين المحليين. وعلى حين كانت هذه المنافسة ايجابية في بعض الاحيان لاسيما في المراحل الأولى منها حيث أدت الى اتجاه المصانع الى تحسين نوعية المنتجات وتخفيض أسعار البيع أو على الأقل عدم المغالاة فيها, فقد بدت المنافسة ذات أثر هدام في كثير من الحالات خاصة مع اشتداد حدتها إذ كان على كثير من المنتجين المفاضلة بين خيارين إما الحفاظ على مستوى نوعية منتجاتهم والتضحية بنسبة من الربح قد تؤدي بهم الى الخسارة لضمان حصة تسويقية يضمنها التميز النوعي او الاتجاه لتخفيض مستوى الجودة بهدف تخفيض التكلفة ومن ثم تخفيض سعر البيع وضمان حصة سوقية عن طريق المنافسة السعرية ومما يؤسف له ان عددا ملحوظا من المصانع المحلية مر بالمرحلتين تباعا لاسيما في الثمانينيات حين تأثر الطلب المحلي بالتراجع الذي أثر على الاقتصاد الوطني آنذاك, وكان من الواضح انه على حين استفاد المستهلك المحلي من المرحلة الأولى وهي التنافس النوعي فإنه سرعان ما بدأ يتضرر بفعل الاتجاه للمنافسة عن طريق تخفيض الاسعار والمواصفات. وقد كان غياب المواصفات والمقاييس المحلية حتى منتصف السبعينيات من العوامل التي شجعت المصانع على الاتجاه لتخفيض النوعية وعندما بدا واضحا ان المستهلك أصبح الضحية الاساسية للتنافس بين المنتجين المحليين بدلا من ان ان يكون المستفيد الاوحد من المنافسة كما هو الحال في النظريات الاقتصادية ثم تأسيس دائرة المواصفات والمقاييس بوزارة الصناعة والمالية وفقا للقانون الاتحادي رقم 14 لسنة 1976 حيث كان الهدف منها وضع ونشر ومراجعة تطبيق قواعد التوحيد القياسي والمواصفات والمقاييس وضبط وتعديل الجودة من خلال التنسيق بين الجهات المختلفة التي تقوم بانتاج وتوزيع واستهلاك المواد الاولية والمنتجات الصناعية, رفع مستوى الكفاءة الانتاجية وتحسن سمعة المنتجات الوطنية وتعيين الوسائل القياسية للعمل والانتاج, حماية المستهلك من الغبن والغش والمحافظة على الارواح والسلامة العامة. وتشير الدكتورة سهير السبع الى ان انفتاح الاسواق المحلية على الاستيراد من كل دول العالم كان له دور مهم في تغطية الطلب السوقي المتزايد على السلع والخدمات ورغم ان التنافس بين الواردات كان لصالح المستهلك حيث أدى احيانا الى تخفيض أسعار هذه المنتجات في الاسواق المحلية, الا ان المنافسة بين الواردات والبدائل المنتجة محليا كانت في كثير من الاحيان ذات مردود سلبي حيث كان العديد من هذه الواردات في مركز تنافسي أقوى كثيرا من مثيلاتها المحلية بحكم المعطيات والظروف المتوافرة للاستثمار الصناعي في الدول المستوردة منها سواء من حيث انخفاض تكلفة الانتاج أو عمق التجربة الصناعية التي تنعكس على رفع مستوى سمعة العلامات التجارية العالمية أو جودة مواصفاتها. ورغم عدم عدالة المنافسة بين المنتجات المحلية والمستوردة فقد استطاع الكثير من المستثمرين الصناعيين المحليين الصمود في وجه طوفان السلع المستوردة ورفع مستوى منتجاتهم وتخفيض تكلفتها بأساليب شتى كان من أهمها استيراد التقنيات الصناعية المتقدمة أو الشراكة مع منتجين عالميين لتصنيع منتجاتهم التي تحظى بقبول وسمعة عالمية, والتغلب على محدودية حجم الانتاج التي تسبب رفع مستوى تكلفة الوحدة بالتصدير للخارج. وقد أدى ذلك بدوره الى المزيد من رفع مستوى المواصلات وزيادة التمسك بتطبيق المستويات القياسية العالمية للسلع المنتجة في الدولة. وكان المستهلك المحلي مستفيدا من جراء ذلك من تحسن مواصفات المنتجات المحلية وانخفاض تكلفتها ومن ثم أسعارها. وتضيف د. سهير السبع: غير ان هذا الجانب الايجابي لا ينفي ان المنافسة بين المنتجات المحلية والواردات قد أضرت بعض الصناعات الناشئة التي لم تتمكن من الصمود, كما نفّرت بعض المستثمرين من الاستثمار الصناعي واتجهت بهم الى استثمارات بديلة أقل جهدا وأكثر عائدا, ومن ناحية اخرى فإن السوق المحلية المفتوحة والتسهيلات العديدة التي تشجع على الاستيراد ساعدت على اغراق أسواق الامارات بالواردات التي تتباين مستوياتها النوعية. وساعد غياب الرقابة على الواردات وعدم التزام المستوردين بالمواصفات الخليجية على ايجاد فرص واسعة أمام الواردات متواضعة النوعية التي استطاعت في كثير من الاحيان ان تغري المستهلك بتفضيلها على المنتجات الأعلى نوعية سواء كانت منتجة محليا أو مستوردة, باعتبار ان الأخيرة هي الأعلى سعرا. وقد ساعد على ذلك نقص الوعي الاستهلاكي لدى قاعدة عريضة من المستهلكين المحليين التي لا تتوافر لديهم معايير تقييم السلع المعروضة أو الذين يركزون على استهلاك المنتجات الأرخص سعرا بحكم تواضع مستوى دخولهم. وفي نقطة أخرى تؤكد دراسة الدكتورة سهير على ان اتفاقية حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة تشكل تحديا ساخرا أو خطرا حقيقيا على الصناعات الوطنية بسبب الرسوم العالية التي تفرضها عليها مما يرفع تكاليف المنتجات محلية الصنع لصالح الاستيراد من الشركات متعددة الجنسية وبذلك تزداد قوة المركز التنافسي للمنتجات الاجنبية في الاسواق المحلية شأنها شأن بقية اسواق الدول العربية وانطلاقا من ذلك اخطرت الامارات رغبتها في تأجيل تطبيق بنود هذه الاتفاقية حتى العام الحالي 2000 ويعتبر قطاع الصناعات الصيدلانية من اكثر القطاعات تضررا من تطبيق اتفاقية حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة في السوق المحلية والسوق العربية عموما. وترجع اهمية هذه الصناعة الى انها تعتبر من الصناعات الاستراتيجية نظرا لدورها في تأمين العلاج الرخيص محليا لقطاع عريض من المواطنين بدلا من الاعتماد التام على استيراد الدواء الاجنبي المرتفع التكلفة لدرجة ترهق المريض العربي وموازين المدفوعات العربية على حد سواء ولذلك اخطرت الامارات المنظمة بتأجيل تطبيق اتفاقية المواد الصيدلانية حتى عام 2005 وذلك لمنح صناعة الدواء المحلية فرصة افضل لرفع مقدرتها التنافسية الى درجة تمكنها من الصمود في وجه المنافسة الأجنبية لما في ذلك من حماية للمستهلك المحلي من ارتفاع أسعار الدواء الاجنبي. ولعل من اهم المزايا التي يتوقع ان تعود على المستهلك المحلي من انضمام الدولة الى منظمة التجارة العالمية زيادة الخيارات الاستهلاكية المتاحة في السوق المحلية حيث يمكن ان تؤدي زيادة حدة المنافسة بينها الى تحسين النوعيات او تخفيض الاسعار. يضاف الى ذلك ان الانضمام للمنظمة سيكون من شأنه زيادة شفافية المعلومات ومن ثم زيادة دقة المعلومات المطلوبة لاتخاذ القرارات الاستهلاكية وتسهيل التوصل للقرارات الافضل بالنسبة للمستهلك والمنتج على حد سواء. وترصد دراسة علمية لبلدية دبي انه بالرغم من انشاء دوائر التنمية الصناعية في غالبية امارات الدولة بهدف توفير كافة الامكانات الرامية والهادفة لدعم النشاط الاقتصادي وخاصة النشاط الصناعي وتأهيلها لمرحلة جديدة من الانطلاق نحو مسيرة التنمية الشاملة الا ان هناك العديد من الجهات المختلفة تشارك في عملية التنمية الصناعية بدون هدف واضح لما تبلور عنه ان اصبحت جميع هذه الجهات لم تقم بإعداد استراتيجية شاملة واضحة البنود يلتزم بها القطاع الصناعي او اعداد خطة محدودة للتنمية الصناعية او القيام بالدراسات الصناعية القابلة للتنفيذ التي تخدم الامارة بشكل فعال على الرغم من وجود بعض الدراسات والتي تتم بشكل منفرد لا تجد اي صدى من الدوائر الاخرى. واضافت الدراسة ان الخطط المحلية التي اعلن عنها لم تتجاوز كونها خطوطا عامة او مجموعة من المؤشرات المتوقعة او المأمولة التي لا يوجد ما يلزم قطاع الصناعة بالالتزام بها مشيرة الى ان وجود الاستراتيجيات العامة للتنمية التي تمت خلال السنوات السابقة من قبل بعض الدوائر الاقتصادية والتي تعبر عن مجموعة من الأهداف والسياسات العامة لا يمكن ان تغني عن ضرورة وجود استراتيجية واضحة ومحددة للتنمية الصناعية بحيث يمكن على اساسها اعداد وبناء الخطة الصناعية وحل الكثير من القضايا والمشكلات التي تعترض عملية الاعداد والتنفيذ مثل نظام الاولويات لاختيار المشاريع الصناعية وتحديد دور القطاع الحكومي والقطاع الخاص في تنفيذ الخطة. واشارت الدراسة التي اعدها قسم الدراسات بإدارة التخطيط انه في ظل الاستراتيجيات العامة للتنمية جاءت الخطط الصناعية مجرد توليفة من المشروعات الصناعية التي تفتقر الى كثير من الترابط والتنسيق فيما بينها وبين المشروعات في القطاعات الاخرى وذلك نتيجة الخلط بين استراتيجية التنمية واستراتيجية التنمية الصناعية مؤكدة الحاجة الى وجود خطة اتحادية شاملة لحماية الصناعة المحلية من التضارب والازدواجية القائمة, حتى في ظل وجود ادارات التنمية الصناعية للاهتمام بمستقبل الصناعة وتحقيق التنسيق الفعال بين جميع الدوائر المهتمة بالقطاع الصناعي ووجود خطة خاصة بالتنمية الصناعية. وتؤكد دراسة للباحث الاقتصادي زكريا زقوت بوزارة المالية والصناعة ان اهتمام الدولة بقطاع الصناعة التحويلية جنبا الى جنب مع الاهتمام بقطاع الصناعات البتروكيماوية قد أعطى ثماره في السنوات الأخيرة لامتصاص الآثار السلبية التي نتجت عن تقلبات اسعار النفط الخام حيث اخذت شركة ابوظبي الوطنية على عاتقها تطوير الصناعات البتركيماوية باعتماد معيار القيمة المضافة لتتمتع بميزة تنافسية في السوق العالمية في مجال تقطير النفط والذي سيزداد عليه الطلب العالمي مستقبلا حيث اعلنت ادنوك في اواخر عام 96 عن تعاقدها مع شركة بورليس الاسكندنافية لبناء أول مصنع بتروكيماويات لها في الرويس لانتاج مادة البولثيلين والاثيلين منخفض وعالي الكثافة. ويشير الباحث ان الامارات اقدمت على هذه الخطوة لتحاشي تقلبات اسعار النفط الخام مستقبلا مشيرا الى ان هذا المصنع سيلعب دورا مهما وحيويا في تنمية قطاع الصناعة بالدولة من خلال الاخذ بأسلوب المناولة بالنسبة لتقديم المواد الخام الاساسية للصناعات الكيماوية بالدولة والتي تحتل مكانة كبيرة في المساهمة في تنوع الدخل القومي بالنسبة للصناعات التحويلية ويمكن ان يؤدي نفس الدور الذي لعبته سابك لتنمية هذا القطاع في المملكة العربية السعودية. وفيما يتعلق بالسمات العامة للمنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة بالامارات يوضح ان هذه الصناعات تتسم بالتنوع لتغطي كافة الانشطة الصناعية. وانخفاض نسبة العمالة الوطنية في هذه المنشآت وانعدام التشابك الصناعي بين هذه المنشآت. واشار التقرير الى ان من ابرز الاختلالات الهيكلية هو ضعف او انعدام التشابك الصناعي وغياب التكامل بين الانشطة الصناعية خاصة (الصناعات التحويلية) حيث لا توجد عمليات صناعية تستكمل حلقات التصنيع مع صناعات اخرى ـ ولا يوجد تعاقد من الباطن مع صناعات صغيرة او محلية بل يتم استيراد المستلزمات السلعية للانتاج من الخارج. ولاحظ التقرير ان الانتاج الصناعي لايزال يتم في الصناعات الامامية او الوسطى ـ اي في المرحلة الاولى والثانية من السلسلة الانتاجية ولا تصل الى المرحلة النهائية للسلسلة إلا منتجات قليلة بالاضافة الى غياب العديد من المنتجات في وسط السلاسل مما يدل على تسرب الآثار الانعاشية للقطاع الصناعي الى الخارج ويترتب على ذلك انخفاض قوى الدفع الأمامية والخلفية للصناعات المحلية. وكما يؤكد محمد علي بن زايد وكيل وزارة المالية والصناعة المساعد لشئون الصناعة ان القطاع الصناعي بالامارات استطاع ان يحقق تقدما ملحوظا خلال السنوات القليلة الماضية عبر تنويع الصناعات المتوسطة والخفيفة القائمة في المنشآت الصناعية الأمر الذي يعزز من مكانة وتنمية المنتج المحلي وتهيئته لمواجهة المنافسة في كل حرية التجارة التي تسود اسواق العالم وبالتالي تشجيع ودعم الصادرات الوطنية وتعريف الاسواق الاقليمية والعالمية بها. فارتفاع عدد المنشآت الصناعية من 1241 منشأة صناعية في العام 1995 الى 1859 في العام 99 يؤكد ان النشاط الصناعي بصورة خاصة والنشاط الاقتصادي بصورة عامة يسيران في خطى ثابتة نحو الامام تماشيا مع المتغيرات التي طرأت على المنطقة. وزارة الصناعة من جانبها تدرس انشاء هيئة لتنمية وتنشيط الصادرات الصناعية والوطنية لدعم وتشجيع المصدرين المحليين للخروج الى الاسواق العالمية التي تعتبر فرصة لتنشيط وتطوير الصناعة الوطنية. وبنظرة تفاؤل يرى بعض الخبراء ان الصناعة الوطنية بالدولة قد اعتادت على المنافسة الاجنبية واستطاع الكثير منها ان يحقق نجاحات كبيرة ويغزو الاسواق العربية والاجنبية منذ فترة غير قصيرة لذلك لن تكون هناك مشكلات كبيرة امام هذه الصناعات في ظل الظروف الاقتصادية الدولية الجديدة. اعداد: عادل السنهوري
التنمية الصناعية بالامارات استراتيجية لا بديل عنها 2-2 ، ضرورة رسم سياسة واضحة لدعم وحماية الصناعة الوطنية تحسباً للمستقبل
