بدأ خلال السنوات القليلة الماضية اهتماما ملحوظاً بالقطاع الصناعي بالدولة وضرورة دعم هذا القطاع الذي يعكس بالضرورة مدى قوة الاقتصاد الوطني في ظل خضم التطورات الاقتصادية العالمية واتجاه الدولة إلى دعم انتاجها المحلي. فالصناعة ـ كما يؤكد الخبراء ـ تعد من اهم القطاعات الاقتصادية في الوقت الحالي بما لها من دور فعال في عملية التنمية الاقتصادية واولت الدولة لقطاع الصناعة اهمية كبرى فهذا القطاع تعتمد عليه اغلب الدول في تحقيق التنمية والتطور الاقتصادي وتقدم الدول يقاس اليوم بقوة ومستوى صناعاتها فكلما كانت صناعاتها متطورة وتعتمد على التكنولوجيا الحديثة ولديهاالقدرة على منافسة الصناعات العالمية فإن ذلك يعني ان الدولة تمتلك قوة صناعية واقتصادية تستطيع ان تتبوأ مكانتها على الخارطة الاقتصادية العالمية. ووفقاً لتقرير حديث حول النشاط الصناعي بالدولة فقد شهد العام 1999 تحسنا ملحوظاً في الاداء الاقتصادي مقارنة مع العام 1998 وبلغ الناتج المحلي الاجمالي عام 99 نحو 190 مليار درهم مقابل 173 مليار العام 98 وبمعدل نمو بلغ 10% وبلغت نسبة اسهام قطاع الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الاجمالي 16.6%. وتوضح الارقام ان عدد المصانع العاملة والمقيدة في السجل الصناعي قد ارتفع من 705 مصانع العام 90 إلى 1859 مصنعا العام 99 بزيادة قدرها 163% وتفاوتت نسبة النمو السنوي في عدد المصانع من عام لآخر حيث بلغ اعلى مستوى لها العام 92. اما المعدل السنوي للزيادة خلال الفترة ما بين 90 ـ 99 فقد بلغ 1.4%. وفي الواقع ان الامارات اولت منذ نشأتها اهتماما خاصاً بقطاع الصناعات التحويلية ودأبت على تنميته وتطويره وتشير المؤشرات الاحصائية ان هذا القطاع بلغت نسبة اسهامه في الناتج الاجمالي 15.2% وهي نسبة لا بأس بها غير انه من المتوقع ان تتباطأ نسبة النمو اذا لم يحدث تطور في انفتاح الاسواق الخليجية والعربية وتفعيل زيادة معدلات التجارة البينية بين مختلف الدول العربية. ويشير تقرير لمصرف الامارات الصناعي إلى ان قطاع الصناعة التحويلية في الدولة حقق تقدماً ملحوظاً بحيث اصبح يحتل المرتبة الثانية بعد التجارة من حيث الاهمية في الاقتصاد غير النفطي لدولة الامارات موضحاً انه على الرغم من ان الصناعة التحويلية لن تتمكن من ان تحتل المرتبة الاولى في الاقتصاد غير النفطي في السنوات القليلة المقبلة الا انها تتمتع بنمو واعد بالنظر للموقع الاستراتيجي للدولة والبنى التحتية والاسواق المفتوحة وازدياد عدد السكان ونمو القطاعات غير النفطية وقد بلغت الدولة مرحلة من الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات الصناعية والتي حلت محل الواردات الاجنبية ووصلت القيمة المضافة للصناعة التحويلية إلى 20.8 مليارات درهم في العام 98 على الرغم من انخفاض الناتج المحلي في ذلك العام الا ان الصناعة التحويلية استمرت في التوسع وتقدر نسبة النمو المحققة بنحو 2%. ويوضح تقرير للمصرف الصناعي ان حجم رأس المال المستثمر بالصناعة التحويلية بالدولة بلغ عام 98 نحو 7.12 مليار درهم عن عدد مصانع تقدر بنحو 1598 مصنعاً وعمالة تقدر بـ 152 الف عامل حيث مازالت الشارقة تأتي في المرتبة الاولى من حيث عدد المصانع تليها دبي وابوظبي ثم رأس الخيمة ويشير إلى انه في العام 98 تم اضافة 137 مصنعاً وهو نفس عدد المصانع الذي اقيم عام 97 تقريباً كما سجلت الايدي العاملة نسبة نمو بلغت 20% في عام 98 حيث تركز اغلبها في قطاع صناعة المنتجات الكيماوية. اما في مجال السلع الاستهلاكية فإن صناعة الاغذية والمشروبات تحتل موقعاً مميزاً حيث حققت هذه الصناعات نجاحاً مهماً في عملية الاحلال محل الواردات كما استطاع قطاع النسيج والملبوسات تحقيق تقدم في السوق المحلية على الرغم من انه قائم اساسا على التصدير. ووفقاً للتقرير تتوزع المصانع بشكل متساو تقريباً على مختلف قطاعات الصناعات التحويلية فيما عدا صناعة الآلات. ويتضح ان اكبر القطاعات الصناعية سواء من حيث عدد المنشآت او العمالة المشتغلة هما قطاع المنتجات الكيماوية وقطاع صناعة المعادن غير الحديدية فكلاهما مرتبط بقطاع التشييد والبناء, كما انهما من اوائل القطاعات الصناعية التي قامت في الامارات بعد الطفرة النفطية الثانية في بداية الثمانينيات ويتميز قطاع الصناعة التحويلية باعتماده على الكثافة العمالية الى حد ما. ووفقا للتقرير ايضا فإن دبي والشارقة حافظتا على موقعهما المتقدم في مجال الصناعة التحويلية في الامارات, أما أبوظبي فإنها تستحوذ على المشاريع الصناعية العملاقة في حين تنتشر المصانع الصغيرة في الامارات الشمالية الأخرى, فعجمان الأصغر حجما بين الامارات تتميز بكثرة المصانع الصغيرة التي انشئت في التسعينيات وأغلبها مصانع منتجة للملابس الجاهزة. وتؤكد دراسة لبلدية دبي ان الصناعة تلعب دورا مهما في اقتصاد امارة دبي سواء على مستوى الانتاج أو الناتج المحلي المحقق ويتميز بقدرته على خلق فرص العمل بطريق مباشر وغير مباشر من خلال الروابط الأمامية والخلفية للقطاعات الأخرى وزيادة كفاءة الاقتصاد ككل. وبدأ يبرز دور الصناعة في اقتصاد امارة دبي في نهاية الستينيات حيث بدأ انشاء المناطق الصناعية وازداد دورها أهمية مع انشاء المنطقة الحرة لجبل علي عام ,1985 فقد ارتفعت مساهمة الصناعة في الناتج الكلي حتى وصلت الى 11% عام ,1985 وبدأت تزداد تدريجيا حتى وصلت مساهمة الصناعة في الانتاج الكلي الى 3.20% عام ,1991 ولكن مع زيادة استمرار الاهتمام بقطاع التشييد والبناء نتيجة النهضة العمرانية التي تشهدها الامارة خلال التسعينيات كان له أثره السلبي على تخصيص الاستثمارات الكافية لقطاع الصناعة مما أدى الى تباطؤ الانتاج الصناعي حتى وصلت مساهمة قطاع الصناعة في الانتاج الكلي الى 2.21% عام ,1994 ثم زادت هذه النسبة الى 26% عام 1997. وبمقارنة قيمة الانتاج في القطاعات الاقتصادية الأخرى خلال الفترة من 1985 الى 1997 يتضح انه يمثل المركز الثاني بعد قطاع التجارة من حيث أهميته النسبية لاجمالي الانتاج المحقق. وارتفع نصيب الصناعة في القيمة المضافة المتولدة على المستوى الكلي من 2.4% عام 1985 الى 7.16%, الا انها عادت الى الانخفاض اعتبارا من عام ,1997 حيث وصلت الى 6.11% عام 1997. ويعتبر قطاع الصناعة المصدر الثاني من بين القطاعات السلعية للدخل المحلي بعد قطاع التجارة والفنادق مباشرة حتى عام 1990 والثالث بعد قطاع التمويل والتأمين عام 1992. وبعد قطاع النقل والاتصالات عام ,1994 ثم احتل المرتبة الثانية بعد قطاع التجارة ابتداء من عام 1995 حتى الآن. وينمو الدخل بين القطاعات السلعية ومن بينها قطاع الصناعة بمعدل ابطأ من معدل نمو القطاعات الخدمية, وزادت الاهمية النسبية للعاملين في قطاع الصناعة حيث أصبحت 15% عام 1992 بعد ان كانت 2.9% عام 1998 ثم أخذت في الارتفاع تدريجيا حتى وصلت الى 5.19% عام ,1997 وهذا يدل على مدى أهمية قطاع الصناعة في تشغيل نسبة كبيرة من القوى العاملة بعد قطاعي التجارة والبناء والتشييد وتدفع الصناعة أجورا للقوى العاملة تبلغ 8.10% على المستوى الكلي عام 1997 بعد ان كانت 6.8% عام ,1985 وحظي القطاع الصناعي على نسبة لا يستهان بها من الاستثمارات لا تقل عن خمس الاستثمارات الكلية على المستوى الكلي حيث ازدادت هذه الاستثمارات خلال الفترة من 1993 الى 1996 بمعدل سنوي يصل الى 8.8% بينما انخفض معدل النمو الى 6% عام 1997. ومن العوامل التي أثرت على حجم الاستثمارات المنفذة خلال السنوات الأخيرة, ضآلة العملة الاجنبية نتيجة انخفاض أسعار البترول, زيادة فاعلية اجتذاب القطاع الخاص لمجالات الاستثمار العقاري والسياحي والتجاري, زيادة قدرات الوحدات الانتاجية على تحقيق فوائض تستخدم في تمويل قدر من الاستثمارات ذاتيا. وتشير دراسة بلدية دبي الى ان تعبير الاستراتيجية تطور مع تطور العلوم الاجتماعية ولم يعد قاصرا على الاستخدام العسكري فقط, ولذلك فاستراتيجية التنمية الصناعية يقصد بها الاسلوب أو النهج الذي تتبعه الجهات القائمة على التصنيع لتحقيق التنمية الصناعية وتكون مترابطة مع حركة التنمية في القطاعات الأخرى ولذلك فقد عرف أدب التخطيط والتنمية استراتيجيتين أساسيتين للتنمية هما استراتيجية النمو المتوازن واستراتيجية النمو غير المتوازن, ذلك ان الأهداف الهامة للقطاع الصناعي قد توضع على أساس نمو متوازن أو غير متوازن مع القطاعات المختلفة, ويأتي تحديد الأهداف العامة للقطاع الصناعي بعد تحديد الرؤية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع, وعلى ضوء هذه الاهداف يتم اختيار الاستراتيجية الملائمة التي يمكن من خلالها تحقيق الأهداف. وتشترك جميع الدول في الاهداف العامة للتصنيع وزيادة متوسط دخل الفرد, زيادة العمالة, الا ان الاستراتيجية تختلف من بلد الى آخر, بل تختلف في البلد الواحد من وقت لآخر لأن الاستراتيجية المطلوب تنفيذها تختلف حسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يمر بها البلد حسب مراحل النمو, ويمكن التمييز بين عدد من استراتيجيات التنمية الصناعية ليس فقط بالاعتماد على الأهداف ولكن ايضا على أساس السياسات والتدابير والاجراءات التي شاع استخدامها في مجالات التنمية الصناعية وهذه الاستراتيجيات هي استراتيجية الاحلال محل الواردات واستراتيجية التصنيع من أجل التصدير. وبالتطبيق على الامارات يلاحظ ان التنمية الصناعية مرت بعدة مراحل مختلفة, المرحلة الأولى خلال الفترة من 1973 الى 1985 شهدت الصناعة نموا سريعا لتلبية الطلب المتنامي الذي افرزه تطور البنية التحتية في البلاد بينما اعتمدت كافة القطاعات الاقتصادية خلال تلك الفترة على الواردات لتلبية احتياجاتها فقد كان من الصعب استيراد المنتجات المرتبطة بقطاع التشييد والبناء نظرا لحجمها وخصوصيتها وعليه فقد كانت مصانع مواد البناء وورش الحديد ومصانع الالمنيوم والزجاج والاصباغ من أوائل الصناعات التي اقيمت في الدولة ثم يلي ذلك تطور قطاع الاغذية والمشروبات وبشكل خاص الواردات من الاغذية سريعة التلف غير ان اغلب المصنعين يقومون باستيراد المواد الأولية حيث تكمن القيمة المضافة في عملية المعالجة والتكليف وينطبق الامر نفسه على قطاع الصناعة الكيماوية التي تقوم بخلط ومزج المواد الأولية المستوردة. واستطاعت الصناعات التي انشئت للاحلال محل الواردات ان تنافس العديد من العلامات التجارية في السوق المحلية وان يعتمد عليها المستهلك النهائي والاستغناء عن المنتج المستورد. اما المرحلة الثانية من 86 حتى 1998 فقد تميز النمو الصناعي بعاملين مهمين, الأول تمثل في الاحلال محل الواردات والثاني في تأسيس الصناعات الموجهة للتصدير. ولكن بتلك المرحلة شهدت تباطئا في تأسيس مصانع مرتبطة بقطاع التشييد والبناء بسبب فائض الطاقة الانتاجية المتوفرة والتي اجبر بعض المصانع على التوقف عن الانتاج في منتصف الثمانينات اما التوجه الخاص بالاحلال محل الواردات فقد كان اكثر بروزا في قطاع السلع الاستهلاكية وبالاخص في قطاع صناعة الاغذية والمشروبات وصناعة الاثاث الى جانب الصناعات الورقية. واستطاع كل من القطاعين العام والخاص بالدولة ان يحقق نجاحا في تأسيس صناعات تلبي طلب الاسواق العالمية وبالتالي تم تأسيس قاعدة صناعات تصديرية من خلال تطوير العديد من المناطق الحرة في الامارات وبالاخص اقامة العديد من الوحدات الصناعية في المنطقة الحرة لجبل علي. اذن الملاحظ ان العقد الأخير شهد اهتماما خاصا من قبل الدولة بالهيئة الصناعية فقد وفرت الامارات حوافز للاستثمار الصناعي حيث نص قانون تنظيم شئون الصناعة على حق حصول المستثمر على حوافز من قبل الاستثمار تشمل العون الفني وتوفير البيانات والمعلومات والمساهمة في بعض نفقات دراسة الجدوى الاقتصادية والفنية للمشروع ومنحت المشاريع الصناعية اعفاءات من الرسوم الجمركية على وارداتها من الاثاث والمعدات وقطع الغيار ومواد البناء التي تحتاجها والمواد الاولية اللازمة للانتاج واعفاء صادراتها من رسوم التصدير اضافة الى عدم وجود ضرائب على ارباح المشاريع الصناعية وتم انشاء احدى عشرة منطقة صناعية رئيسية وهناك ثلاث مناطق قيد الانشاء حاليا في المصفح والعين والرويس ويعطي الاعلان عن رفع رأسمال شركة الصناعات 4 مليارات درهم في ديسمبر 98 من خلال شراكة حكومتي ابوظبي ودبي والتي ستكون اكبر شركة صناعية في الدولة دليلا قويا على الرغبة في اقامة مشروعات صناعية ضخمة وبداية لتطور نوعي في التنمية الصناعية في الدولة. وقد شهد العالم الحالي تطورات صناعية مهمة شملت عددا من القطاعات الصناعية. ففي مجال صناعة الالمنيوم شهد العام الحالي تطورين مهمين الأول مشروع التوسع الذي نفذته شركة دبي للالمنيوم. دوبال والذي بدأ في يناير 1998 وانتهى في اكتوبر الماضي حيث بلغت تكلفته الاجمالية 725 مليو دولار. كما ان ارتفاع الطاقة الانتاجية لمصهر دوبال من 369 الف طن الى 536 الف طن قد جعل شركة دوبال اكبر مجمع صهر للالمنيوم في الشرق الاوسط. حيث بلغت صادرات الشركة عام 1998 نحو 250 الف طن في الاسواق الاوروبية والآسيوية, كما انتجت هذا العام 400 الف طن من الالمنيوم وحصلت على شهادة ايزو 14001 خلال عام 1998 للجودة. وقد اعلن عن تأسيس شركة المنيوم الخليج لاقامة مصنع لدرفلة الالمنيوم في دبي حيث ستقوم هذه الشركة بانتاج رقائق الالمنيوم في دبي التي تستخدم في تغليف المواد الغذائية والادوية وغيرها وتبلغ التكلفة الاجمالية للمشروع 18 مليون دولار امريكي وينتج المصنع نحو 22 الف طن سنويا. واعلن مؤخراً في دبي عن انشاء مصنع للصناعات الدقيقة لقطاعات النفط والبتروكيماويات والمياه والصناعات الاخرى المرتبطة بها بتكلفة بلغت 81 مليون درهم اي نحو 22 مليون دولار امريكي وكذا انشاء مصنع اكياس شاي ليبتون في المنطقة الحرة بجبل علي بعد ان قررت شركة ليبتون اختيار دبي مركزا اقليميا لانتاج وتسويق الشاي في منطقة الخليج والشرق الاوسط. واعلنت شركة دبي للاستثمار عن عزمها انشاء مصنع لعصر البذور الزيتية بقيمة 50 مليو دولار ومصنعا لانتاج قسم الكوك البترولي في دول مجلس التعاون الخليجي. كمااعلن في دبي قرار الحكومة الخاص باعفاء المنشآت الصناعية في الامارة من رسوم التسجيل وخفض رسوم البلدية الى 5 بالمئة والعودة برسوم غرفة تجارة وصناعة دبي الى المستويات السابقة حيث استفاد من هذا القرار نحو 829 منشأة صناعية. اعداد: عادل السنهوري
التنمية الصناعية بالإمارات استراتيجية لا بديل عنها ، توقعات بتحقيق نسب نمو جيدة في قطاع الصناعات التحويلية في السنوات المقبلة
