يتجه قطار الخصخصة في مصر بسرعة إلى المدن الجديدة, حيث بدأت وزارة الإسكان في إعداد دراسات عن تحويل ملكية أراض ـ منشآت المدن الجديدة للقطاع الخاص بحيث يتولى إدارة المرافق والخدمات والتوسع المستمر. وإضافة المزيد من الوحدات السكنية.. مشروع الخصخصة يتضمن أيضا تقسيم ملكية المدينة الواحدة بين أكثر من مستثمر بحيث تتولى كل جهة خاصة إدارة جزء من المدينة وتخضع في النهاية لإشراف عام من جانب الحكومة. وعلى الرغم من أن المشروع لايزال في إطار إجراء الدراسات والتقييم إلا أنه أثار الجدل حوله بشدة.. في البداية يقول: د. محمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان والتعمير: فكرة إنشاء المدن الجديدة حول القاهرة بدأت منذ عام 1976 عندما فكرت الهيئات التخطيطية في إنشاء هذه المدن لاستيعاب التكدس السكاني المتزايد بالقاهرة.. وكان التخطيط يستهدف أن تستوعب هذه المدن مليوني نسمة.. وهو العدد الذي أكدت الإحصائيات السكانية أن القاهرة سوف يزداد سكانها خلال عشر سنوات بإجمالي 2 مليون نسمة.. وبدأنا إنشاء هذه المدن بمدينة السادات وهي القريبة من محافظة المنوفية وتوالى إنشاء المدن الجديدة مثل 6 أكتوبر والعاشر من رمضان ومدينة الشروق والعبور والشيخ زايد ومدينة بدر.. لكن هذه المدن لم تستوعب الزيادة المستمرة في أعداد السكان بالقاهرة.. وذلك لأن هذه الزيادة كانت رهيبة.. بالإضافة إلى أن عددا كبيرا من أصحاب الوحدات السكنية بالمدن الجديدة فضلوا الاحتفاظ بها مع البقاء في مساكنهم القديمة بالقاهرة وذلك تحت زعم تأمين مستقبل أولادهم.. وهذا الفكر الغريب أضر بهذه المدن وجعلها تؤدي رسالتها على الوجه الأكمل.. ولتوضيح الصورة أكثر.. فإن أحياء المدن الجديدة لا يسكنها إلا عدد قليل من الناس وقد تجد عمارة كاملة لا توجد بها إلا شقة واحدة ساكنة والباقي أغلقه أصحابه وظلوا بالقاهرة.. الأمر الذي أدى إلى عزوف المستثمرين الصغار عن إنشاء مشروعاتهم الصغيرة في هذه المدن وبالتالي اختفت الخدمات.. فلا توجد محلات أو أطباء أو أماكن خدمية.. وهو ما انعكس على استقرار الناس بهذه المدن.. ومن هنا جاء التفكير في إعطاء القطاع الخاص فرصة لترويج هذه المدن والتعامل معها على أساس وحدات مستقلة. وكيف تتم هذه الخصخصة.. هل تتنازل الدولة عن إدارة المدينة ويتولى القطاع الخاص تعيين رؤساء هذه المدن أم تظل سيطرة الدولة عليها؟ يقول وزير الإسكان: سوف تظل سلطة الدولة قائمة على هذه المدن وسوف نقوم بتعيين رؤساء المدن الذين سوف تكون لهم مطلق السلطات بالتنسيق مع الشركات الخاصة المالكة لهذه المدن.. لكن لتوضيح شكل الخصخصة الذي اقترحه فإنه يستند على تقسيم المدينة إلى مجموعة من الخدمات.. تتولى الشركات تقديمها لسكان هذه المدن.. بمعنى أنه سيتم إسناد قطاع التشييد وتوسيع رقعة المدينة وإضافة وحدات سكنية جديدة لشركة مقاولات متخصصة.. وقطاع الحدائق والمتنزهات لشركة أخرى.. وقطاع النقل الداخلي لشركة متخصصة.. وقطاع النظافة في الأحياء بالمدن لشركة أخرى.. وهناك قطاعات أخرى مثل قطاع خدمات التسوق وقطاع الأمن الغذائي. وكل هذه القطاعات سوف يتم طرحها على الشركات المتخصصة في هذا المجال بحيث يكون جهاز المدينة هو المسئول عن التنسيق بين هذه الشركات وتحقيق الانسجام في عملها ووضع ضوابط العمل و تصحيح الأخطاء.. والدولة ستكون مسئولة عن تأمين الخدمات الأساسية مثل توصيل المرافق كالماء والكهرباء وإنشاء المدارس وبالطبع توفير الخدمات الأمنية وحماية المواطنين وممتلكاتهم.. لكن ما هو ضمان ألا تنحرف الخصخصة عن مسارها وتتحول إلى احتكار للخدمات؟ كل شركة من هذ ه الشركات سوف تكون مسئولة عن القطاع الذي تتولاه بمفردها لمدة معينة لا تتجاوز خمس سنوات.. يكون من حق وزارة التعمير بعدها فتح المجال أمام شركات أخرى لدخول نفس المجال بحيث تتحقق المنافسة ويستفيد المواطن في النهاية.. لكن هذا لا يعني أننا سوف نبيع هذه المدن للشركات الخاصة لكن ما سوف يحدث هو أننا سوف نقوم بإنشاء جهاز للرقابة على أعمال تلك الشركات خاص بكل مدينة.. يتولى هذا الجهاز استقبال شكاوى سكان المدينة من سوء الخدمات الخاصة بأي قطاع وبعد أن يفحص الجهاز الشكوى ويتأكد من صحتها يعاقب هذه الشركة وقد يصل الأمر إلى سحب ترخيص عملها بهذا القطاع وإسناده لشركة أخرى. ويقول طلعت أبو سعدة رئيس بنك الإسكان والتعمير وهو البنك المالك للوحدات السكنية في كل المدن الجديدة مهمة الدولة في بدايات إنشاء المدن شملت كافة أعمال البنية الأساسية والطرق والمرافق بالإضافة إلى إنشاء الوحدا ت السكنية وإتاحتها للمواطنين بتسهيلات كبيرة في السداد.. وقد كان هذا الدور هاما جدا في البداية لتشجيع المواطنين على الهجرة من القاهرة المزدحمة والذهاب لتلك المدن وتعميرها.. وبالفعل قامت الدولة بهذا الدور على الوجه الأكمل واستطاع آلاف الشباب أن يحصلوا على و حدات سكنية بأسعار منخفضة وبطريقة تلائم دخولهم.. وهو ما انعكس إيجابيا على المدن الجديدة التي ازدهرت واستقر الناس بها وأصبح لها ملامح واضحة مما أدى لرفع أسعار الأراضي والشقق بها.. هذه الخطوة نحو الخصخصة.. جاءت بعد أن انتهى دور الدولة تجاه هذه المدن وأصبحت تحقق رسالتها وهدفها الذي أنشئت من أجله.. وجاء الدور على القطاع الخاص ليقوم بدوره في تنمية تلك المناطق والاستثمار فيها والاستفادة من حوافز الاستثمار في تلك المناطق الجديدة.. وهو ما سيعود بالنفع على سكان هذه المدن الجديدة.. لأن شكواهم المستمرة هو عدم توافر الخدمات بشكل كامل.. مثل قلة الأطباء ونقص عدد المحلات وغير ذلك من الخدمات.. لكنهم سيحصلون عليها بسهولة وبأسعار تنافسية وبمستوى راق.. رؤساء المدن الجديدة يشاركون الرأي في هذه القضية الشائكة. يقول حسن عبد العزيز رئيس مدينة 6 أكتوبر: الفكرة جيدة لكنها تحتاج للمزيد من الدراسات.. فلابد من التأكد من أن وجود الشركات الخاصة داخل هذه المدن لن يخلق سلطة موازية لسلطة الدولة لأن السيادة في هذه المدن هو من حق الدولة. كما أننا بحاجة للتأكد من قدرة الشركات في كل قطاع من قطاعات الخدمات على خدمات راقية بأسعار معقولة للمواطنين.. وفي هذا الإطار أقترح أن يتم منذ البداية إسناد أكثر من شركة في كل قطاع خدمي وذلك لخلق المنافسة وضمان تقديم خدمة متميزة للسكان.. هناك نقطة أخرى.. ما هي ضمانات عدم استغلال هذه الشركات للأراضي التي تمنح لهم لإقامة مشروعات سكنية عليها أن تستغلها بشكل خاطئ والتجارة فيها بأسعار مرتفعة وبالتالي الخروج عن الهدف الذي أنشئت من أجله.. وفي هذا الإطار أقترح أن يتم التنبيه على الشركة بأن الدولة من حقها سحب الأراضي من الشركات إذا ثبت قيامها بالتلاعب فيها وبيعها لشركات أخرى أو أفراد والمتاجرة فيها. كذلك ينطبق نفس الأمر على الشقق والوحدات السكنية حيث يجب عدم استغلالها بصورة خاطئة واتباع نفس قواعد بنك التعمير والإسكان في بيعها.. بحيث ألا يقتصر الاستثمار في هذه الوحدات على الإسكان الفاخر والفيلات.. بل يجب أيضا أن تقوم هذه الشركات بإنشاء وحدات سكنية لمحدودي ومتوسطي الدخل لمراعاة البعد الاجتماعي.. كذلك أهمية أن يكون جهاز الرقابة على المدن من جهات رقابية عليا مثل الرقابة الإدارية وذلك لمنع وقوع تجاوزات. ويقول عادل رياض رئيس جهاز مدينة الشيخ زايد هناك نقطة أخرى هامة خاصة بالمناطق الصناعية والاستثمارية.. هل يتم طرح هذه الأراضي على شركة واحدة تتولى توزيعها على الشركات التي ترغب في إنشاء مصانع لها في هذه المناطق أن تظل سيطرة الدولة قائمة على هذه المناطق الصناعية.. كما أننا يجب أن نضع حدودا واضحة لعمل كل جهة مسئولة في المدينة.. بحيث لا يقع تضارب بين رئيس المدينة مع رئيس جهاز الرقابة أو مع الشركات التي تتولى القطاعات المختلفة.. وأعتقد أن هذه الحدود الواضحة سوف تقلل بصورة كبيرة من وقوع خلافات أثناء التنفيذ أو تعدي على سلطات أحد.. لكن لابد أن تكون اليد العليا للدولة وليس للشركات وذلك لمنع أي تجاوزات أو أخطاء يمكن أن ترتكبها تلك الشركات. وبالنسبة لمدينة الشيخ زايد فمازال أمامها عدد من السنين لتكتمل مرافقها وخدماتها وقد تمكنا من إدخال هذه المرافق لحوالي 90% من المدينة وأصبحت جاهزة للسكن كما أن الرعاية الصحية قد اكتملت تماما بإنشاء مستشفى الشيخ زايد في المدينة والتي تفضل صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات بالتبرع بإقامتها بالكامل وتجهيزها على أحدث النظم العالمية.. وهي جاهزة تماما لاستقبال المرضى.. كما أننا مازلنا في حاجة للخدمات الأساسية مثل المحلات والسوبر ماركت والمطاعم وغير ذلك من الخدمات التي يحتاجها المواطنون.. وأتصو ر أن هذا هو دور القطاع الخاص الذي يمكن أن يقدم خدمات متميزة بأسعار معقولة. أما الخبراء الاقتصاديون فقد اختلفوا في تقييمهم لمشروع خصخصة المدن الجديدة. يقول د. حاتم القرنشاوي عميد كلية تجارة الأزهر: الحقيقة أنني لم أسمع عن دولة تطبق هذا النظام أبدا في كل أ نحاء العالم.. بمعنى أننا لا يمكن أن نستيقظ صباح أحد الأيام لنقول أننا قررنا خصخصة المدينة.. لأنه ببساطة في ظل مناخ تحرر السوق لا يوجد شيء بعيد عن القطاع الخاص الذي من حقه دخول أي مجال للاستثمار فيه طالما أنه سيؤدي خدمة للمواطنين بعيدا عن تعقيدات الروتين الحكومي.. والخدمات الحكومية الناقصة.. إذن فلا يمكن أن نطلق تعبير خصخصة على هذا المشروع.. لأن الدولة في عدد كبير من هذه المدن لم توفر خدمات أساسية لسكان المدن الجديدة.. ومازالت تعاني من نقص الخبز والفاكهة والخضروات ومحلات البقالة والأطباء والصيدليات والمستشفيات والمواصلات الداخلية والخارجية.. إذن كيف سيتم نقلها للقطاع الخاص وهي غير موجودة أصلا ولماذا الانتظار كل هذه السنوات وهي مغلقة في وجهه وممنوع عليه دخولها والسكان محرومون من أبسط قواعد الحياة.. وعائد الاستثمار في هذه المدن سوف يكون مجزيا جدا للدولة في شكل ضرائب ورسوم.. بشرط أن يكون هناك شفافية كاملة في طرح القطاعات المختلفة على الشركات واختيار شركة لقطاع معين وذلك لكي لا يفقد الناس الثقة في هذه الشركات ولكي لا تمارس هذه الشركات نشاطها وهي معتمدة على قربها من المسئولين بل تمارسه وهي تضع أمام عينها مصلحة المواطنين وتقديم أفضل خدمة لهم وتتأكد من أن ذلك هو مفتاح بقائها في هذه المدينة. ويتساءل الدكتور ميلاد حنا أستاذ الهندسة والحاصل على جائزة الدولة التقديرية مؤخرا: هل تسيطر هذه الشركات على المدن ويصبح رؤساء المدن بلا أي فائدة وتضيع هيبة الدولة في أرضها.. ويضيف قائلا: لسنا ضد إتاحة الفرصة للقطاع الخاص لدخول مجالات جديدة.. لكننا ضد أن يجد المواطن نفسه خاضعا لسلطة أخرى داخل بلده تتحكم فيه وتملي عليه شروطها مستغلة في ذلك عقد من الحكومة يمنحها هذا الحق.. وهذا بالطبع أمر غير منطقي ويمكن تلافيه بالكثير جدا من الجهد.. فلابد من اختيار رؤساء مدن تتوافر فيهم النزاهة والشرف والقدرة على القيادة.. كذلك من الضروري أن يتم الاتفاق مع شركات مصرية 100% دون تدخل عناصر أجنبية.. وأخيرا يجب ألا ننسى محدود الدخل.. المواطن البسيط فتكون الخدمات أسعارها معقولة وقريبة منه.. وتكون الشقق في استطاعته دفع ثمنها.. لأنه ببساطة غير مستفيد من الذهاب لمدينة جديدة.. الدولة هي المستفيدة لكي تتخلص من الزحام الشديد والضغط الرهيب على المرافق في العاصمة.. وبالتالي فهي التي يجب أن تغريه على الخروج من بيت أهله في قلب القاهرة وتقنعه بأن يذهب بعيدا عن أصدقائه وأصحابه ليعيش في مدينة بعيدة عنهم مازالت في طور البداية والنمو.. لهذا يجب أن تقدم له الدولة مسكنا رخيصا وخدمات رخيصة ووسائل مواصلات سهلة ورخيصة أيضا.. بدون ذلك سوف تتحول المدن الجديدة إلى مدن للأشباح لأن الناس سوف يفضلون الإقامة في قلب القاهرة ولو في غرفة وصالة. القاهرة ـ ناجي حسين