بدأت تظهر علامات متزايدة على اندماج القطاع المالي الهندي مع الاقتصاد العالمي مع تزايد نضج هذا القطاع. هذا التطور الذي يسير ببطء يأخذ ثلاثة محاور. اولا بعد فترة طويلة من الاستقلالية يبدو أن اسواق الأوراق المالية الهندية بدأت تتكامل مع البورصات العالمية, خاصة بورصة وول ستريت الشهيرة. توازت حركة مؤشر بورصة بومباي الذي يضم كثيرا من اسهم شركات التكنولوجيا الفائقة مع مؤشر ناسداك الأمريكي عندما انخفض في ابريل من العام الجاري. وانخفض مؤشر بورصة بومباي بدرجة اكبر عندما انخفضت مؤشرات البورصات العالمية في منتصف الشهر نفسه, عقب انتشار اخبار عن بداية ارتفاع التضخم الامريكي, الذي اتخذ البنك المركزي الامريكي اجراء وقائيا ضده برفع اسعار الفائدة. ثانيا تعتزم شركة تليفيلم اكبر شركة هندية للانتاج الاعلامي ان تسجل اسهمها في بورصة نيويورك في وقت لاحق من العام الجاري من خلال اصدار شهادات ايداع دولية بقيمة 1.5 مليار دولار وهو اكبر اصدار لشركة هندية. ثالثا: يبدو ان الهند مهيأة لتبني شكل اكثر جرأة من الرأسمالية حيث ارتفعت معدلات الشراء والاندماج بين الشركات بشكل كبير. وعبر المستثمرون الاجانب عن اهتمامهم بالبورصة الهندية من خلال استثمارات غير مسبوقة بلغت 2.4 مليار دولار حتى مارس من العام الجاري, منها مليار دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي فقط, وبلغت الاستثمارات الاجنبية خلال النصف الأول من ابريل العام الجاري 459 مليون دولار امريكي. هذه التطورات وتدفقات رأس المال تنشط عمل البنوك ومؤسسات التمويل الهندية. وحصل هذا القطاع خلال الفترة الأخيرة على قوة دفع اكبر من بنك الاحتياطي الهندي او البنك المركزي. تضع سياسة البنك المركزي الهندي خلال العام الجاري والمقبل نظام اشراف يشمل المراقبة والفحص والتدقيق ولوائح اكثر صرامة لدخول المصارف في نشاط التأمين. ويفرض هذا النظام على البنوك ان تقدم ميزانيات ختامية تتفق مع الاعراف الدولية كما حددتها لجنة بازل. هذا التغير في القطاع المالي يؤدي الى مزيد من التوافق مع الممارسات والأعراف الدولية المالية. معايير دولية هناك بعض العادات والممارسات المالية الدولية التي تتضح الآن حيث شهدت بورصة وول ستريت الممولين يطاردون الصفقات ولا يتوسطون فيها فقط. وارتفع معدل اندماج الشركات اربعة اضعاف خلال العام الماضي, وهو أعلى ارتفاع من حيث القيمة منذ بداية الاصلاحات في الهند من عشر سنوات. وشملت اكثر من نصف صفقات الشراء والاندماج شركات اجنبية. وليس معدل ابرام صفقات الاندماج والشراء هو فقط غير المسبوق, بل الوسائل المالية المستخدمة ايضا كانت من اكثرها تقدما. ويعني هذا مزيدا من الخدمات الاستشارية في البنوك. فالتنافس على الشراء والاندماج بين الشركات على اشده, ومن امثلة هذه الصفقات شراء شركة ناتا للشاي لشركة تيتلي البريطانية للشاي مقابل 305 ملايين استرليني. كانت هذه اكبر صفقة شراء تقوم بها شركة هندية, وهكذا صفقات اخرى في قطاعات اخرى تشهد على نمط اندماج الشركات والقطاع المالي الهندي مع القطاع المالي العالمي خاصة في قطاع الاتصالات, حيث تم اندماج مجموعتي بيرلا وتاتا في مجال الهاتف المتحرك. في مجال الالومنيوم اشترت شركة هندالكو حصة كبيرة في شركة الكان الكندية, وفي قطاع البنوك اشترى بنك اتش. بي. ان. سي تايمز, وهي أول صفقة من نوعها بين بنوك القطاع الخاص الهندي. لكن مشاركة قطاع البنوك في هذا النشاط كانت متأخرة نسبيا. ويقول يوادي كوثاك رئيس بنك كوناك ما هندر الاستثماري الكبير انه سيتم اندماج كبير في القطاع المالي خلال السنوات القليلة المقبلة وسوف يكون هناك كثير من الفاشلين وقليل من الناجحين, وستكون اكثر البنوك فشلا هي المملوكة للدولة. الصناديق الاستثمارية اكبر دليل على تطور وتحرك القطاع المالي الهندي هو ارتفاع عدد الصناديق الاستثمارية هذه الصناديق موجودة من نحو عشرة اعوام لكنها بدأت تظهر بشكل مؤثر في العام الماضي, عقب التغيرات في الضرائب على العائدات, التي ادت الى ظهور عدد كبير من هذه الصناديق. بلغ معدل نمو الصناديق الاستثمارية في الاحد عشر شهرا الماضية حتى فبراير العام الجاري 504 مليارات روبية (11.6 مليار دولار امريكي) اي اكثر من ضعف رأس المال المستثمر في الصناديق خلال العام الماضي بكامله. العامل الرئيسي الذي ادى الى هذه السيولة النقدية هو تحسن اداء الصناديق الاستثمارية (ارتفعت قيمة الاصول الصافية 200%) حيث انتعشت اسواق الأوراق المالية وسط اشارات على ارتفاع مستوى اداء الشركات وتحسن معدلات النمو الاقتصادي. وكان شراء صناديق الاستثمار لاسهم الشركات العاملة في التكنولوجيا الفائقة بكميات كبيرة عاملا فعالا, فدفع مؤشر بورصة بومباي الى تجاوز حاجز الستة آلاف في منتصف فبراير وهو يعتبر رقما قياسيا. تطورات مؤشر بورصة بومباي لم يكن السبب الوحيد في توافق مؤشر بورصة بومباي مع مؤشر ناسداك في وول ستريت هو شراء الشركات الهندية لاسهم في شركات امريكية وتزايد تدفقات رأس المال الأجنبي المباشر من الولايات المتحدة, بل ظهور قطاع التكنولوجيا المعلوماتي الهندي بشكل اوضح وابرز في السوق الامريكية ايضا. تأتي 85% من عائدات الشركات الهندية لتكنولوجيا المعلومات من مبيعاتها في الولايات المتحدة. وسوف يكون الارتباط اكبر بين السوقين بناء على غالبية التوقعات, مع تبادل تجارة الاسهم في الشركات ذات العلاقة بالانترنت, التي بدأت في البورصة الوطنية في فبراير العام الجاري. ويقول نائب رئيس البورصة الوطنية انه يتوقع ارتفاع حجم التداولات اليومية في البورصة الى مئة مليار روبية خلال عام واحد وتأتي 30% من هذه الزيادة عن طريق الانترنت. هذا هو أحد اسباب توسع البورصة وارتفاع حجم التداول ثلاثة اضعاف مقارنة بالحواسيب الآلية في البورصة. الانترنت تمثل دفعة قوية وسوف تمثل الانترنت دفعة قوية بالنسبة للمستثمرين في الاسهم من الافراد, وعلى مستوى الشركات سوف تشجع الانترنت ايضا التحول من اسهم الاقتصاد التقليدي الى اسهم شركات الاقتصاد الجديد. هذه التطورات سوف تعتمد على اعادة هيكلة اللوائح التنظيمية التي يضعها مجلس الاوراق المالية والبورصات الهندي. وسوف يزداد تطور اسواق رأس المال خلال الفترة الحالية مع بداية تبادل الاوراق المالية الثانوية. وسوف يقتصر التداول في البداية على الصفقات الآجلة, وهي من ادوات التغطية المالية التي كان التجار يتوقون اليها من فترة طويلة. ويقول رئيس البورصة الوطنية ان مؤشر الصفقات الآجلة وتبادل الاسهم المرتبطة بالانترنت سوف يكون اختبارا للهيئة التنظيمية. وتعد هذه خطوة كبيرة للأمام ويضيف رئيس البورصة انها سوف تكون سوقا كبيرة لكنهم لايزالون في مرحلة التعلم. لكنه يعترف بأن اكبر تحول في البورصة الوطنية هو قانون ادارة الشركات الذي بدأ تطبيقه في ابريل العام الجاري. يمثل هذا القانون تنظيما صارما لسلوك الشركات يتجاوز أي تصنيف لها على القوائم الأمريكية والبريطانية. فتحسين قوانين الادارة سوف يجعل توزيع رؤوس الأموال اكثر كفاءة. ويحسن من درجة الشفافية ودرجة الاعتمادية والمصداقية وسوف يساعد ذلك في زيادة معدل النمو ودعم القدرة الهندية على استيعاب رأس المال الاجنبي دون حدوث ما ادى الى الازمة الآسيوية. ويقول قانون الشركات انه لابد من تعيين مديرين مستقلين في 33% على الاقل من مجلس الادارة او بنسبة نصف الاعضاء اذا كان رئيس الشركة هو مديرها التنفيذي. ولابد للشركات ان تشكل لجانا لمعالجة التدقيق ومصالح المساهمين وتقديم تقارير سنوية مفصلة, وسيتم شطب الشركات المخالفة والغاء تراخيصها. ويقول رئيس البورصة ان الشركات غير معتادة على ذلك لكن هذه الاجراءات تعني تعظيم سلطة المستثمرين وقيمة مصلحة اصحاب الاسهم. هذا الحماس صفة مشتركة في القواعد التنظيمية التي ظهرت خلال السنوات الخمس الماضية, وكان القطاع الخاص عاملا مساعدا في ظهورها, رغم أنه احيانا كان ينتقد البورصة الوطنية في الاحاديث الخاصة. لكن رئيس البورصة لا يعير ذلك اهتماما كبيرا ويقول انه افضل حكم على عمل البورصة ان احد التنفيذيين منها يتولى منصبا مهما في القطاع الخاص اسبوعيا تقريبا. على الأقل هم ينقلون قواعد البورصة الى الشركات التي ينتقلون اليها, هذا ما يقوله رئيس البورصة الوطنية الهندية.