لقد شهدت أنماط التجارة في الشرق الأوسط تنوعا كبيرا خلال الاعوام العشرين الماضية. فقد تغير اعتماد المنطقة السابق على الدول الصناعية الغربية باعتبارها مشترية للنفط ومصدرة للسلع الاستهلاكية والصناعية وتحول الى نمط جديد تزايد فيه الى حد كبير التوزان بين الدول الصناعية والدول النامية. وأصبحت الدول الآسيوية على وجه الخصوص حلقة هامة في منظومة التجارة بالنسبة للشرق الأوسط, وقد صاحبت هذه البنية الجديدة للعلاقات التجارية حالة من عدم الاستقرار بدرجة غير متوقعة. فقد شهدت المنطقة في العامين الماضيين هزة عنيفة بسبب الأزمة المالية الآسيوية ثم بهبوط أسعار النفط في عام ,1998 ثم فجأة بانتعاش أسواق النفط مرة اخرى في عام 1999. لهذا قد يكون من المناسب الآن ان نتساءل عما اذا كانت هناك أية اتجاهات أو انماط جديدة في التجارة الخارجية للشرق الأوسط, واذا كان الأمر كذلك هل يمكننا ان نتوقع تزايد أو تناقص درجة الاستقرار في العلاقات التجارية للمنطقة مع بقية دول العالم. ويشير التقرير الدوري لبنك اتش.اس.بي.سي ان البيانات الاحصائية الرسمية للتجارة في دول الشرق الأوسط هي في أغلب الاحيان غير مكتملة أو قديمة حتى عندما توجد بيانات كاملة, فإن تحويلها الى عملة مشتركة كالدولار الامريكي يكون أمرا صعب التحقيق لأن بعض العملات أسعار صرفها غير ثابتة أو لها أكثر من سعر صرف واحد (كما هو الحال في ايران والعراق وسوريا). وفي داخل المنطقة هناك بعض التدفقات التجارية لا يتم تسجيلها من قبل أحد الشريكين التجاريين أو كليهما (مثل التدفقات التجارية من البحرين الى المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان الى الامارات والاردن الى العراق). لذلك سنستخدم في هذا البحث, وبالقدر الذي يكون فيه ذلك ممكنا من الناحية العملية, احصائيات صندوق النقد الدولي, التي تتميز باستخدام تعريف وعملة ثابتة, والتي تعتمد الى حد كبير على سجلات الشركاء التجاريين. اضافة الى ذلك, ولأن نسبة كبيرة من صادرات الشرق الأوسط مستمدة من المنتجات البترولية, فمن المهم دراسة اتجاهات انتاج النفط والاستهلاك المحلي والاسعار. وفي هذا المجال فإن مصدرنا الأساسي هو ادارة معلومات الطاقة الأمريكية. لقد تم توثيق الانهيار الذي شهدته صادرات الشرق الأوسط من النفط في عام 1998 بشكل جيد, الا اننا رأينا في تحليل سابق (النشرة الاقتصادية, الربع الأول من عام 1999 عن الركود) مؤشرات على حدود انتعاش مبكر. والآن ليس هناك شك في ان أسعار النفط قد عادت للارتفاع, فمنذ مايو 2000 تراوحت الأسعار الفورية لمعظم خامات نفط الشرق الأوسط بين 26 و28 دولارا أمريكيا للبرميل. ارتفاع ايرادات النفط مرة اخرى يمكن تلخيص التغيرات التي شهدتها سوق نفط الشرق الأوسط خلال الفترة ما بين عامي 1998 و1999 على النحو التالي: ـ انخفاض انتاج الشرق الأوسط من النفط والمكثفات من 4.23 مليون برميل في اليوم الى 7.22 مليون برميل في اليوم. ـ اذا أخذنا في الاعتبار الاستهلاك المحلي من النفط من خلال المصافي, فإننا نقدر انخفاض صادرات الشرق الأوسط من النفط والمكثفات من 7.18 مليون برميل في اليوم الى 9.17 مليون برميل في اليوم. ـ ارتفاع متوسط السعر الفوري لنفط الشرق الأوسط الخام من 89.11 دولارا أمريكيا للبرميل (بزيادة قدرها 42%). ـ وفقا لتقديراتنا فإن قيمة صادرات الشرق الأوسط من النفط قد ارتفعت من حوالي 87 مليار دولار أمريكي الى 110 مليارات دولار أمريكي. ـ وبناء على ذلك فمن المفترض ان تكون دول الشرق الأوسط قد عوضت عمليا في عام 1999 كافة الخسائر التي تكبدتها في ايرادات النفط في عام 1998. وعلى وجه الخصوص فقد برز العراق مجددا كأحد المصدرين للنفط. ووفقا لبيانات ادارة معلومات الطاقة, بلغ متوسط انتاج العراق من النفط 5.2 مليون برميل في اليوم في عام ,1999 واقترب في ذروته من 9.2 مليون برميل في اليوم في شهري أغسطس وسبتمبر. وبمتوسط سعر 59.16 دولارا أمريكيا للبرميل لمزيج كركوج في عام ,1999 تكون قيمة صادرات العراق من النفط قد بلغت حوالي 4.11 مليار دولار أمريكي في تلك السنة. وقد ارتبطت حركة الصادرات الاجمالية للمنطقة بحركة سوق النفط, وفيما يلي تقديراتنا بالنسبة لعامي 1998 و1999: ـ وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي, بلغت صادرات الشرق الأوسط الاجمالية 129 مليار دولار أمريكي في عام 1998 وبلغت 97 مليار دولار أمريكي في الشهور التسعة الأولى من عام 1999. ـ ولكن يجب ان نأخذ في الاعتبار الشركاء التجاريين الذين لم يعلنوا بعد بيانات تجارية مع الشرق الأوسط (وبصفة خاصة المستوردين للنفط العراقي من بينهم شركات روسية وفرنسية وصينية) ونعتقد ان أقل تقدير لصادرات الشرق الأوسط سيكون 132 مليار دولار أمريكي لعام 1999. ـ وربما كان هذا الرقم بالنسبة لعام 1999 مازال أقل من الرقم الفعلي, حيث لا يبدو انه يعكس بشكل كامل انتعاش صادرات النفط (كما يوضح الجدول من المفترض ان تكون هناك زيادة قدرها 30 مليار دولار أمريكي تقريبا في صادرات النفط بين عامي 1998 و1999). وعندما تتوفر بيانات مكتملة لعام ,1999 فربما تصل جملة صادرات المنطقة لأكثر من 150 مليار دولار أمريكي. وعلى صعيد الواردات تبدو الاتجاهات بين عامي 1998 و1999 على النحو التالي: ـ وفقا لتقديراتنا الاولية بناء على بيانات صندوق النقد الدولي, انخفض اجمالي واردات الشرق الأوسط من 159 مليار دولار أمريكي الى 142 مليار دولار أمريكي. ـ ومرة اخرى, فإن الرقم بالنسبة لعام 1999 ربما يكون أقل من الرقم الفعلي بكثير, وبصفة خاصة فإن واردات العراق كما هي مدونة من قبل الشركاء التجاريين تقل عن مليار دولار أمريكي للعام, لكن اذا أخذنا في الاعتبار الارتفاع في ايرادات العراق النفطية وحقيقة ان الشحنات التي تتم عبر الحدود البرية مع الاردن ليست مدونة, فلابد ان تكون واردات العراق أكبر بكثير مما تشير اليه بيانات صندوق النقد الدولي, ولذلك جاز لنا ان نقدر ان تكون الواردات الاجمالية للمنطقة لعام 1999 ما بين 145 و150 مليار دولار أمريكي. ـ ويبدو ان دورة الواردات الى الشرق الأوسط, خلال السنوات القليلة الماضية, قد سارت على نفس خطى دورة الصادرات, بخلاف سنة واحدة تقريبا. أوروبا في الصدارة والصين تزيد حصتها يمكن توضيح النفط الحالي للتجارة الخارجية للمنطقة وفقا لبلد المنشأ والبلد المستقبل على النحو التالي: ـ من صادرات دول الشرق الاوسط في عام ,1999 ذهبت 37% (من حيث القيمة) الى شرق آسيا و28% الى اوروبا و17% الى أمريكا الشمالية, ويعكس هذا النمط, الى حد كبير الوجهات التي تذهب اليها صادرات المنطقة من النفط والغاز. وتأتي على رأس البلدان أو التكتلات المستقبلة لهذه الصادرات, بترتيب تنازلي, الاتحاد الاوروبي ثم اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وسنغافورة والهند والصين (الصين الأم وهونج كونج). وقد ظل هذا الترتيب ثابتا الى حد كبير خلال السنوات العشر الماضية, وكانت الصين الأم هي الدولة التي زادت حصتها بشكل ملحوظ والتي تحصل الآن على ما قيمته ما بين مليارين و4 مليارات دولار أمريكي في السنة من صادرات منطقة الشرق الأوسط. ـ تعتبر مصادر الواردات مختلفة الى حد ما, مع اعتماد أكبر من اوروبا, ففي عام 1999 حصلت منطقة الشرق الأوسط على 46% من وارداتها من اوروبا و22% من شرق آسيا و17% من امريكا الشمالية. ويعتبر الاتحاد الاوروبي هو المصدر الأول بلا منازع تليه بفارق كبير الولايات المتحدة, ثم اليابان والصين. وقد ارتفع ترتيب كل من الصين الأم وهونج كونج كموردين للشرق الأوسط. ـ إن نسق التدفقات التجارية ليس متجانسا ضمن منطقة الشرق الأوسط, فدول مجلس التعاون الخليجي بصفة خاصة تحتفظ عموما بعلاقات أقوى من علاقات دول الشرق الأوسط الأخرى بشرق آسيا. ـ تشكل التجارة بين دول المنطقة جزءا صغيرا من الحجم الاجمالي لتجارة المنطقة, ففي عام 1999 ذهبت 7% فقط من صادرات دول الشرق الأوسط الى دول أخرى في المنطقة. وربما كان التدفق الأكبر للتجارة ضمن المنطقة هو ما يذهب من الاردن الى العراق, على الرغم من عدم توفر بيانات. التدفقات الأخرى الهامة للتجارة البينية, ما بين 5.0 مليار ومليار دولار أمريكي في السنة, تتم أساسا بين دول الخليج الجنوبية وبين الامارات وايران (انظر الجدول ). توقعات المستقبل والفرص المتاحة من السهل تلخيص الاتجاهات والبنية الرئيسية لتجارة الشرق الأوسط, فقيمة صادرات المنطقة ترتبط بشكل وثيق بانتاج النفط وأسعاره, ولذلك فإن التطورات التي تحدث في أسواق النفط تحدد حجم ايرادات المنطقة. وبالمقابل فإن الواردات تسير وفقا لخطى الصادرات. وتقوم أنماط التجارة على محورين أساسيين: أحدهما مع أوروبا والآخر مع شرق آسيا, حيث تحتل اوروبا مركز الصدارة كمورد للواردات ويزداد شرق آسيا أهمية كسوق للصادرات. وسوف يشهد العام الحالي بالتأكيد تحسنا كبيرا في ايرادات الشرق الأوسط, ولو كان ذلك فقط بسبب المستويات الجديدة التي ارتفعت اليها أسعار النفط, وتتوقع ادارة معلومات الطاقة حاليا ان يبلغ متوسط سعر الواردات الامريكية حوالي 24 دولارا للبرميل لعام ,2000 وهو ما يزيد بحوالي 7 دولارات عن المتوسط لعام 1999. وسوف تزيد دول الشرق الأوسط الاعضاء في الاوبك ايرادات صادراتها بما يقارب 60 مليار دولار أمريكي, وسيكون العراق على وجه التحديد من أكبر المستفيدين. فقد جاء في تقرير صدر مؤخرا في مارس 2000 عن ادارة معلومات الطاقة حول ايرادات دول الاوبك انه من المتوقع ان يحصل العراق على حوالي 4.20 مليار دولار أمريكي في عام ,2000 أي قريبا من ضعف السقف السابق لصادرات النفط الذي حددته الأمم المتحدة (بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء) وهو 5.10 مليارات دولار. واذا لم تحدث تغيرات في البنية الأساسية لتجارة الشرق الأوسط, فربما يمكننا ان نتوقع خلال السنوات العشر المقبلة, اتجاها تصاعديا مطردا في الصادرات وكذلك في الواردات. وكما ذكرنا في عدد سابق من هذه النشرة فربما كنا نقترب من نهاية عهد في السوق العالمية للنفط, وربما كان العالم على وشك الوصول الى أو ربما تجاوز بالفعل الذروة التاريخية في انتاج ما يعرف في صناعة النفط بالنفط التقليدي, وهو النفط الخفيف الذي يتم استخراجه بسهولة وبتكلفة رخيصة, واذا كان الأمر كذلك, فإن خمسة منتجين رئيسيين في الشرق الأوسط ـ ايران والعراق والكويت والمملكة العربية السعودية والامارات ـ سيلعبون دورا محوريا هاما في تلبية الطلب العالمي لهذا النفط, وسوف يستفيدون من معدلات الانتاج العالية, وربما من مستوى سعره الذي سيكون مرتفعا بصورة دائمة. ومع ذلك يمكننا ان نتخيل ليس فقط اتجاها تصاعديا في تجارة الشرق الأوسط ولكن بنية مختلفة من حيث النوعية بالنسبة لهذه التجارة, إن الشيء غير الطبيعي في تجارة الشرق الأوسط هو القليل جدا منها يتم داخل نطاق المنطقة. وكما ذكرنا فإن 7% فقط من صادرات المنطقة يذهب الى بلدان أخرى داخل المنطقة. ويمكننا مقارنة هذا الوضع مع الاتحاد الاوروبي, وهو منطقة قابلة للمقارنة من حيث السكان, حيث نجد ان 60% من صادرات الدول الاعضاء تذهب لدول اخرى أعضاء في الاتحاد. ومن الواضح انه اذا كان بامكان دول الشرق الأوسط ان تخلق تكاملا اقتصاديا أكبر فيما بينها. فمن الممكن ان نتوقع قيام منظومة تجارية اقليمية قد يصل حجم تدفقاتها التجارية السنوية الى 100 مليار دولار أمريكي (مقارنة بحوالي 10 مليارات دولار أمريكي حاليا). وبالتأكيد سوف يحتاج مثل هذا التكامل الى ازالة الحواجز التجارية بشكل كامل وتوحيد التعرفات والوسائل التنظيمية الاخرى, وعندها يمكن مقارنة الفوائد بما حققه الاتحاد الاوروبي. ويبدو لنا ان هذه فرصة للنظر الى ما وراء الانماط الحالية لتجارة الشرق الأوسط والى بناء كيان اقتصادي جديد للمنطقة.