متى تصبح التجارة على الانترنت مربحة، بقلم: روبرت صامويلسون

الرأسمالية تعني أشياء كثيرة لكن ليس من بينها فعل الخير والاحسان. فالأمر يدور حول الارباح وليس الاحسان. وهنا يكمن التناقض المحير للانترنت. فهي جوهرة الرأسمالية المعاصرة على الرغم من أنها تمثل الآن عملا من أعمال الخير. فمن ناحية عملية, كل شيء على الشبكة تقريبا يتم توزيعه أو بيعه مقابل سعر أقل من التكلفة. ونحن نعلم ان هذا الوضع لا يمكن ان يستمر. فعاجلاً أم آجلاً, ستصبح الانترنت مربحة. أما ما لا نعرفه فهو متى سيحصل ذلك وكيف أو بأية عواقب وهذا اللغز يطغى على الآمال والمخاطر المتعلقة بالاقتصاد. وهي قصة قديمة لعبتها من قبل القنوات وسكك الحديد والسيارات. إن التحولات الاقتصادية والصناعية تتطلب كميات هائلة من رأس المال الاستثماري. ففي عام 1999, ارتفع الاستثمار الجديد في (التقنية العالية) (أجهزة الكمبيوتر والبرامج وأجهزة الاتصالات) بنسبة تصل الى حوالي 22%, بينما لم يزد الاستثمار في جميع المجالات الاخرى على الاطلاق. وتتمثل نعمة التقنيات الجديدة في أنها ترفع من مستويات المعيشة وتبتدع انماط حياة جديدة. أما نقمتها, فتتمثل في أنها يمكنها ان تحدث استثمارا مفرطا ومعركة تنافسية. وهناك شركات كثيرة تملأ السوق. وتعتبر النظريات المتعلقة بما سينجح انتحارا. وهناك حالات من النجاح والاخفاق. ان كل شيء يباع اليوم على الانترنت يخسر مالا. وتعتبر شركتا امريكا أون لاين (التي بلغت ارباحها في عام 1999م 762 مليون دولار) وياهو (61 مليون دولار) استثناء من هذه القاعدة. وبخلاف ذلك, فان معظم المواقع (القنوعة) على الشبكة مثل مواقع الاخبار والخدمات المالية والاعتماد على النفس مجانية ولا تغطي النفقات من خلال الاعلانات. ويقدر مكتب الاعلان على الانترنت, وهو مجموعة صناعية, ان عوائد الاعلانات لعام 1999 بلغت 4.6 مليارات دولار, أي حوالي 2% من جميع النفقات الاعلانية. أما (كومبتيتيف ميديا ريبورتنج) , وهي شركة تقوم باجراء البحوث عن السوق, فلديها تقدير أقل للاعلان على الشبكة (1.9 مليار دولار), وتقول بأن شركات الانترنت انفقت اكثر من 3.2 مليارات دولار في الاعلان عن نفسها في وسائل الاعلام التقليدية كالتليفزيون والصحف والاذاعة والمجلات. وفيما يتعلق بتجار التجزئة الالكترونية, فان معظمهم يتفجرون غيظا. والاستثناء الواضح على ذلك هو شركة (ئي باي) . وعلى نحو مشابه, فان معظم مشروعات التجارة الالكترونية الموجهة من نشاط تجاري لآخر تعتبر حديثة جداً على ان تكون مربحة. وعلى الرغم من أن الانترنت غير مربحة, إلا انها تدر ارباحا طائلة على جهات اخرى. وأكبر الرابحين هي الشركات التي عملت على بناء الشبكة من خلال بيع خدمات الكمبيوتر والكوابل المصنوعة من الألياف البصرية و(القنوات) والبرامج الحاسوبية. والتفسير لكيفية تدفق الارباح من الانترنت غير المربحة يتمثل في حقيقة انها مدعومة مالياً. بعض هذه الاعانات المالية يأتي من الجامعات والمجموعات غير الربحية والحكومات. وتعمل هذه الاعانات على انشاء المواقع على شبكة الانترنت وعلى شراء معدات الشبكة. قد تكون هذه الاعانات دائمة. لكن الاعانات المالية الأساسية تأتي من الأسواق الرأسمالية.. مستثمرين ومقرضين.. ونشاطات اعمال اخرى. وفي عام 1999, جمعت شركات الانترنت قرابة 18 مليار دولار من رأسماليين مغامرين و18 مليار دولار أخرى من العروض العامة الأولية لبيع الأسهم. وعلى نفس القدر من الأهمية, فان الشركات الاقدم (وال ـ مارت وديزني) تنفق بسخاء على مواقع الانترنت. كما ان الشركات العملاقة في مجال الاتصالات مثل إيه تي أند تي تستثمر بسخاء في شبكات البيانات. وجميع هذه الاموال تغطي الفجوة بين نفقات الانترنت وعوائدها. ولا احد يعرف بالضبط حجم هذه الفجوة, لكن من المؤكد انها كبيرة. وعلى نحو طبيعي, فان الاعانات المالية تعتبر فرصة طيبة للمستهلكين. فالكل يحب الحصول على شيء ما مقابل لاشيء. فبعد شراء أجهزة الكمبيوتر ودفع رسوم التوصيل الشهرية, يحصل الناس على خدمة الانترنت مجاناً. ومن المؤكد ان هذا هو احد الاسباب لشعبيتها الهائلة. إن كل مشروع جديد تقريبا سواء كان كبيرا ام صغيرا يتضمن تكاليف تتعلق بانطلاقة العمل. وعلى الارجح, فانه لا توجد صناعة بدأت عملها بدون اضطرابات وخسائر مؤقتة. وبهذا المفهوم, فان الانترنت لا يمكن اعتبارها مميزة. والمشكلة هي ان الاعانات المالية لا يمكن ان تستثمر الى الأبد. فعاجلا ام آجلاً, إما ان يكسب رأس المال عائدا او يزول بفعل الخسائر. وبصورة أو بأخرى, يتعين على مواقع الانترنت التجارية ان تدفع نفقاتها بنفسها. واذا لم تفعل ذلك, فانها ستختفي. وتعاني بعض شركات الانترنت حاليا من حالات متفرقة من التوقف عن العمل. بل ان عددا منها قد اختفى فعلاً. والأمر المعترف به بشكل أقل هو انه مالم تصبح الانترنت نفسها مربحة, فان الشركات التي بنتها ستعاني ايضا. فهي تعيش على الاعانات الرأسمالية الحالية. وليس هناك من طريق يستحق البناء مالم يكن هناك شيء في نهايته. ولا يمكن لخدمات الانترنت ان تعيش دائما بدون اعانات مالية. وهذا يعني ان التكاليف ينبغي استعادتها بصورة أو باخرى من الاشخاص الذين يستخدمونها. ويبدو ان هذه النزهة التي يتمتع بها المستهلكون لا يمكنها ان تستمر بلا نهاية. وتكسب شبكات التلفزة عائدها من خلال الاعلان الوطني. اما محطات التلفزة بالكوابل وشركات الهواتف, فتفعل ذلك من خلال رسوم شهرية. وحتى الآن, فان الانترنت لا تملك وصفة مشابهة. ومن ناحية نظرية فان هناك العديد من الاحتمالات. واذا كانت الانترنت تتمتع بكفاءات كامنة, فان بعض نشاطات تجارة التجزئة الالكترونية والحركة التجارية من نشاط أعمال الى آخر والأعمال التجارية الاخرى على الشبكة مثل الاعمال المصرفية وتداول الاسهم والحجوزات ستزدهر. ومن الممكن ان يدعم الاعلان بعض مواقع الانترنت بجمهور كبير أو وفي. وقد يتم ارسال دفعات مالية من مواقع معلوماتية منتقاة على الشبكة مع رسوم الربط الشهرية. وسيدفع الناس للغرضين في آن واحد. وهذا هو نموذج امريكا أون لاين. بعض المواقع قد تصبح قيمة جدا لدرجة تجعل المستخدمين يدفعون. كما لا يفعلون الآن, رسوما شهرية متواضعة. من يعرف؟ فالدراما هي كيف ومتى سيحدث هذا التحول الحتمي. والانترنت لا يمكنها ان تتعايش للأبد مع تناقضها الراهن. فاما ان تهدأ طفرة الاستثمار السائدة لأن الاسواق الرأسمالية ترفض تقديم اعانات مالية بلا نهاية. او سيتم ايجاد طرق لجعل الانترنت مربحة. وفي النهاية لابد من وجود شيء يعطي نتيجة مرضية لأن الانترنت ليست مؤسسة خيرية.

تعليقات

تعليقات