رأي : قصة مستقبل التنمية الإنسانية

في رواية (قصة مدينتين) للكاتب البريطاني تشارلز ديكنز, ظهرت إحدى المدينتين وهي باريس في غمار ثورة سياسية كبيرة, في حين أن المدينة الأخرى وهي لندن لم تكن تمر ـ في الرواية ـ بأية ثورة سياسية. وقد أدت القيم والثقافات والأحداث التاريخية المختلفة في المدينتين إلى نتيجتين متباينتين. نعم كانت هناك مزايا لعدم حدوث ثورة, ففي لندن لم تتطاير رؤوس الملوك وأصحاب الطبقات الأرستقراطية! أما في فرنسا فلم ينجح ديكتاتور مثل نابليون في السيطرة على البلاد في أعقاب النتائج الوخيمة لحالات الفوضى التي دائما ما تصاحب الثورات. إلا أنه كانت هناك كذلك في الوقت نفسه عيوب. ففرنسا على نحو سريع وبريطانيا على نحو بطيء تحولتا إلى دولتين ديمقراطيتين حقيقيتين. بيد أن الثورة الفرنسية قدمت شيئا أكثر أهمية لفرنسا, ألا وهو التخلص من الفوارق بين الطبقات, وهو الأمر الذي لاتزال تبتلى به بريطانيا حتى الآن, أي بعد مرور 200 عام! ففي وقتنا الحاضر نجد أنه ـ على سبيل المثال ـ توجد في بريطانيا مناقشات مثارة حول الدور الذي تلعبه الطبقة وتأثيرها على عملية التحاق الطالب بجامعة أوكسفورد! كان بإمكان ديكنز أن يكتب رواية مختلفة عن الثورات. فلو كان الموضوع الذي ناقشه هو الثورات الصناعية وليست الثورات السياسية, لكان قد انعكس مضمون وهدف الرواية. ففي الوقت الذي قادت فيه بريطانيا الثورة الصناعية, تخلفت فرنسا بعض الشيء. إلا أن تأثير الثورة لا يقاوم, فقد تحولت فرنسا أيضا ـ ولكن ببطء ـ إلى قوة صناعية كبيرة. وعند هذه النقطة تلتقي الثورتان. فمع نهاية القرن العشرين, استطاعت فرنسا ـ بشحذ جميع إمكاناتها ومواهبها ـ أن تتفوق اقتصاديا على بريطانيا العظمى, بسبب أن الأخيرة تعاني من النظام الطبقي الذي جعلها تستفيد من جزء فقط من مواهبها وقدراتها البشرية. ولو كان ديكنز يقوم بالكتابة عن الموضوع نفسه في يومنا هذا, لكان قد غير عنوان الرواية إلى (قصة نظامين) . وكما كانت الحال مع فرنسا منذ مئتي عام, نجد أن أميركا الآن في غمار ثورة تقنية واقتصادية تقوم بخلق نظام اقتصادي عالمي جديد يأخذ تأثيره الآن من الانتشار في جميع أنحاء العالم. وبالنسبة لفئات عديدة, يوجد بعضها حتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها, يبدو هذا النظام الجديد نظاما تصعب السيطرة عليه. وقد تجلت مظاهر الاعتراض على هذا النظام في المظاهرات التي قام بها هؤلاء في سياتل وواشنطون مؤخرا. بينما الأكثرية من شعوب العالم تريد أن تتباطأ خطوات هذه الثورة, هذا في حالة الفشل في إيقافها, وهو الأمر الذي يذكرنا بموقف الإنجليز الذين أرادوا أن يمنعوا حدوث الثورة الفرنسية في بلادهم منذ مئتي عام! وواقع الحال يشير إلى أن الثورات الاقتصادية تحمل القدر نفسه من القلق الذي تحدثه الثورات السياسية, إذ إنه في النهاية كلا النوعين يؤدي إلى تغيير الثقافة والمجتمع. فالمحرك البخاري أدى إلى حدوث أول ثورة صناعية في العالم, وذلك في أوائل القرن التاسع عشر. وتلك الثورة جعلتنا أكثر ثراء مما ذي قبل, ولكنها أيضا حولت المجتمعات الزراعية إلى مجتمعات مدنية, وتختلف المجتمعات المدنية بالطبع عن نظيرتها الريفية بشكل كبير في ما يتعلق بالقيم على وجه الخصوص. وتغير نسق وأسلوب الحياة بشكل كبير, وحاول الكثيرون أن يوقفوا هذه التغيرات إلا أن الكل فشل. وجاءت الكهرباء لتقدم لنا الثورة الصناعية الثانية بعد ذلك بقرن. ومع هذه الثورة كذلك ازداد ثراؤنا, إلا أنه للمرة الثانية تغيرت قيمنا وثقافتنا, فقلت ساعات النوم, وحلت الأنشطة المسائية محل الأنشطة التي كانت تمارس نهارا! وبالتدريج أضحى الأطفال يأخذون قيمهم وأساليب حياتهم عن وسائل الإعلام مثل الراديو والتلفزيون ودور العرض السينمائي أكثر مما يأخذونها عن عوائلهم, وهو الأمر الذي سبب قدرا كبيرا من الذعر الاجتماعي وازدادت الدعوات إلى العودة مرة أخرى إلى قيم العائلة. واليوم هناك ثورة صناعية ثالثة تجتاح العالم, وتتمثل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وأجهزة الإنسان الآلي والتكنولوجيا الحيوية. ومرة أخرى تتسبب هذه الثورة في زيادة معدلات الثراء ولكنها أيضا وللمرة الثالثة تؤدي إلى تغيير ثقافتنا وقيمنا. وخارج الولايات المتحدة الأمريكية تنظر الشعوب إلى ما يحدث على أنه غزو ثقافي أميركي خطير, إلا أننا نجد أن الذين تظاهروا ضد العولمة في سياتل أو واشنطن كانوا أمريكيين! فهم أيضا يرون العولمة خطرا داهما. ربما يكون الجانب الأكبر من الثقافة العالمية الجديدة التي يخشونها يتم بناؤها داخل أميركا, ولكنها ليست أمريكية. وهم على صواب في هذا الشأن فهذه الثقافة ليست أميركية المنشأ, ولكنها شيء مختلف عن هذا. وأفضل مثال للنمط الثقافي الجديد الذي تقدم التقنيات التكنولوجية المتقدمة التي نشهدها اليوم, هو ما تقدمه محطة .MTV_ فهذه المحطة تتواجد تقريبا في كل بلاد العالم الآن, وربما تكون الأغنيات واللغات التي تقدم بها البرامج مختلفة وأيضا يختلف المغنيون أنفسهم من دولة إلى أخرى, إلا أن أسلوب وطريقة العرض واحدة. ففي كل مكان هناك غزو كبير من الموسيقى الأميركية, على الرغم من أن كثيرين من الذين يقدمون الأغاني الأمريكية ولدوا خارج الولايات المتحدة. ومثلما كانت الحال في باريس منذ مئتي عام, فإن الثورة التي يشهدها العالم اليوم والتي تتمثل في الانتقال إلى اقتصاد العلم والمعرفة, ليس من المحتمل أن يتم وقفها داخل الولايات المتحدة الأمريكية, إذ إن الثقافة والاتجاهات اللازمة لإيقافها غير متوافرة الآن هناك, إلا أن هذا لا يعني أنه لا يمكن إيقافها أيضا في أي مكان آخر بالعالم, فبعض الأماكن يمكن أن تكون مثلما كانت عليه لندن منذ قرنين من الزمان. وربما ليست معارضة أوروبا للأغذية والأدوية المعدلة وراثيا إلا أحد الأمثلة في هذا الشأن. فما من أحد يستطيع أن يثبت عمليا أنه لا توجد وحوش وراثية, كما كان الأمر عندما لم يستطع أحد أن يثبت أنه لا توجد وحوش بحرية منذ 500 عام, فالأمر ببساطة يتطلب أن يذهب أحدهم في رحلات بحرية تمكنه من التيقن من أنه لا توجد وحوش هناك! وبالمنطق نفسه لن يستطيع أي أحد إثبات أنه لا توجد أية مخاطر تتعلق بالنباتات والحيوانات والكائنات البشرية المعدلة وراثيا, إلا إذا تناول بعضا من هذه المنتجات ورأى ماذا سيحدث بسببها. لكنه في الوقت نفسه يمكن لهذه المقاومة التي تبديها أوروبا تجاه الأغذية المعدلة وراثيا أن توقف تطور ونمو هذه الأغذية والأدوية في القارة, كما فعلت إنجلترا عندما قاومت الثورة الفرنسية ومنعت حدوث مثيل لها في بريطانيا. ومع ذلك لن يتم في نهاية الأمر إيقاف الثورة الجينية كما كانت الحال مع الثورة الفرنسية التي لم يستطع أحد في فرنسا أن يوقفها, لأن الشعوب سترغب في الاستفادة من المزايا التي تخلفها الهندسة الوراثية, كما أرادت أن تستفيد من مزايا الديمقراطية. فمن ذا الذي يريد أن يرى أما مصابة بمرض الزهايمر في الوقت الذي يمكن للثورة الجينية أن تقدم العلاج؟ وهكذا, سترى أوروبا أنه من واقع التجارب التي تجرى في الولايات المتحدة لا توجد مخاطر من الهندسة الوراثية, وهو الأمر الذي سيؤدي إلى انطلاق ثورة جينية في القارة ولكن بصورة متأخرة, كما حدث في بريطانيا التي استفادت من التجربة الديمقراطية في فرنسا ولكن على نحو متأخر. إن الاقتصاد العالمي اليوم والثقافة المصاحبة له يبدوان خارج السيطرة, لأنهما بالفعل خارج السيطرة! فما من أحد يمكنه تنظيم والتحكم في الإنترنت, ولا يوجد أحد يعلم مدى ما ستتمخض عنه التكنولوجيا الحيوية, وما من دولة أو مجموعة من الأفراد في وضع يسمح لها أو لهم التحري والتأكد مما سيحدث, كما كانت الحال عندما لم يستطع أحد أن يتحكم في الثورة الفرنسية ويخمن ما سوف تؤول إليه منذ 200 عام. فالثورة ومدى المقاومة التي تقابل بها يشكلان قصة التنمية الإنسانية اليوم. بقلم : ليسترثرو

تعليقات

تعليقات