فوائد استراتيجية للمشروعات الصغيرة داخل اقتصادات الدول النامية

إن الخطى المتسارعة للعولمة والتحرير التجاري مع تزامن حدوث طفرات عالية في تكنولوجيا المعلومات, كلها عوامل تؤدي إلى تغيير الجو العام الذي تتم فيه إدارة الأعمال والمشروعات في جميع دول العالم. وفي هذا الصدد تواجه المشروعات المتوسطة والصغيرة ضغوطا تنافسية جديدة بحكم وجودها في الأسواق العالمية, أما المشروعات المتوسطة والصغيرة الأخرى التي تحاول الدخول إلى هذه الأسواق فهي تقابل تحديات كبيرة ربما لم تواجهها من قبل. وإذا حاولنا أن نحلل خصائص وأهمية هذه المشروعات, نجد أن الأمر يتمثل في عدة نقاط: أولا: هذه المشروعات تعتبر عاملا أساسيا في إيجاد فرص عمل, كما أنها تسهم في عمليات التصدير, حيث تشير الإحصائيات إلى أن منتجات هذه المشروعات تمثل 30% من الصادرات التصنيعية على مستوى العالم, علاوة على كونها مصدرا للابتكار وتحقيق نوع من المرونة والديناميكية الاقتصادية للدولة. وفي الوقت نفسه نعلم أنه عند الحديث عن هذه المشروعات فإننا نتحدث عن شريحة متنوعة ومتباينة من النشاط الاقتصادي, تبدأ من المشروعات الصغيرة إلى الشركات المتطورة التي تستفيد من التطورات التكنولوجية الحديثة. ثانيا: نحن نتعامل مع قطاع يتميز بدرجة عالية من التقلب, سواء بالنسبة للبدايات أو النهايات, فهناك إحصائيات تشير إلى أن 50% من المشروعات الصغيرة والمتوسطة لا تستمر في معظم دول العالم بعد خمس سنوات من بدايتها, وهو الأمر الذي يحتم وجود برامج دعم فعالة لهذه المشروعات. ثالثا: هناك فارق واضح بين هذه المشروعات داخل الدول النامية من ناحية والدول المتطورة من ناحية أخرى, ففي معظم الدول الصناعية الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية, نجد أن هذه المشروعات هي عامل دعم كبير وراء ثقل هذه الدول وقدرتها التنافسية, سواء من خلال التخصص في أسواق معينة تحقق فيها نجاحات ضخمة, أو من خلال الاندماج مع شركات ضخمة تسوق منتجاتها. لكن على الجانب الآخر نجد أنه في الدول النامية تقوم هذه المشروعات بالتنافس وجها لوجه مع الشركات الضخمة في المجال نفسه وبإنتاج المنتجات نفسها التي تقدمها هذه الشركات, وهو الأمر الذي يؤدي بالطبع إلى فشل هذه المشروعات أمام تلك الشركات الكبيرة. رابعا: هناك حقيقة ثابتة تتمثل في أن هناك عددا من الظروف دائما ما تكون مسئولة عن نجاح هذه المشروعات فمن ناحية ترتبط هذه الظروف بشكل عام بالديناميكية الاقتصادية على المستوى المحلي والإقليمي, وقدرتها على توفير الحافز لإنماء وتطور هذه المشروعات. ومن ناحية أخرى ترتبط بالاستقرار المالي ومدى كفاءة وقوة النظام السياسي في الدولة. فنطاق العمل التنظيمي لهذه المشروعات يجب أن يتسم بالشفافية والبساطة, لأن التكلفة النسبية ومخاطر العمل في ظل قواعد معقدة تبدو أعلى بالنسبة للشركات الصغيرة منها للشركات الكبيرة. إلا أن توافر هذه العوامل وحدها لا يكفي لإنجاح هذه المشروعات. فنحن شاهدنا عدة مرات لاسيما في أفريقيا, إلى جانب أماكن أخرى من العالم, أن الإصلاحات السياسية التي تتم على مستوى واسع وعلى الرغم من ضرورة حدوثها وفائدتها الكبيرة, فإنها لم تؤد بشكل أوتوماتيكي إلى حدوث معدلات النمو المنتظرة. فهذه الإجراءات الإصلاحية يجب أن تصاحبها إجراءات أخرى تهدف إلى تقوية ودعم قدرات العرض, وذلك عن طريق توفير المهارات الإدارية والفنية ومصادر المعلومات والمعرفة لهذه المشروعات بشكل أفضل. ومما لاشك فيه أن توفير أنماط مختلفة للتمويل يعتبر أيضا من العوامل الرئيسة, إلا أنني أجد أن المعوقات الرئيسية في طريق نجاح هذه المشروعات تتمثل في قدرتها المحدودة على استيعاب والتوصل إلى التقنيات التكنولوجية العالية في عالم التدريب, وهي التي بدورها تسمح لها بإنتاج منتجات ذات مستوى جودة يناسب احتياجات ومتطلبات أسواق اليوم. فإذا أردنا أن نربط هذه المشروعات بالأسواق العالمية, وإذا أردنا أن نواجه ونهزم التحدي المتمثل في إمكانية تهميش هذه المشروعات داخل الدول النامية, فإنه لابد من توافر الكفاءة الإدارية والتكنولوجية لهذه المشروعات. والحل الوحيد لذلك يكمن في أن تكون هذه الكفاءة جزءا لا يتجزأ من النظام التدريبي والتعليمي لهذه الدول. وبطبيعة الأمر يجب أن تكون المشروعات الصغيرة والمتوسطة داخل الدول النامية قد وصلت بالفعل إلى الحد الأدنى من الكفاءة وفعالية الإنتاج والجودة, والذي من خلاله يمكنها أن تتمتع بقدر من الجاذبية مثل نظرائها في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ولذا فإن توافر نظام مناسب من الخدمات التي من شأنها تنمية العمل داخل المشروع يعتبر أمرا ضروريا, حتى يمكن لهذه الشركات أن تصل إلى ما يمكن أن يطلق عليه بداية المستوى المؤهل للمنافسة. وفي هذا الصدد أود الإشارة إلى أن اليونيدو يتبنى القيام بشراكات فعالة مع القطاع الخاص والعام ومنظمات المجتمع المدني وجمعيات رجال الأعمال ومؤسسات البحث, بهدف الارتقاء بالفعالية ومستوى الإنتاجية والقدرة التنافسية للمشروعات المتوسطة والصغيرة التي تقام داخل الدول النامية. ومن ضمن هذه الشراكات ما قامت به اليونيدو في الهند بالاشتراك مع شركاء دوليين مثل شركة فيات والمعهد الأوروبي لتعليم الإدارة, وذلك في العام 1998. وكان الهدف من الشراكة هو تطوير أداء المشروعات المتوسطة والصغيرة في صناعة السيارات داخل الدولة, والعمل على الارتقاء بقدرتها التنافسية. وفي مدة قصيرة حققت هذه المبادرة نجاحات كبيرة تمثلت في تطور أداء المشروعات الصغيرة والمتوسطة المشاركة. وخلاصة القول تتمثل في أننا كلنا نؤمن بالإسهام الكبير الذي يمكن أن تسديه المشروعات الصغيرة والمتوسطة لاقتصاد أية دولة, إلا أنه في الوقت نفسه فإن هذه الإمكانات والقدرات التي تتمتع بها هذه المشروعات لن تظهر إلا من خلال ربطها بالأسواق العالمية, وعن طريق العثور على مشترين للمنتجات التي تنتجها هذه المشروعات. وهذا الأمر لا يمكن حدوثه في ظل عزلة الدولة, أو عزلة هذه المشروعات عن المنافسة الخارجية. فالأمر يتطلب تكامل السياسات الاقتصادية وقدرات عالية, من أجل الاستفادة من المهارات وتقنيات المعلومات المتاحة والشراكات المختلفة, سواء بين هذه المشروعات وبعضها البعض أو بين هذه المشروعات وكيانات أكبر, حيث يحدث من خلال هذه الشراكات تبادل الأفكار والخبرات والإمكانات. وكل هذه الخطوات يعمل اليونيدو على توفيرها وجعلها في متناول القائمين على هذه المشروعات, فاليونيدو يهدف إلى منع أية احتمالية لتهميش المشروعات الصغيرة والمتوسطة داخل الدول النامية. وفي هذا الصدد يقف اليونيدو مستعدا لتقديم جميع أنماط المساعدة الفنية اللازمة من واقع خبرته وتجاربه في هذا المجال المهم. كارلوس ألفريدو ـ مدير عام اليونيدو

تعليقات

تعليقات