أجمع خبراء الإسكان في مصر على ان الحلول المسكنة لن تقضي على مشاكل الإسكان والتي تتفاقم عاما بعد عام بسبب زيادة عدد المحتاجين إلى وحدات سكنية جديدة بالإضافة إلى الوحدات السكنية المتهالكة والآيلة للسقوط والتي يتحتم نقل سكانها إلى مساكن آمنة ويضاف الى كل ذلك سكان العشوائيات والمقابر ويكفي أن مدينة القاهرة وحدها تضم 83 منطقة عشوائية. ويقدر الخبراء عدد الوحدات السكنية التي يتعين على الحكومة إقامتها سنويا لمنع تفاقم مشكلة الإسكان بحوالي 100 الف وحدة سنويا من الإسكان الاقتصادي ومن خفض التكاليف نظرا لانخفاض القدرة الشرائية والمالية لشرائح المجتمع التي تحتاج للوحدات السكنية مشيرين إلى أن توسع الدولة وشركات العقارات التابعة للقطاع الخاص في بناء المساكن الفاخرة وفوق المتوسطة تسبب في إحداث حالة من الركود في سوق العقارات وكما أن هذا النوع من المساكن يعتبر استثمارات معطلة لأنها تتطلب وقتا طويلا لكي يتم تسويقها ويعد المخزون الراكد من المساكن الفاخرة في الساحل الشمالي على وجه التحديد أحد أبرز المشاكل المزمنة في سوق العقارات المصري. ويؤكد تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن عدد الزيجات التي تشهدها مصر سنويا يصل إلى حوالي 66 ألف حالة زواج 40% منها في المدن والمناطق الحضرية أي حوالي 265 ألف وحدة 25% منها في حاجة إلى الدعم والمساعدة أي حوالي 60 ألف وحدة سكنية بالإضافة إلى 21 شقة مطلوب توفيرها سنويا لإيواء أصحاب الشقق المتهالكة والمتقادمة وينتهي التقرير إلى أنه مطلوب توفير حوالي 40 ألف وحدة سكنية سنويا لحل 5% فقط من مشاكل الإسكان في مصر. ويشير المهندس حسين صبور خبير الإسكان إلى أن الشقق الجديد ة التي تقوم شركات العقارات ببنائها أنماط مكررة ولا تلبي حاجة السوق العقاري لأنها من وحدات الإسكان الفاخر وفوق المتوسط مما يؤدي إلى زيادة المعروض من هذه الوحدات عن حاجة السوق في حين أن الطلب الحقيقي يتزايد على الإسكان الاقتصادي وإسكان محدودي الدخل حيث القدرة الشرائية المنخفضة مشيرا إلى أن إهمال هذه الشريحة من المواطنين نتج عنه انتشار مناطق الإسكان العشوائي والمساكن الهامشية وسكان المقابر ووصول عدد سكان المناطق العشوائية في القاهرة الكبرى إلى حوالي 5 ملايين شخص تقريبا. ويطالب المهندس حسين صبور كلاً من رجال الأعمال والحكومة بالتوسع في إقامة الإسكان الاقتصادي لأن ذلك هو السبيل الأمثل لحل مشاكل الإسكان في مصر خاصة وأن التجارب أثبتت أن الأنماط السائدة من المساكن الحالية لا تلبي حاجة الغالبية العظمى من الباحثين عن سكن ولكنها تلبي حاجة الشريحة العليا من المجتمع والتي تمتلك المال اللازم لاقتناء وحدة سكنية مشيرا إلى أن توجيه معظم الجهود والاستثمارات للإسكان الاقتصادي سوف ينشط الطلب على الوحدات السكنية ويتكفل بحل جزء من الأزمة المزمنة التي تعاني منها مصر منذ سنوات طويلة. ويؤكد الدكتور ميلاد حنا خبير الإسكان أن قوانين الإسكان في مصر متداخلة ومتشابكة ولعل هذا هو أحد أبرز أسباب تفاقم أزمة الإسكان حتى الآن فالقانون 4 لسنة 96 والخاص بإخضاع العلاقة الإيجارية للقانون المدني هلل له الجم يع وتفاءلوا خيرا به ولكن المشكلة أن بداية انفراج أزمة السكن توقفت بسرعة لأنه لا توجد رؤية واضحة ومحدودة ومع بدء التطبيق الفعلي اكتشف الجميع أن القيمة الإيجارية وفقا لآليات السوق مرتفعة جدا وتلبي احتياجات الشريحة العليا من الطبقة الوسطى للمجتمع ولا تلبي احتياجات الطبقات البسيطة كما أن هذا القانون ظهر به خطأ شنيع وهو الزيادة السنوية بنسبة 10% بدون أي داع وبدون تحديد فترة زمنية لهذه الزيادة التي كان يجب أن تكون لمدة 5 سنوات ثم تراجع بعد ذلك. ويطالب الدكتور ميلاد حنا الحكومة بضرورة فتح ملف الإسكان الشائك وإيجاد العلاج الفعال له قبل الوصول إلى درجة الانفجار الكامل للمشكلة وهذا تطلب مراجعة كاملة لكافة قوانين الإسكان وصياغة قانون موحد يضم هذه القوانين في إطار واحد مشيرا إلى أن الشقق المغلقة ذات الإيجارات الضئيلة وأصحابها يستخدمونها لتخزين المنقولات التي لا يحتاجون إليها والثاني عبارة عن وحدات سكنية اشتراها أصحابها بغرض تخزينها لفترة زمنية ثم بيعها بعد ذلك بنسبة ربح كبيرة تفوق أرباح البنوك ولكن هؤلاء للأسف سوف يخسرون كثيرا لأن الأسعار انخفضت بصورة كبيرة وبالتالي أصبحوا غير قادرين على التصرف في هذه الوحدات السكنية. ويضيف الدكتور ميلاد حنا أن قانون الرهن العقاري لن يحل أزمة الإسكان ولكنه سيساعد الطبقة المتوسطة على مسكن مناسب بنظام التمليك بالتقسيط ومن الممكن أن يساعد هذا القانون جزئيا في تخفيف حدة مشاكل الإسكان ولكن المشكلة الرئيسية أنه لا توجد آليات واضحة لمتابعة مفردات أزمة الإسكان وحجم العرض والطلب والشقق المغلقة والمفتوحة ومناطق تواجدها سواء داخل أو خارج القاهرة لتوجيه الطلب إليها. ومن جانبه يؤكد الدكتور محمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان أن الحكومة تسعى جاهدة لإيجاد حل لمشاكل الإسكان المزمنة وتوفير السكن المناسب لكل فرد بحيث يتناسب هذا السكن مع روح العصر والأذواق السائدة لذلك تم تصميم أكثر من 12 نموذج معماري لمساكن مشروع مبارك لإسكان الشباب ومشروع إسكان المستقبل اللذين يتم تنفيذهما في المدن الجديدة حيث يوفر كل مشروع منهما حوالي 70 ألف شقة بمساحات تتراوح بين 63 متر و100 متر مربع مشيرا إلى أن قانون الإيجارات الجديدة المطبق منذ حوالي 5 سنوات قد ساعد بشكل واضح في علاج جزئي لمشكلة السكن وعلى وجه التحديد في القاهرة الكبرى لأنه أدى إلى فتح العديد من الشقق المغلقة بعد أن أدرك أصحابها أنه بإمكانهم استعادتها مرة أخرى بعد انقضاء الفترة الزمنية المنصوص عليها في العقد ومؤكدا أن قانون الرهن العقاري سوف يؤدي إلى انفراجة كبرى في أزمة الإسكان بمصر وذلك لأنه يهدف إلى تبسيط وتسهيل إجراءات الحصول على وحدة سكنية بنظام التمليك من خلال سداد قيمة الوحدة على شكل أقساط ونفى أن يكون الهدف الأساسي من هذا القانون هو تصريف المخزون العقاري الراكد من الإسكان الفاخر وفوق المتوسط بمنطقة الساحل الشمالي. أما المهندس حسب الله الكفراوي وزير الإسكان السابق فيؤكد أن المسكنات لن تحل أزمة الإسكان في مصر ولكن يجب التصدي للمشكلة من جذورها والدليل على ذلك أن قانون الإيجارات الجديد الذي أكدت الحكومة أنه سيتكفل بحل المشكلة الإقبال عليه ضعيف للغاية سواء من قبل المالك أو المستأجر لأن تدخل الحكومة يجب أن يكون لتقريب وجهات النظر بين أطراف المشكلة وليس لتغليب طرف على الطرف الآخر كما أننا يمكننا أن نحدد أسباب أزمة الإسكان في قلة المعروض من الشقق وزيادة حجم الطلب عليها ووجود خلل واضح بين الدخول وحتمية الإيجارات لذلك لابد أن يكون هناك دور حيوي وفعال ا للدولة في مشكلة الإسكان وأن تعطى هذه المشكلة أولوية قصوى تماما مثل التعليم الإلزامي والعلاج المجاني وعلى الدولة أن تتدخل لتقريب الوحدة السكنية لمتناول يد المواطن الذي يبحث عن السكن المناسب. وبالنسبة للحلول المقترحة لأزمة الإسكان يقول الكفراوي أن حل هذه المشكلة يتطلب سد الفجوة الكبيرة بين معدلات دخول الأفراد ومعدلات الإيجارات ووجود ضوابط صارمة وأن تكون نسبة الزيادة في الإيجارات في حدود نسبة الزيادة في فائدة البنوك أو أعلى منها بنسبة بسيطة كما أن هذا يتطلب أيضا تدخل الدولة وتحديد هامش ربح معقول لتجار وشركات الأسمنت لأن ما يحدث في تجارة الأسمنت الآن يعتبر سرقة مقننة فلا يعقل أن يزيد هامش الربح عن 100% وعلى الدولة أيضا أن تخفض من أسعار بيع الأراضي لأن وصول سعر المتر إلى 500 جنيه في المدن الجديدة يعتبر كارثة كبرى في الوقت الذي يحصل فيه بعض المستثمرين على مساحات شاسعة من الأراضي في الساحل الشمالي أو الغردقة أو سفاجا أو شمال غرب خليج السويس وشرق التفريعة بسعر رمزي لا يصل إلى دولار واحد للمتر. ويواصل المهندس حسب الله الكفراوي حديثه بقوله أن قانون الرهن العقاري سوف يساعد في حل جزء من مشاكل الإسكان ولكن القانون الذي تحدثت عنه الحكومة يجب أن يتم تعديله لأنه يستهدف في المقام الأول تسويق المخزون الراكد من الإسكان الفاخر المكدس في الساحل الشمالي والذي يعتبر بمثابة مليارات من الجنيهات مجمدة في كتل خرسانية فشل أصحابها في الترويج لها وتسويقها. ويؤكد المهندس محمد إسماعيل خبير الإسكان أن تدخل الدولة في مشكلة الإسكان زادها تعقيدا لأنها في معظم الأحوال تدخلت لصالح القادرين على حساب غير المقتدرين مشيرا إلى أن إخضاع العلاقة الإيجارية بين المؤجر وصاحب العقار للقانون المدني ساعد في حل مشاكل المقتدرين فقط ولم تتحقق وعود الحكومة حول عودة يافطة شقة للإيجار على واجهات العمارات في القاهرة ونظرا لتواضع قيمة الإيجار وفقا لنصوص القانون رقم 4 والخاص بتنظيم العلاقة الإيجارية للمساكن عزف أصحاب الشقق عن تأجير ها إلا في الظروف الاضطرارية ولذلك نجد أن القانون حل مشاكل بعض الناس وليس كل الناس وأصبحت شركات المقاولات تستثمر في مجال العقارات للبيع بسعر أعلى ولكن نتيجة لعوامل كثيرة لم تتمكن الشركات من تصريف هذا المخزون وتسبب السياسات الخاطئة لوزارة الإسكان في وجود حالة من الإغراق وخاصة في المدن الجديدة وأصبح النمط السائد في المساكن هو التمليك بدلا من الإيجار. ويضيف المهندس محمد إسماعيل أن قانون الرهن العقاري الذي تنوي الحكومة إصداره خلال الدورة البرلمانية المقبلة لمجلس الشعب لن يحل مشكلة الإسكان ويعتبر حلا مؤقتا ومسكنا في نفس الوقت وهذا القانون سوف يحل مشاكل الذين تجمدت أموالهم في الشقق والفيلات التي تعتبر مخزونا عقاريا راكدا ولكن يجب الأخذ في الاعتبار أن الرهن العقاري سوف يحل مشاكل الملاك الصغار ولكن البنوك سوف تواجه مأزقا كبيرا لأنه يجب توفير فرص الاستثمار مقابل الرهن العقاري. ويشير المهندس محمد إسماعيل أن معظم الاستثمارات العقارية في مصر معطلة في كتل خرسانية لا تمت لزمن الرفاهية بصلة خاصة وأن مصر أصبحت محاطة بسياج طويل من الفيلات والقصور والشاليهات على طول سواحلها الشمالية والشرقية بالإضافة إلى أن النموذج الذي اتبعته وزارة الإسكان في مساكن المدن الجديدة هو نموذج الفيلا وللأسف هذا النموذج لم يجد سوقا رائجة له ولم يتم بيع سوى10% من عقارات المدن الجديدة بينما تجمدت الاستثمارات في 90% من العقارات التي أصبحت تمثل مخزونا راكدا رغم أن معظم الأموال التي تم استخدامها في عمليات البناء عبارة عن قروض من البنوك وحلقة الاستثمار العقاري لا يمكن أن تكتمل إلا بالبيع. ويستطرد المهندس محمد إسماعيل قائلا أن هناك وحدات سكنية كثيرة معروضة في السوق العقاري المصري ولكن هذا المعروض يفوق قدرة المواطنين على الشراء كما أن هناك مساحات كبيرة من الأراضي المخصصة للبناء تم بيعها للمواطنين ولكنهم لم يتمكنوا من البناء عليها حتى الآن نظرا لارتفاع أسعار الأراضي وزيادة تكاليف عملية البناء وبالتالي فشلت وزارة الإسكان في عمل أي نوع من الخلخلة السكانية لمدينة القاهرة التي تكتظ بأكثر من 17 مليون شخص منهم 5 ملايين يسكنون في المناطق العشوائية. القاهرة ـ محمد عبد الجواد