الحديث عن دور تكنولوجيا المعلومات في اقتصاد يقوم أساسا على العلم والمعرفة, يثير قضية شائكة للغاية هي ما أريد أن أطلق عليها (الارتباطية) . والشيء الذي أشير إليه في هذا الصدد هو ليس ارتباط بعض الشعوب أو الشرائح من المجتمع بشبكة الإنترنت وأحدث التقنيات التي يتم التعرف عليها في دنيا الاتصالات, في الوقت الذي نجد أن البعض الآخر ليس لديه القدرة نفسها, ولكنني أود الإشارة إلى نقطة أخرى, وهي ارتباط البعض بالاقتصاد العالمي, في حين أن الآخرين ليست لديهم القدرة نفسها. فالبعض يشترك في الاستفادة من الفرص الضخمة والكبيرة التي تتيحها العولمة, والبعض الآخر لا يستفيد من هذه الفرص, وهو الأمر الذي يسبب لهؤلاء الكثير من المشكلات مثل العزلة والتهميش في الوقت الذي تتسع فيه الهوة بينهم وبين الأغنياء, سواء على مستوى الدولة الواحدة أو بين الدول وبعضها البعض. فما الذي يمكن للمجتمع الدولي فعله لعلاج هذه المشكلة؟ وقد حملت لنا الفترة الماضية أخبارا مشجعة, تمثلت في أن الاقتصاد العالمي تخلص من الآثار المدمرة التي صاحبت أزمة 1997 ـ 1998. فبعد عامين من التباطؤ والكساد الاقتصادي, يتوقع للنمو العالمي أن يصل إلى 5.4% هذا العام, وهو المعدل الذي يعد الأعلى منذ 1988. فمعظم الأقطار ذات الاقتصادات الناشئة, والتي مرت بأزمات طاحنة منذ فترة قصيرة, تتمتع الآن بمعدلات نمو عالية, وهو الأمر الذي يعكس إصرار الساسة على مواصلة جهودهم نحو الإصلاح والتعديل, على الرغم من أنه لايزال هناك الكثير الذي عليهم فعله. إلا أنه في الوقت نفسه هناك ما يدعو إلى القلق وعدم الرضا بالأوضاع الحالية. وفي هذا الصدد هناك ثلاثة بواعث رئيسية تدعو لمثل هذا القلق تتمثل في الأسئلة التالية: ـ هل نحن نقوم بما هو كاف من أجل ضمان إحداث إعادة توازن تدريجي للنمو العالمي ومعالجة حالات عدم التوازن الخارجية بين أسواق الصرافة الرئيسية في العالم مثل الولايات المتحدة الأمريكية, حيث يستمر مستوى النمو بمعدلات قوية, واليابان حيث هناك حالة من الانتعاشة البطيئة من حالة الركود, وأوروبا حيث تحدث بالفعل خطوات للتخلص من حالة الضعف التي ألمت بالسوق هناك؟ ـ هل قيمة العملات الرئيسة متماشية مع ثوابتها على المدى المتوسط, لاسيما قيمة اليورو مقابل الدولار؟ ـ هل نحن نقوم بما يكفي من أجل ضمان أن أية تعديلات تتطلبها الأسواق المالية تحدث وتتوفر بطريقة منتظمة وسليمة؟ ومن هذا المنطلق تأتي حتمية أن نقوم فورا, وبأسرع من أي وقت مضى, بالمضي قدما نحو ضمان إحداث انتقال وتحول سليم نحو نظام متوازن من النمو العالمي. وفي دولة مثل الولايات المتحدة يعني هذا الأمر احتواء ضغوطات الطلب المفرط فيها, وهو الأمر الذي يتطلب حرصا حتى لا يحدث أي تأثير سلبي على الموقف المالي. وفي أوروبا واليابان يعني هذا أن تعالج الدولة السلبيات الهيكلية, مثل تخليص القطاعات الرئيسة في الدولة من عيوبها, والتخلص من أية آثار للبيروقراطية قد تتواجد داخل هذه القطاعات. وفي أميركا اللاتينية فإن هذا يعني مواصلة خفض عجوزات الميزانية, وزيادة ثقة المستثمر, واحتواء المخاطر المرتبطة بمتطلبات التمويل الخارجي. بينما يعني هذا في آسيا العمل على استمرار ومواصلة إعادة هيكلة الشركات والبنوك, وفي أفريقيا زيادة ودعم الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية, من أجل توسيع القاعدة الاقتصادية وخلق مناخ مؤات ومشجع لعمل القطاع الخاص, الذي يمثل المحرك المستقبلي لعمليات النمو في جميع أنحاء العالم. وإذا أثمرت كل هذه الجهود, فإن الأمر يعني خلق اقتصاد عالمي يوفر لنا فرصا خلاقة نحو توسيع فوائد العولمة حتى يستفيد منها هؤلاء الذين ليست لديهم أية صلة الآن بالاقتصاد العالمي أو العولمة. والأمر الذي لاشك فيه هو أن العولمة ليست بالظاهرة الحديثة على العالم, إلا أن الأمر المثير للاختلاف بشأن المفهوم الحالي للعولمة هو التأثير الضخم الذي تحدثه ثورة تكنولوجيا المعلومات على اندماجات السوق وتطور رأس المال البشري وعلى جميع أوجه الحياة. فما هو مدى المساعدة التي يمكن للتقنيات الحديثة أن تقدمها؟ هذه التقنيات من شأنها دعم مستويات الاداء والنمو, عن طريق خفض تكاليف الصفقات والمعاملات. وخفض هذه التكاليف يؤدي إلى تقليل الحواجز بين الدول, وزيادة قدرة المنافسة, والإسهام في رفع حجم الاستثمارات. وفي هذا السياق تعتبر زيادة معدلات أداء السوق وكفاءتها وإحداث تغيرات هيكلية في طريقة إدارة الأعمال, أمورا تسهم في إحداث نقلة نوعية إيجابية في الإنتاجية الدولية بشكل عام. وفي هذا الصدد يعمل صندوق النقد, بالتعاون مع المجتمع الدولي, على إيجاد الطرق السليمة والفعالة لمنع الأزمات, والعمل على معالجة وإدارة الأزمات التي يعتبر حدوثها أمرا حتميا, وهو الأمر الذي يشار إليه دائما من جانب الصندوق بتقوية الهيكلية المالية العالمية. وفي الوقت نفسه يعمل الصندوق على تطوير طبيعة عمله واستطلاع الآراء واستجلاب النصائح التي من شأنها تحسين فاعلية أداء الصندوق. وفي العديد من المجالات تم تحقيق قدر كبير من النجاح, على الرغم من أن قدرا كبيرا من العمل لايزال في مراحله التجريبية. وهذه المجالات تتضمن: ـ زيادة قدر الشفافية والمسئولية. ـ التوصل إلى معايير ومقاييس متعارف عليها دوليا. ـ تقوية الأنظمة المالية الداخلية. ـ زيادة القدرة على قياس نقاط الضعف الخارجية للدولة. ومما لاشك فيه أن الثورة المعلوماتية والتحرر المالي أدى إلى إحداث طفرة واسعة في التدفقات المالية, سواء على مستوى الدولة الواحدة أو المستوى العالمي ككل, على الرغم من أن هذه التدفقات كانت سببا للأزمات الأخيرة التي ألمت بالاقتصاد العالمي. وبوجه عام أصبحت تدفقات رأس المال أكثر أهمية من التدفقات التجارية في ما يتعلق بتحرير تطور أسواق الصرف على المستوى القريب, إلا أن العائق الأساسي في هذا الصدد يتمثل في أن كثيرا من هذه التدفقات هشة وعرضة للصدمات. فمنذ أعوام قليلة كانت الأزمات تحدث بسبب عدم التوازن في سياسات الاقتصاد الشامل, إلا أن أزمات اليوم مرتبطة بشكل كبير بعيوب ونقاط الضعف التي تعتري القطاعات المالية المحلية داخل الدولة الواحدة. وخلاصة القول تتمثل في أن المجتمع الدولي يجب أن يتضافر بكامل فئاته, من أجل انتهاز الفرص الكبيرة التي يمكن أن تتيحها لنا البيئة الاقتصادية المستقرة والهدوء الاقتصادي الحالي الذي يشهده العالم, حتى يتسنى لنا أن نحقق أهدافنا الكبرى المتمثلة في رفع مستويات المعيشة, والتخلص من الفقر, ومشاركة جميع الفئات في حصاد فوائد العولمة.