هناك أمران أساسيان يشيران إلى أن أسعار النفط ستستمر في حركتها التصاعدية خلال الأشهر ـ بل السنوات ـ المقبلة, مع عدم استبعاد بعض الانخفاضات التي قد تحدث على فترات. ويتمثل الأمر الأول في الاستراتيجية الجديدة الخاصة بتنظيم الإنتاج, والتي انتهجتها منظمة الأوبك بالتعاون مع بعض الدول المصدرة الأخرى منذ مارس 1999. فبعد أن وعت دول الأوبك الدرس الذي خلفته الأحداث المأساوية للعام ,1998 عندما تسبب إغراق السوق بالنفط في تدهور كبير للأسعار, وهو الأمر الذي نتج عنه انخفاض وصل إلى 6.33% من إيرادات النفط, تبدو هذه الدول عازمة على تجنب ارتكاب الأخطاء نفسها مرة أخرى. والسعر المستهدف الذي حددته هذه الدول في اجتماعها يتراوح بين 22 و28 دولارا لبرميل سلة خام أوبك. إن حالة اللايقين والغموض التي تحيط بما سيحدث للأسعار في الأسابيع والأشهر المقبلة ازدادت, لدرجة أن توقعات التجار عادة ما تأخذ الآن السبق والأولوية على حساب الأرقام الحقيقية الخاصة بحجم العرض والطلب العالميين. فكما أشار رئيس شركة شل مارك مودي ستيوارت في الخامس من يونيو الماضي, فقد تحولت سوق النفط إلى ما يشبه لعبة البوكر, حيث تتحكم الحالة النفسية في الأسعار مع وجود بعض الارتباطات والصلات الطفيفة بين العرض والأسعار. ومهما يكن الأمر, فإنه من المهم الإشارة إلى أنه حتى الحد الأدنى من مدى السعر الذي حددته أوبك, وهو 22 دولارا للبرميل, يظل أعلى من متوسط القيمة السنوية لسلة أوبك وذلك منذ ,1985 باستثناء ما حدث العام 1990 عندما وصل السعر إلى 26.22 دولارا نتيجة لأزمة الخليج. والأمر الأساسي الثاني في هذا الشأن هو عدم تناسب الزيادة في الطاقات الإنتاجية مع الزيادة الرهيبة في الطلب العالمي على الطاقة, فالطاقات الإنتاجية تزيد بنحو بطيء للغاية لا يتناسب مع زيادة الطلب العالمي. ففي ورقة عمل قدمها مدير قسم إدارة الطوارئ وأسواق النفط في وكالة الطاقة الدولية تاتسو ماسودا إلى قمة آسيا السنوية للغاز والنفط, أشار المسئول الدولي إلى أن الاستهلاك العالمي للنفط سيرتفع من أقل من 77 مليون برميل في اليوم العام 2000 إلى 96 مليون برميل في اليوم بقدوم العام 2010. والجدير بالذكر هنا أن هذه الورقة تعد بمثابة تعديل لما جاء في تقرير وكالة الطاقة الدولية في نهاية العام ,1998 والذي توقعت خلاله الوكالة أن يصل الطلب العالمي للنفط إلى 8.94 مليون برميل في اليوم العام 01_D. وبصرف النظر عن أي الرقمين أدق أو أيهما أقرب لما ستؤول إليه الأمور, فإن الشيء الذي لا خلاف عليه هو أن هناك زيادة بين 8.17 و19 مليون برميل في اليوم ستشهدها السنوات العشر المقبلة, وهو الأمر الذي يفرض تحديا كبيرا من الصعوبة التنبؤ بكيفية مواجهته. وبأخذ توقعات ماسودا المتمثلة في أن إنتاج الدول غير الأعضاء في الأوبك سيزيد بما لا يتعدى خمسة ملايين برميل في اليوم, أي لتصل إلى 9.50 مليون برميل في اليوم, في الفترة من الآن إلى العام ,2010 فإن الطلب على نفط أوبك سوف يرتفع من 28 مليون برميل في اليوم إلى 41 مليون برميل في الفترة نفسها. ولم يتطرق ماسودا إلى لماذا ينخفض الرقم الأخير هذا (41 مليون برميل) كثيرا عن ذلك التقدير الذي أوردته وكالة الطاقة العالمية في تقريرها المشار إليه آنفا, والذي طبقا له سيزداد الطلب على دول الشرق الأوسط الأعضاء في الأوبك وحدها إلى 8.43 مليون برميل يوميا خلال عشر سنوات. فإذا أخذنا في الاعتبار التوقع الأقل الذي أورده ماسودا بشأن ارتفاع الطلب على نفط الأوبك إلى 41 مليونا, نجد أن ذلك يستلزم زيادة في إنتاج الأوبك تبلغ على الأقل 13 مليون برميل يوميا في الفترة من الآن إلى العام 2010. لكن حتى هذه الزيادة تعتبر أمرا ينطوي على نظرة تفاؤلية مبالغ فيها, وذلك في ضوء الاستثمارات الضخمة التي تتطلبها هذه الزيادة, وفي ضوء برامج توسيع طاقة الإنتاج التي يخطط لها حاليا من قبل دول الأوبك. وتوضيحا لما سبق فإن القدرة الإنتاجية الكلية لهذه الدول انخفضت بالفعل من 39 مليون برميل في اليوم العام 1978 إلى 32 مليون برميل في اليوم الآن, وليس هناك من سبب وجيه الآن للتفكير في أن هذه الدول ستقوم بزيادة إنتاجها إلى ما بين 42 و45 مليون برميل في اليوم بقدوم العام 2010. ومثل هذه الزيادة في الطاقة الإنتاجية التي تقترحها وكالة الطاقة الدولية تعني إضافة ما يتراوح بين مليون و3.1 مليون برميل يوميا من الطاقة سنويا ولمدة عشر سنوات, في حين نجد أنه خلال فترة التسعينات لم تكن هناك إلا زيادة لم تتعد 5.0 مليون برميل يوميا كل سنة. وعلاوة على ذلك هناك عائقان أساسيان يقفان أمام تطوير الطاقة الإنتاجية لدول الأوبك بالتحديد. العائق الأول يتعلق بالاستثمارات الضخمة التي تتطلبها هذه الزيادة, حيث تقدر هذه الاستثمارات بنحو 110 مليارات دولار بالنسبة لدول الخليج وحدها, بما في ذلك الموارد التي تحتاجها عمليات صيانة الطاقة الحالية خلال العشر سنوات المقبلة. والعائق الثاني يتعلق بالعقوبات المفروضة حاليا على اثنين من أكبر منتجي الخليج وهما: إيران والعراق. وفي ظل هذه الظروف هناك فرق كبير بين ما يتم توقعه ويؤمل حدوثه وبين الذي يحدث على أرض الواقع. وهذا الأمر ينطبق على مستوى الأوبك وعلى المستوى العالمي أيضا. فأحدث البيانات والأرقام التي نشرتها أكبر إحدى عشرة شركة نفط خاصة في العالم, أظهرت أن إنتاج هذه الشركات الكلي في العام الماضي كان أقل من المستهدف وهو 1.12 مليون برميل يوميا, في حين أن الإنتاج كان 7.10 ملايين برميل في اليوم فقط, وأرجعت هذه الدول السبب إلى انخفاضات في الميزانيات المرصودة والأداء الذي كان أقل مما كان متوقعا. ولكل هذه الأسباب, تبدو المناقشات الدائرة حول الحاجة إلى زيادة إنتاج الأوبك بهدف خفض الأسعار أمرا في غير محله وغير متطابق مع الوضع الراهن. فمن أجل أسباب أساسا انتخابية وسياسية, يشعر قادة الدول الصناعية بحتمية ممارسة ضغوط على دول الأوبك حتى تقوم بزيادة صادراتها, وبدورها تحاول دول الأوبك, التي هي أصلا على دراية بدافع الدول الصناعية, التملص من هذا الموقف, ولاسيما أن هذه الدول لا ترغب في أن تحترق بنيران السياسة الأمريكية خاصة في عام الانتخابات الرئاسية الأمريكية. د. نقولا سركيس ـ رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس