طالبت المذكرة التي تقدمت بها المملكة العربية السعودية إلى الأمانة العامة لدول المجلس حول مستقبل المباحثات الاقتصادية مع هذه المجموعة الأوروبية بوضع حد لمفاوضات دخلت الآن عامها الثاني عشر دون التوصل لنتائج ملموسة مهددة بقطع هذه المفاوضات إذا لم يتم التوصل لاتفاق بشأن التجارة الحرة بين المجموعتين خلال هذا العام. إلا أن طول أمد المفاوضات ـ على الرغم من أهميته ـ لا يمثل برأي عدد من المراقبين والمحللين السبب الرئيس لتصعيد حدة هذا الحوار. ويرصد هؤلاء سببين رئيسين آخرين لذلك, السبب الأول سياسي يتمثل في الغضب الخليجي إزاء تصاعد الحملات الأمريكية والأوروبية ضد دول المجلس, لاسيما السعودية, بشأن انتهاك حقوق الإنسان في هذه الدول وإصرار أمريكا والاتحاد الأوروبي على إدراج هذه القضية على جدول أعمال اجتماعاتها الدورية مع دول المجلس بل وربطها بالتقدم الذي يمكن تحقيقه بشأن التعاون الاقتصادي. أما السبب الثاني فهو اقتصادي ـ سياسي ناجم عن إحساس دول المجلس, لاسيما السعودية أيضا, بضخامة التنازلات التي باتت تقدمها بموجب شروط انضمامها لاتفاقية الجات في ما يخص رفع قيود الدولة عن العديد من الأنشطة الاقتصادية الحيوية والتي ارتبطت لسنوات طويلة بمظاهر السيادة وهيبة الحكم. ويزداد هذا الإحساس وطأة كون دول المجلس لا تشعر بأنها قد حصلت في مقابلها على أية مكاسب بشأن تنمية وتنويع صادراتها تعوضها عن الخسائر التي ستحدثها تلك التنازلات. وقد تزامنت الحملة الخليجية المضادة مع الاجتماع الأخير الذي عقدته دول المجلس مع الاتحاد الأوروبي خلال شهر مايو الماضي في بروكسل, حيث تم تسريب فحوى مذكرة سعودية إلى وسائل الإعلام سبق للأمانة العامة لدول المجلس أن عممتها على الدول الأعضاء تمهيدا لإقرارها وتبنيها من دول المجلس قبل عرضها على الاجتماع المقبل مع الاتحاد الأوروبي. وتشير المذكرة إلى ضرورة التذكير بأن مجلس التعاون كان قد طالب أثناء إبرام اتفاقية التعاون العام 1988 مع الجانب الأوروبي بالجمع بين هذه الاتفاقية واتفاقية التجارة الحرة وعدم إبرام اتفاقية التعاون إلا في الوقت نفسه الذي تبرم فيه الاتفاقية التجارية أو على الأقل تأجيل دخول اتفاقية التعاون حيز التنفيذ حتى يتم إبرام الاتفاقية التجارية. ولم يتنازل مجلس التعاون الخليجي عن موقفه هذا أمام إلحاح المجموعة الأوروبية إلا بسبب الوضع السياسي الذي كان سائدا في المنطقة وبعد حصوله على التزام من المجموعة الأوروبية بالتفاوض بشكل سريع حول اتفاقية التبادل الحر. وتتناول المذكرة رؤية المجلس لطبيعة اتفاقية التجارة الحرة, حيث تشير إلى أن هدف دول المجلس لا يقتصر على التوسع الحالي لصادراتها لمعالجة العجز في الميزان التجاري مع أوروبا الذي يصل إلى 17 مليار دولار سنويا والذي يصل حجمه التراكمي منذ توقيع اتفاقية التعاون العام 1988 إلى نحو 100 مليار دولار, بل إن هدف دول المجلس العمل على توسيع تشكيلة المنتجات والاستثمارات الأجنبية في إطار اتفاقية التبادل التجاري الحر. وبعد اجتماع لم يخف الشيخ جميل الحجيلان, الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية, إصرار دول المجلس على التوصل لاتفاق إنشاء منطقة تجارة حرة بين دول المجلس وبين الاتحاد الأوروبي, خصوصا وأن العقبة التي كانت يضعها الاتحاد قد أزيلت إثر إقرار قادة دول المجلس خلال قمة الرياض على جدولة تطبيق الاتحاد الجمركي. وقال الحجيلان إن دول الخليج تسعى من خلال تلك المباحثات إلى إيجاد علاقات تجارية أكثر عدلا وتوازنا مع الاتحاد الأوروبي الذي يعد الشريك التجاري الأول لها بواقع 34 مليار دولار, حيث سعت دول الخليج وبشكل دائم إلى إيجاد انسياب منتظم للصادرات الأوروبية إلى أسواقها المحلية. وشدد الحجيلان على عدم قبول دول الخليج أن تتحول قضية حقوق الإنسان إلى مسألة ذات طابع ثنائي في ظل إصرار دول الاتحاد الأوروبي على أن تدرج هذه القضية في جدول أعمال كل الاجتماعات الثنائية بين الجانبين, فهذه القضية كما أكد الحجيلان ذات بعد عالمي والمكان الصحيح لبحثها هو الأمم المتحدة. ووصف الحجيلان الحملة التي تعرضت لها مؤخرا الدول الخليجية, خصوصا السعودية, بشأن المحافظة على حقوق الإنسان بأنها اتسمت بالجهل وعدم الدراية والتحامل, وأشار إلى اعتماد دول الخليج في ردها على تلك الهجمات على إيضاح مدى عناية الشريعة الإسلامية بحقوق الإنسان, وهو ما أكدت عليه الكلمة التي ألقاها الأمير سعود الفيصل, وزير الخارجية السعودي ورئيس الدورة الحالية للمجلس الوزاري, أثناء أعمال الاجتماع مع الاتحاد الأوروبي في بروكسل. ووفقا لمصادر اقتصادية خليجية, فإن دول المجلس تعاني الآن من وجود عوائق تحول دون الانسياب الحر لصادراتها الرئيسة إلى الأسواق الأوروبية التي تتمثل في الصناعات الحساسة وتشمل البتروكيماويات والمشتقات النفطية والألمنيوم وبعض السلع الزراعية, حيث تستهدف دول المجلس رفع الضرائب كاملة التي تفرضها الدول الأوروبية على وارداتها من الدول الخليجية والتي تتراوح بين 5.5 و6%, وقال إن دول الخليج تستهدف أن يتم رفع تدريجي لتلك الرسوم ابتداء من إبرام اتفاقية التجارة الحرة. إلا أن موضوعات الخلاف الخليجي ـ الأوروبي لا تقتصر على موضوع الصادرات فقط وإنما تشمل أيضا تقاعس الدول الأوروبية عن زيادة نسبة تدفق الاستثمارات المباشرة والمشروعات المشتركة ونقل التقنية إلى دول المجلس, وهي جميعها موضوعات ترى فيها دول المجلس خطوات ضرورية للتخفيف من حدة الخسائر التي تتكبدها بموجب شروط انضمامها لاتفاقية الجات من جهة ولضمان تسريع عملية التنويع الاقتصادي التي تعتبر أمرا حيويا بالنسبة لمستقبل المنطقة على المدى البعيد, حيث إن رفاهيتها واستقرارها يتوقفان على ذلك. ومما يزيد من أهمية دول الخليج كمصدر للنفط بالنسبة لأوروبا هو أن النفط مازال يمثل أهم مكونات استهلاك دول الاتحاد الأوروبي من الطاقة, وهي 45%. وكانت دول مجلس التعاون الخليجي هي المصدر المهم الوحيد لواردات الاتحاد الأوروبي من الطاقة البالغة 23% من إجمالي وارداتها العام 97. كما أن اعتماد دول الاتحاد الأوروبي على الطاقة الخارجية من المقرر أن يزيد بنسبة تتراوح ما بين 50 و60% حتى سنة ,2010 وحتى ذلك الحين سيكون النفط والغاز من أهم مصادر الطاقة, هذا إضافة إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي لديها أكبر احتياطي من النفط على مستوى العالم وهو 47% فضلا عن امتلاكها 5.14% من احتياطيات الغاز الطبيعي العالمي. أما بخصوص تنمية الاستثمارات المشتركة, فإنه يمكن هنا أن نسجل نقطة إيجابية وهي أن دول أعضاء الاتحاد الأوروبي تعد ثاني أهم مستثمر أجنبي في دول مجلس التعاون قبل اليابان وفي المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة. وعلى النقيض من الاستثمارات الأمريكية, والتي تتركز في قطاع واحد فقط هو قطاع البتروكيماويات, فإن استثمارات دول الاتحاد الأوروبي تتميز بتنوعها حيث تمتد إلى القطاعات الصناعية المختلفة. ففي المملكة العربية السعودية, على سبيل المثال, تعتبر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي المستثمر الأجنبي الرئيس في ستة من سبعة قطاعات صناعية والثانية في قطاع البتروكيماويات الذي تحتل الولايات المتحدة صدارته. ومع ذلك فإن حجم الاستثمارات الأوروبية في الخليج لا تمثل سوى 1% فقط من الاستثمارات الأوروبية الدولية المباشرة, وبالتالي فإن المطلوب اتخاذ خطوات مهمة لاستقطاب وتنمية المزيد من الاستثمارات الأوروبية في المنطقة. ومن اللافت للنظر كذلك أنه على الرغم من حجم المشروعات الأوروبية في المنطقة, وكذلك المصالح الأوروبية الاقتصادية المشتركة, فإن برامج التعويض الجزئي التي ينفذها الجانب الأوروبي لا تضاهي برامج مماثلة تنفذها دول أوروبية أخرى في دول أخرى. كذلك فإن حصة السوق الاوروبية من الصادرات الصناعية الخليجية هي حصة محدودة إذا ما قورنت بحصة الأسواق الأوروبية والآسيوية. أما بخصوص المفاوضات الخليجية ـ الأميركية بشأن التوصل لاتفاقية للتجارة الحرة, فقد شهدت هي الأخرى حرارة للأسباب نفسها. وقد شهدت الاجتماعات الثنائية بين وفد تجاري أميركي زار عددا من الدول الخليجية مؤخرا تمهيدا للاجتماع السنوي بين الجانبين في وقت لاحق هذا العام تركيزا خليجيا واضحا على موضوعات حيوية بالنسبة له مثل نقل التكنولوجيا الأميركية إلى دول المجلس وتنفيذ مشروعات استثمارية مجدية تتناسب والمناخ الاستثماري والمزايا المتاحة لرأس المال الأجنبي وتوفر مصادر التمويل, كما تركز على أهمية بذل الجهود لتشجيع المستثمرين على الدخول في مشروعات مشتركة وضرورة استغلال برامج التوازن الاقتصادي لنقل التكنولوجيا ودفع حركة تنفيذ المشروعات المشتركة, إضافة طبعا إلى تشجيع الصادرات وحقوق الملكية الفكرية والتكامل الاقتصادي. وغني عن القول أن العلاقات التجارية الخليجية ـ الأميركية متشعبة وقديمة ومهمة لكلا الطرفين, إذ تستورد الولايات المتحدة أكثر من 20% من احتياجاتها النفطية من دول المجلس. وتشير تقديرات العام 1998 إلى أن مجموع صادرات دول المجلس إلى الولايات المتحدة قد وصلت إلى نحو 9 مليارات دولار ووارداتها منها 15 مليار دولار مما نتج عن ذلك عجز بأكثر من 6 مليارات دولار لصالح الولايات المتحدة الأميركية. كما أن تجارة دول المجلس مع أميركا تمثل ما يناهز 75% من إجمالي قيمة التجارة العربية مع الولايات المتحدة, وهو مؤشر قوي على كبر حصة دول المجلس من إجمالي تجارة الدول العربية مع الولايات المتحدة. وتزيد حصة المملكة العربية السعودية وحدها على نصف تجارة العرب مع أميركا, حيث بلغت العام الماضي 863.16 مليار دولار, في حين شكلت تجارة دول المجلس الخمس الأخرى مجتمعة أقل من 25%, وبلغت حصة الإمارات وحدها 25.9%. وفي ما يخص نقل التكنولوجيا وزيادة الاستثمار الأميركي بدول المنطقة, تتطلع دول المجلس بشكل خاص إلى قيام الولايات المتحدة بتكرار تجربتها في إقامة شراكة استراتيجية مع الدول الآسيوية من خلال (آسيان) معها. وترى دول المجلس أنها كتجمع إقليمي بإمكانه أن يقيم شراكة مماثلة مع الولايات المتحدة, حيث تتوفر عناصر النجاح لهذه الشراكة مثل وجود أسواق الاستهلاك الخليجية للبضائع الأميركية وانفتاح الأسواق التجارية والمالية الخليجية والاستقرار السياسي والاجتماعي في دول المنطقة وارتباط العملات الخليجية بالعملة الأميركية إلى جانب توفر المواد الخام الأولية مثل النفط والغاز والبتروكيماويات والألمنيوم. ولا ننسى أن دول خليجية عديدة مثل السعودية والكويت أقدمت في الآونة الأخيرة على اتخاذ العديد من الخطوات لتشجيع استقطاب الاستثمارات الأجنبية إلى بلدانها, خاصة في قطاعات الغاز والنفط وذلك إضافة إلى ما سبق أن اتخذته دول التعاون الأخرى من إجراءات تحريرية لاقتصاداتها وفتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية.