فجرت رغبة الحكومة المصرية في ربط الاحتياطيات النقدية الأجنبية بأكثر من عملة دون جعل الأمر مقصورا على الدولار جدلا في الأوساط المالية والاقتصادية المصرية التي تباينت آراء خبراؤها حول مثل هذه الخطوة إن تمت إضافة إلى تعدد الآراء بشأن قضية الاحتياطي الأجنبي ذاته في ضوء دعوة البعض إلى البحث عن أفضل سبل استثماره. وقد قدرأحدث تقارير وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية في مصر حجم الاحتياطي الأجنبي المصري نهاية يونية الماضي. بنحو 6.15 مليار دولار مقابل 4.19 مليار دولار عن نفس الشهر من العام الماضي 1999 وبعد أن تخطى 22 مليار دولار نهاية عام 1995 واعتبرته مؤسسات التقييم والمال الدولية مثل استاندر آند بورز, وحيرلينش وغيرها دلالة على نجاح برنامج الإصلاح الهيكلى والاقتصادى فى مصر الذى دشن عام 1986 إذ كان مؤشره يتجه للزيادة دون الانخفاض. وفى الاتجاه نفسه جاءت تصريحات رئيس الوزراء المصرى الدكتور عاطف عبيد مطلع الشهر الحالي )يوليو( من أن الحكومة تدرس ربط الاحتياطيات النقدية الأجنبية لمصر بأكثر من عملة دون إبقائه مقصورا على الدولار فقط وهو كما فسره المراقبون بالرغبة فى إقامة علاقات متزنة مع دول العالم على قدم المساواة تراعى صالح البلاد بعيدا عن السياسة. أوعية ادخارية ودولارات يقول محمد البربرى كبير مستشارى البنك المركزى المصرى ونائب المحافظ سابقا أن 85% من إجمالي احتياطى مصر من العملات الأجنبية موجود فى صورة دولار فى حين تتوزع النسبة الباقية بين عملات رئيسية أخرى أبرزها العملات الأوروبية والين اليابانى. ويضيف البربرى انه سيتم استثمار احتياطيات مصر فى أوعية ادخارية وأوراق مالية تتميز بالضمان والسيولة السريعة والعائد المناسب موضحا أن الاحتياطى لن يستثمر فى صورة ودائع بنكية فقط خاصة أن الأذون تكون صادرة من حكومات دول قو ية اقتصاديا مثل الولايات المتحدة, ومجموعة الدول الصناعية السبع. الغريب فى الأمر أن هذا الموضوع سبق أن دار حوله جدل كبير عامى 98 و1999 مما دفع البربرى نفسه الى أن يكشف عن إسناد البنك المركزى المصرى الى 4 مؤسسات دولية إدارة الاحتياطى النقد الأجنبى يبدأ على مراحل الأولى منها 400 مليون دولار بواقع 100 مليون دولار لكل مؤسسة بداية من مطلع عام 1999 وأشار البربرى الى انه سيتم تقييم هذه التجربة لاقرار مدى التوسع فيها بإسناد باقى أموال الاحتياطى الأجنبى من عدمه. وسبق أن حدد البربرى هذه المؤسسات التى تتمتع حسب رأيه بكفاءة وخبرة فى إدارة مثل هذه الأموال وتشمل )يونيون بانك اوف سويزر لاند( سويسرا, وكومارز بانك الالمانى بفرانكفورت, وميرل لنيش ومسبى بى مورجان الأمريكيتان حيث لن تتخذ هذه المؤسسات أى قرار استثمارى يتعلق بأموال الاحتياطى دون الرجوع الى البنك المركزى علما أنه يحظر على هذه الشركات الاستثمار فى مجال الأسهم والعقود الآجلة. نهائيا تجنبا لمخاطر من هذا النوع من الاستثمار. ويقضى الاطار القانونى لادارة الاحتياطى الاجنبى مع هذه الشركات بمنع استثمار الأموال فى أية عمليات مضاربة ويشترط استثمارها فى أوعية استثمارية من السهل تسييلها فى أى وقت لمواجهة أى التزامات طارئة للدولة ويتوقع أن تجلب هذه الأموال عائدا لمصر مقداره مليارى دولار سنويا على الأقل فى حالة إسناد كل هذه الأموال للشركات الأجنبية مع العلم أن هناك أكثر من مليار دولار يجرى استثمارها فى سندات وأذون خزانة حكومية من 12 دولة أجنبية تساهم فى سداد جزء من الدين الخارجى البالغ 5.28 مليار دولار. غرفة مضاربات ومن جانبها تقول الدكتورة فايقة الرفاعى وكيل محافظ البنك المركزى المصرى سابقا والخبيرة فى المركز المصرى للدراسات الاقتصادية حاليا أن فريقاً أوروبي كان قد قام بدراسة خاصة للبنك المركزى لاقامة غرفة مضاربات على أحدث مستوى عالمى بهدف إدارة الاحتياطى النقدى لمصر بدلا من الأجانب وقالت أن هذه الدراسة جرت عبر منحة من الاتحاد الأوروبى وتشمل تطوير أجهزة وادارات البنك المركزى ويديرها فريق عمل مصرى على أعلى مستوى تحت اشراف لجنة خا صة من قيادات البنك. وأضافت فائقة انه سيتم استثمار جزء من الاحتياطى النقدى لمصر فى شراء أذون وسندات خزانة مضمونة من حكومات عدد من الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة, وفرنسا, وألمانيا وانجلترا علاوة على جزء يستثمرمن الاحتياطى فى صورة ودائع فى عدد من ا لبنوك العالمية العملاقة. وتبدى فايقة تحفظها على اقتراح صندوق النقد الدولى الخاص بانشاء آلية جديدة أو إدارة محترفة لادارة احتياطيات النقد الأجنبى بهدف زيادة العوائد بدلا من إدارة البنك المركزى لأن ذلك يؤدى الى تعريض الاحتياطى لمخاطر مضاربة وانهيارات فى البورصات العالمية. وتؤيد فائقة فض عملية ربط الجنيه بالدولار الذى استمر فترة طويلة وساهم فى تقوية الدولار على حساب الجنيه بتكوين الاحتياطى من النقد الأجنبى فى سلة عملات الدول ذات الاقتصاد القوى تفاديا للمخاطر مع مراعاة أن حجم معاملات مصر الخارجية فى التجارة تتوزع بين 45% مع الاتحاد الأوروبى من اجمالى استيراد وتصدير حجم الميزان التجارى قدره 5.43 مليار جنيه سنويا مقابل 38% مع الولايات المتحدة الأمريكية والباقى مع الدول العربية, والافريقية ودول اسيا. وتنصح فائقة بأن يكون احتياطى النقد الأجنبى موزع بين الجنيه الاسترلينى واليورو, والمارك الألمانى, والفرنك السويسرى, والدولار, ووحدات حقوق السحب الخاصة مشيرة الى أن مطالب صندوق النقد والبنك الدوليين بشأن الاحتياطى هدفها الدخول فى مضاربات على العملات الأجنبية بدلا من تكونها معتقدة انها عاطلة غير أنها تقوم بأدوار كبيرة فى مقدمة استقرار الاقتصاد القومى. تحذير وانفلات الخبير المالى الدكتور سمير رضوان يحذر من الاستجابة لدعوات الصندوق إذ أن ذلك سيؤدىالى انفلات يقضى على استقرار سعر صرف الجنيه امام )الدولار( نتيجة تأثرنا بأى انهيارات فى الخارج بعد توظيف الاحتياطى النقدى فى أوعية عالية المخاطر بدعوى تحقيق عوائد عالية. ويعترض رضوان على طلب الصندوق بعدم ضخ جزء من الاحتياطى للتغلب على شدة الطلب على الدولار إذ أن هذا من أولويات الاحتياطيات النقدية فى أى بلد لضبط سعر الصرف. ويقضى على محاولات رفع قيمة الدولار أمام الجنيه مشيرا الى أن أذ ون الخزانة من بين الأدوات التى يمكن أن تدر عائداً معقولاً ومنخفضة المخاطر. وتساعد فى سد فجوة بين تضاؤل الايرادات السيادية مع سداد حقوق الديون. ويقترح أن يعاد النظر فى هيكل هذا الاحتياطى بواسطة انشاء جهاز جديد مستقل يدير الاحتياطى النقدى بأساليب متطورة تحت اشر اف البنك المركزى يراعى العلاقات الارتباطية بين العملة المحلية والأجنبية وعلاقات مصر مع العالم الخارجى. لكن د.نبيه رشاد نائب رئيس بنك مصر الدولى يقول ان علاقة الدولار مع الجنيه وارتباطهما منذ فترة واحتفاظ البلد بالاحتياطى من النقد الأجنبى في صورة الدولار فى معظمه يعود الى أن معظم حصيلة البلد من النقد الأجنبى تأتى فى صورة دولار كما أن الديون الخارجية المستحقة علينا )5.28 مليار دولار( بنفس العملة فضلا عن أن معظم المعاملات البنكية والتجارية تفضل التعامل مع الدولار على اعتبار انه أكثر استقرارا مع التقلبات التى يشهدها العالم من وقت لآخر, ونسب التراجع وفتراتها قصيرة للغاية مما يجعله أكثر قبولا لدى الغالبية فى مجال الاستثمار والأعمال. التنويع مطلوب عبدالستار عشرة أمين عام اتحاد الغرف التجارية ورئيس الشعبة العامة لشركات الصرافة سابقا يعترض على تركيز الاحتياطى فى عملة واحدة مثل الدولار أو بنسبة مبالغ فيها إذ أن ذلك ينعكس سلبا على قيمة الاحتياطى وتعرضه لانخفاض قيمته من وقت لآخر حسبما تكون قيمة هذه العملة بالأسواق الخارجية, وتجعل تأثرنا بأى انهيارات اقتصادية تصيب اقتصاد تلك الدول المصدرة للعملة كبيراً خاصة أن تجربة دول جنوب شرقى آسيا يجب أن تعلمنا أن كل الأحوال واردة من صعود وانخفاض فى أى اقتصاد مهما كبر أو صغر حجمه. ويطالب عشرة بتنويع هيكل الاحتياطى بين عدة عملات قوية مثل اليورو وخاصة أن أكثر من40% من معاملاتنا الاستيرادية والتصديرية, والاستثمار مع الاتحاد الأوروبى وجارى مباحثات الشراكة التى ستعظم من شأن ارتباطنا بهذا الاقتصاد الكبير والواسع فى السنوات المقبلة كما أن التنويع يحقق سيولة كبيرة مع توحيد البورصات الأوروبية, وتزيد من عوائد البلد من توظيف هذه الاحتياطيات ويقلل من تأثرنا السلبى بالعوامل الخارجية علما أن مصر لا تستطيع تحمل انهيار فى الاحتياطى مثلما عانت دول جنوب شرق آسيا نهاية عام .1997 تخوف من اليورو كرم سليمان مدير إدارة المعاملات الدولية ببنك كايرو باركليز يرفض الاسراع بإدخال اليورو ضمن سلة عملات احتياطيات مصر من النقد الأجنبى ويرجع ذلك الى أنه رغم أهمية الاقدام على ربط الاحتياطيات بسلة عملات وعدم اقتصارها على عدد محدود أو عملة واحدة تجنبا للمخاطر الا أن الوقت مازال مبكرا لقيام البنك المركز بإدخال اليورو ضمن المكون الأساسى للسلة خاصة فى ظل انخفاضه الملحوظ أمام الدولار الذى بلغ نسبته 20% منذ اصداره. ويؤكد أن مصر مطالبة بدراسة أسباب انخفاض اليورو بهذه النسبة والتوقعات المسقبلية وحجم تعاملاتنا مع العالم الخارجى قبل أن تقدم على هذه الخطوة فضلا عن دراسة قوة باقى العملات واقتصاديات الدول المصدرة لها التى ستدخل ضمن مكونات سلة عملات الاحتياطى. ومع ذلك فإن كرم سليمان يتفق مع أهمية استغلال جزء من هذا الاحتياطى من النقد الأجنبى فى تحقيق عائد حيث أن عائده يتراوح بين 3% إلى 5% على أذون الخزانة والسندات التى تدور جزءاً ضئيلاً من هذا الاحتياطى حاليا.