تعكس نسبة إسهام عوائد البترول في إجمالي الإيرادات العامة لإمارة أبوظبي مدى استمرار اعتماد دخل الإمارة على هذه العوائد, حيث بلغت نسبة العوائد البترولية نحو 4 .81% في العام ,99 في حين كانت النسبة في العام 94 نحو 5 .85%, بينما وصلت نسبة المساهمة حدها الأدنى العام 96 حيث بلغت نحو 79%, في حين شهد العام 98 تراجعا كبيرا في معدلات الطلب على البترول, الأمر الذي انعكس بدوره على انخفاض أسعار النفط وإيرادات الإمارة من البترول. ويكفي للدلالة على ذلك أن التحسن الذي طرأ على أسعار النفط أدى إلى زيادة الإيرادات البترولية بنسبة 35% للعام ,99 مقارنة بالعام ,98 وذلك نتيجة لحالة الاستقرار النسبي وإعادة التوازن بين العرض والطلب على البترول الخام, وزيادة أسعار البترول إلى مستويات جيدة, كما أكدته دائرة تخطيط أبوظبي في تقريرها الأخير حول التطورات الاقتصادية والاجتماعية بالإمارة للفترة من العام 1994 إلى 1999. ولا خلاف بالطبع على استحواذ القطاع الحكومي في إمارة أبوظبي على معظم الموارد المالية, نظرا لأنه كان الأكبر تأثرا بتقلب الأوضاع النفطية وما ينجم عن هذه التقلبات من تدني الموارد العامة, وتأثير ذلك على أوضاع ومتغيرات المالية العامة ومن ثم المسار الاقتصادي وتشكيل الملامح والسمات الأساسية لهيكل اقتصاد الإمارة. وبالتالي فإن أي تطور وتقدم اقتصادي يتوقف على مدى استقرار أسعار النفط, وبالتالي العوائد البترولية للإمارة اعتمادا على ما يمكن أن توفره وتخصصه الحكومة من مدخرات من تلك العوائد. إضافة إلى أن الإيرادات العامة خلال فترة زمنية معينة تمثل الموارد المالية والاقتصادية التي تحصل عليها الحكومة بهدف إنفاقها على أوجه متعددة من النفقات, لتقديم خدمات عامة ولتحقيق أهداف اقتصادية أخرى. ومما لاشك فيه أن استمرار اعتماد الإمارة على مصدر رئيس للإيرادات بها يشكل هاجسا كبيرا لدى المسئولين بالإمارة, من أجل الانتقال باقتصاد الإمارة من المرحلة الحالية, والتي يطلق عليها الخبراء مرحلة الاقتصاد الريعي, إلى مرحلة الاقتصاد متعدد الجوانب, وذلك من أجل إيجاد مرتكزات اقتصادية جديدة بعيدا عن الاعتماد الكلي على الاقتصاد النفطي. وفي الواقع فإن المتابع لجوانب الإيرادات الأخرى غير البترولية في الإمارة يجد أنها بلغت نحو 6.18%, منها 6.11% إيرادات الدوائر الجارية, و7% إيرادات رأسمالية للعام ,99 وفقا لآخر الاحصاءات. وتتمثل الإيرادات غير البترولية في الرسوم الخدمية وعوائد الاستثمارات المالية, التي تشتمل على استرداد القروض الداخلية والخارجية السابق منحها للمؤسسات والهيئات الاجتماعية, واسترداد القروض الممنوحة عن طريق مشروع خليفة للإسكان التجاري واسترداد القروض السابق منحها للحكومات الأجنبية. ولاتزال نسبة هذه الإيرادات متدنية جدا مقارنة بالإيرادات البترولية, الأمر الذي يتطلب ضرورة الاهتمام بتنمية أنشطة إنتاجية جديدة بما ينعكس على ارتفاع وتعزيز إسهامها في الإيرادات المالية للإمارة مستقبلا. وإذا كانت هذه حال الإيرادات فإن الإنفاق على الجانب الآخر بدوره يشتمل على أوجه رئيسية تتمثل في المصروفات الاعتبارية للدوائر المحلية, ومصروفات التطوير الحكومية لهذه الدوائر, والإسهام في مصروفات الحكومة الاتحادية والمعونات والقروض, سواء للجهات المحلية أو الخارجية والمدفوعات الرأسمالية. ويظل إسهام حكومة أبوظبي في مصروفات الحكومة الاتحادية هو الذي يستحوذ على النسبة الأكبر من مجموع الإنفاق, حيث بلغ ما نسبته 44% العام ,99 في حين بلغ العام 96 نحو 6.33%. وتتوقف نسبة هذا الإسهام على حجم إيرادات البترول بالإمارة, مع الأخذ في الحسبان أيضا الاتفاق المبرم مع الحكومة الاتحادية في هذا الشأن. في حين يأتي بند المصروفات المتكررة للدوائر الحكومية في المرتبة الثانية, حيث تراوحت نسبته بين 27% العام 99 من إجمالي الإنفاق للإمارة مقابل 8.20% العام 96. كما يأتي بند مصروفات التطوير في المرتبة الثالثة من إجمالي الإنفاق, حيث بلغت نسبته 1.20% كحد أقصى العام ,96 بينما بلغ حدها الأدنى 12% العام 96. وتشكل المساعدات التي تقدمها حكومة أبوظبي في شكل قروض ومنح وإسهامات, للحكومة الاتحادية وللمؤسسات الأجنبية الأخرى العربية والدولية, نسبة مهمة في إجمالي الإنفاق, حيث بلغت حدها الأقصى في العام 96 وبنسبة 2.11% من إجمالي الإنفاق مقابل 7.4% كحد أدنى في العام 94. بينما بلغ حجم المدفوعات الرأسمالية الأخرى, والتي تتمثل في تمويل حكومة أبوظبي لمشروع المباني التجارية بالإمارة, وتقديم القروض لبعض المؤسسات القائمة لمساعدتها, في العام 97 ما نسبته 12%, وهي أعلى نسبة للمدفوعات الرأسمالية في إجمالي الإنفاق. وبلغت المصروفات الاستثنائية غير الاعتيادية, التي تمثل التزامات مالية تجاه الأقطار الصديقة, 6.14% من إجمالي الإنفاق. وبقراءة للواقع الحالي ومعطيات المالية العامة للإمارة, وانطلاقا من المتغيرات والتطورات على الساحة الاقتصادية المحلية والإقليمية والعالمية, فإننا نجد أن هناك أوجه إنفاق تتطلب ضرورة العمل على ترشيدها, خاصة وأن الاقتصاد الظبياني لايزال يعتمد وبشكل رئيس على العوائد النفطية والتي تشكل موردا (ناضبا) وغير متجدد, الأمر الذي يدعونا إلى العمل على توسيع الطاقات الإنتاجية المحلية وبناء قاعدة ارتكاز قوية للاقتصاد الظبياني, والبحث عن مصادر للدخل من شأنها المحافظة على مستوى لائق من المعيشة لأبناء الإمارة كما يقول الخبراء. مصادر مالية واقتصادية أكدت بدورها أن هذا يمكن أن يتحقق بالفعل عن طريق زيادة نسبة الاستثمارات في القطاعات الاقتصادية غير النفطية, مع العمل على تنمية وتطوير القطاعات الخدمية ـ وخاصة التعليمية منها ـ لخلق كادر وطني يتولى ويتحمل مسئولية أعباء التنمية في عصر ما بعد النفط, ويتمثل هذا في خلق نشاطات إنتاجية محلية وإقليمية تتكامل فيها القطاعات وتتشابك الوحدات في أنشطة إنتاجية ترتكز على مقومات دائمة ومتجددة, غير معتمدة على استمرار الدعم الذي تتيحه صادرات النفط, وقادرة تدريجيا على دعم النشاطات الاقتصادية والاجتماعية التي يسمح بها الريع النفطي في الوقت الحاضر, وتحتاجها المتطلبات الاقتصادية الجديدة المعاصرة. وأكدت المصادر أن هذا يتطلب التركيز على الاستثمار الاقتصادي في قطاعات إنتاجية جديدة متنوعة (سلعية وخدمية) في مجال الإنتاج المباشر وغير المباشر, بواسطة القطاع العام والقطاع الخاص, تكون قادرة في مجملها على أداء وظائف التنمية الاقتصادية. وترى المصادر أن مشكلة اقتصاد إمارة أبوظبي هي اعتماده الكبير على ريع النفط الذي يفترض استمرار القدرة على تصديره بأسعار تفوق كثيرا تكلفة إنتاجه, وهذا أمر لا يمكن استمراره إلى الأبد, فالنفط مورد غير متجدد كما أن إمكانية تصديره تتوقف على الطلب العالمي, فضلا عن كون الريع المتحقق من خلال إنتاجه أو تصديره يتوقف على تكلفة الإنتاج في ضوء الأسعار السائدة. وبالتالي فإنه من المنطقي القول إن استمرار الاعتماد المطلق على النفط سوف يعطي أية أزمة اقتصادية عابرة زخما متزايدا يتمثل في تلاشي مصادر الدخل. وأكدت المصادر ضرورة تنظيم وترشيد الإنفاق الجاري, وذلك بتنمية المدخرات العامة في إطار يمنع زيادة الإنفاق الجاري عن مثيله بند الإيرادات الجارية بهدف توجيه وترشيد الإنفاق الجاري, ويجب أن يتم ذلك من خلال إعداد دراسات مستفيضة عن الاقتصاد الوطني. والأمر يتطلب في الإطار العام لترشيد النفقات الجارية السعي لترشيد عملية التوظيف, والاستغلال الأمثل للعمالة المتاحة, ورفع معدلات الأداء والارتقاء بمستوى الخدمة, مع التركيز على تنمية العمالة الوطنية والاستثمار البشري الوطني. ودعت المصادر إلى ضرورة توجيه الاستثمارات الحكومية والخاصة نحو أنشطة إنتاجية بهدف تنويع مصادر الدخل القومي, وذلك في ضوء الارتفاع الحاصل في إجمالي التكوين الرأسمالي الثابت في مجال أنشطة الخدمات العامة والبنية الهيكلية خلال السنوات الماضية. وشددت المصادر على ضرورة أن يكون بند المساعدات الخارجية ضمن القدرة المالية للإمارة, نظرا للآثار السلبية التي تفرزها تلك المساعدات على الفائض الجاري والمدخرات الحكومية. وقالت المصادر إنه في ضوء الاعتماد الكبير لميزانية الإمارة على الإيرادات البترولية كمصدر أساسي للدخل, فإنه من الضروري تطوير الإيرادات الأخرى لتحقيق إيرادات جارية متنوعة, وبما يتواءم والظروف الموضوعية. إضافة إلى ضرورة اعتماد سياسة جديدة للدعم والإعانات والمساعدات الاجتماعية, وخلق موارد ذاتية من شأنها التقليل من حجم التحويلات الجارية, وبالتالي تخفيف العبء عن الميزانية العامة, وتنمية عوامل الإنتاج المحلية بانتهاج استراتيجيات صناعية وزراعية وتجارية تسهم في التوجيه نحو التصدير لتعديل الهيكل الاقتصادي, واعتماد تعديل الهيكل الإنتاجي وتنويع مصادر الدخل في الإمارة من خلال أسلوب التخطيط الشامل. وأكدت المصادر أهمية إعداد دراسات تخصصية بشأن تحديد مسارات الاقتصاد الوطني, معتمدة في ذلك على توفير البيانات المالية, بحيث تكون على شكل حسابات ختامية تفصيلية تخدم إعداد خطط اقتصادية شاملة بالإمارة.