تصاعدت حدة مشكلة شح المياه وباتت تهدد بآثار اقتصادية كبيرة ليس فقط على المزارعين ولكن ايضا على واحدة من الصناعات المهمة بالدولة وهي مصانع تعبئة المياه. وتبادلت اطراف عديدة الاتهامات حول الاطراف المسئولة عن القضية. حيث تتهم شركات المياه ان المزارعين يستنزفون مخزون المياه الجوفية من خلال حفر آبار بدون تراخيص والتوسع في عمليات الحفر بشكل يهدد بنضوب المخزون الجوفي, بينما يوجه المزارعون اتهاماتهم الى شركات المياه بأنها السبب الرئيسي في عملية الاستنزاف. وبعيداً عن هذا وذاك تقف الاحوال المناخية وتوقف الامطار عن السقوط سببا رئيسيا في تفجر المشكلة. في هذا الحوار مع أحد المسئولين عن واحدة من أهم شركات انتاج المياه المعدنية بالدولة وهي شركة جيما يؤكد محمد يحيى زكريا مدير عام الشركة ان السبب الرئيسي في استنزاف مخزون المياه الجوفية الذي تكون عبر آلاف الاسنين هو الآبار العشوائية التي يتم حفرها في المزارع بدون اشراف او ترخيص من اية جهة رسمية وهو امر لا يمكن ان يحدث في اي مكان بالعالم حتى لو كان فيه نهر جار. واعتبر ان هذا المخزون ثروة قومية لابد من الحفاظ عليها ولابد من وضع ضوابط تمنع حفر الابار بدون ترخيص. كما يجب اجراء مسح علمي لحجم المياه الجوفية بحيث يكون اعطاء التراخيص وفق ضوابط لا تؤدي الى نضوب هذا المخزون في يوم من الايام كما يحدث مع آبار النفط لان المياه في المرحلة المقبلة ربما تكون اغلى من النفط ليس فقط في المنطقة ولكن في العالم كله. وأكد زكريا وجود مئات الالاف من الابار العشوائية التي تم حفرها دون ترخيص ودون رقابة رغم ان المخزون الجوفي يشكل المصدر الوحيد للمياه الطبيعية في الدولة الأمر الذي كان لابد من ضرورة الحفاظ عليه. وطالب باهمية الاسراع بانشاء شبكات للصرف الصحي في المنطقة التي لا توجد بها هذه الشبكات بحيث يتم عمل محطات لمعالجة هذه المياه واستخدامها في الزراعة بدلا من استخدام المياه الجوفية. وقال ان الازمة الحالية لا تقتصر على الدولة وانما تشمل كل منطقة الخليج والجزيرة العربية مؤكدا انه لو استمر عدم نزول الامطار لمدة ثلاث سنوات اخرى فإن ذلك يهدد بكارثة حقيقية ولابد من اتخاذ الاجراءات اللازمة للحفاظ على ما تبقى من المخزون الجوفي حتى الآن. وذكر ان مئات الملايين من الدولارات انفقت على الاستثمارات في قطاع انتاج المياه المعدنية وينبغي الحفاظ عليها كما ان هذه المنتجات تسد حاجة السوق المحلي وبالتالي تدعم الميزان التجاري بدلا من استيراد هذه السلعة من الخارج وبالتالي يجب البحث عن مصادر بديلة للمياه لاستخدامها في الزراعة والحفاظ على مخزون المياه الجوفية. مشكلة حقيقية * ما هو تقييمك للوضع الحالي فيما يتعلق بشح المياه وتأثير ذلك على القطاعات الاقتصادية؟ ـ هناك مشكلة حقيقية في المنطقة كلها تدعو الى الترقب والانتباه. فمنذ اكثر من ثلاث سنوات لم تسقط امطار وهذا اثر بشكل مباشر على المخزون المائي الذي لم يتكون في يوم وليلة وانما عبر آلاف السنين. فهناك مناطق انخفض فيها مستوى المياه بشكل ملحوظ ومناطق اخرى تتعرض للنضوب. ولكن الذي احدث مشكلة كبيرة هو استنزاف المخزون عبر آلاف الآبار العشوائية التي يتم حفرها دون رقابة او ترخيص. وكان الواجب حيال عدم سقوط الامطار ان تتخذ اجراءات اكثر شدة في الترخيص بحفر الابار ومراقبة هذا الامر بشدة عبر جهاز خاص بذلك. فالمشكلة سببها الرئيسي عدم التخطيط المناسب في الاستثمار بهذا القطاع الحيوي. واصبح كل واحد يحفر بئرا لاغراض الزراعة او غيرها ويستنزف المخزون الجوفي دون اذن من اية جهة مسئولة ودون رقابة. والمفروض ان يكون حفر الابار الجوفية بإذن واذا تأخر وضع ضوابط لهذه العملية فإن الازمة ستزداد. * كم تقدر عدد هذه الابار وهل هناك احصائيات بها؟ ـ عشرات الآلاف من الآبار ولكن لا توجد احصائيات دقيقة. هناك عشرات الآلاف فعلا من الآبار التي تم حفرها بشكل عشوائي. كل واحد يحفر بئرا ليروي مزرعة صغيرة. فإذا اضفنا الى ذلك ان هذا المخزون الجوفي الذي يعد المصدر الوحيد للمياه الطبيعية لم يزود بالمياه منذ ثلاث سنوات فإننا ندرك حجم الكارثة. كما اننا لو علمنا انه حتى هذه اللحظة مازال هناك من يحضر الآبار على اعماق كبيرة في محاولة للحصول على المياه للزراعة واعتقد ان ذلك سيستمر لفترة لحين وضع ضوابط لادراك مدى الكارثة المتوقعة ايضا. مياه محلاه * بصراحة شديدة ما تأثير هذا الوضع على شركات المياه؟ ـ بصراحة شديدا تأثير سيء وبدون تحديد اسماء شركات فإن هناك شركات تجلب المياه من دبي وتقوم بتعبئتها على انها مياه معدنية وهي مياه محلاة تم جلبها من المناطق القريبة للمصانع في (تنكرز) وهذا من نتائج شح المياه الجوفية. ولكن هذا ولله الحمد لا ينطبق على جيما لأن الازمة الكبيرة للمياه هي حاليا في المناطق الشرقية ونحن اقمنا المصنع بعد دراسة مستفيضة وعلمية في نبع جيما في منطقة حتا بدبي وهو نبع معروف بمخزون ضخم من المياه لا ينضب لانها بحيرة ضخمة تحت الارض. ولكن ايضا فإن استنزاف المياه وعدم سقوط الامطار لاشك انه سيؤثر على المدى البعيد ولهذا فإننا ننادي بأهمية وضع ضوابط للحفاظ على هذه الثروة القومية. واعتقد ان المفروض عمله اولا هو الايقاف الفوري لحفر الابار ثم وضع ضوابط وتراخيص لهذا الامر واقامة جهاز لمراقبة تنفيذ هذه الضوابط. * وماذا عن تراخيص انتاج المياه المعدنية؟ ـ ايضا اعتقد انه لابد من الايقاف الفوري لتراخيص انتاج المياه. فالشركات الموجودة حاليا تكفي وزيادة كما انه لابد من اخذ حجم المياه المتاح في الاعتبار ومنح التراخيص بشكل لا يهدد بنضوب هذا المخزون الذي كما قلنا تكون عبر آ لاف السنين. ويكفي عدم سقوط الأمطار. فاعتقد انه اذا لم تسقط الامطار لمدة عامين او ثلاثة اخرى فإن كل المخزون الجوفي بالدولة سيتعرض للنضوب مع استمرار الاستنزاف الحالي. وبالتالي لن تتضرر الزراعة فقط وانما ايضا استثمارات قطاع انتاج المياه والتي تقدر بأكثر من 300 مليون درهم. واذا حدث ذلك فإن هذا سيؤدي الى مزيد من الاستيراد من الخارج وبالتالي ارهاق الميزانية العمومية. هذا بخلاف الآثار الاخرى المتمثلة في العمالة وغيرها. انخفاض الأسعار * ما تأثير هذه الازمة على اسعار المياه؟ ـ على عكس ما هو متوقع من ان ذلك سيؤدي الى ارتفاع الاسعار فإن الاسعار تنخفض باستمرار بسبب المنافسة الشديدة بين الشركات وقيام بعض هذه الشركات بخفض الاسعار بصورة تصل الى (حرق اسعار) من اجل زيادة حصتها في السوق وهذا يطر بقية الشركات الى خفض اسعار منتجاتها. ولكن اعتقد اذا استمر الوضع على ماهو عليه حاليا فسوف تضطر الشركات لرفع الاسعار وإلا تغلق ابوابها. 12 مليون درهم * ماذا عن توسعات جيما الاخيرة وهل تعتقد ان الوقت مناسب لهذه التوسعات؟ ـ كما قلنا فإن مصنع جيما اقيم على نبع جيما في منطقة حتا بعد دراسات استغرقت عدة اعوام شارك فيها خبراء من فرنسا وبتكاليف كبيرة. وهي منطقة تقوم على بحيرة من المياه الجوفية الرائعة ويكفي انه في ظل هذه الازمة فإن الانتاج لم يتأثر بل على العكس تمت زيادة الانتاج. والتحذير الذي نتحدث عنه هو لتحاشي حدوث مشكلة مستقبلا اذا استمرت عملية الاستنزاف العشوائى. فالمزارع يجب ان تستخدم في زراعتها مياه معالجة مثل مياه الصرف الصحي ويجب ان نحافظ على المياه الجوفية للاستخدام الآدمي وليس العكس. أما بالنسبة للتوسعات في جيما فقد اكتملت وبدأت الانتاج حاليا وينتظر افتتاحها رسميا في سبتمبر المقبل. وقد تجاوزت تكاليف عملية التحديث اكثر من 12 مليون درهم حيث اصبح المصنع حاليا احدث مصنع من نوعه على مستوى الشرق الاوسط, يقوم لأول مرة بتصنيع العبوة وتعبئتها بالمياه وتغليفها آليا في عملية واحدة ودون تدخل بشري الأمر الذي يضمن الجودة والتعقيم والنظافة المطلقة. ومن ناحية اخرى فقد ادت هذه التوسعات الى مضاعفة الانتاج رغم قلة الايدي العاملة لانه يعتمد على استخدام تكنولوجيا حديثة بدلا من العمالة الكثيفة. والمصنع حاليا يقوم بتعبئة 15600 عبوة في الساعة الواحدة. 50% زيادة * هل كان لذلك انعكاسات على حصة الشركة من السوق؟ ـ ازدادت حصة الشركة بالسوق بنسبة 50% منذ عمل المصنع الجديد خاصة وان ذلك صاحبه طرح عبوة جديدة مع شعار جديد مختلفة في كل شيء في التصميم والشكل والمضمون. ونحن نركز حاليا على السوق المحلي الى جانب اسواق الخليج حيث دخلنا سوق عمان وقريبا في الكويت. * وماذا عن توسعات شركة بيبسي كولا؟ ـ توسعات شركة البيبسي كولا (دبي للمرطبات) يتم اجراؤها حاليا على مراحل حيث وصل خط انتاج جديد بتكلفة 7 ملايين درهم يجري تركيبه حاليا وهو لتعبئة عبوات الزجاج والعبوات البلاستيكية الكبيرة. وإلى جانب هذا تم الاتفاق على خط آخر جديد لتعبئة عبوات العلب بتكلفة 10 ملايين درهم يتوقع الانتهاء منه في مارس من العام المقبل. وسوف تؤدي هذه التوسعات الى رفع الطاقة الانتاجية الى حوالي 25 مليون صندوق وهو اكثر من ضعف الانتاج الحالي. وكما حدث في جيما فقد اعتمدنا في هذه التسوعات على تكنولوجيا حديثة ترفع الانتاج مع تقليل ساعات العمل والايدي العاملة لأن هذا هو نوع الاستثمارات الذي تركز عليه حكومة دبي حاليا وهو النمط الصحيح للاستثمار.