تعتبر منظمة التجارة العالمية الوريث الشرعي لمنظمة الجات بوضعها الذي كانت عليه, وإضافة للمجالات التي كانت موجودة وتشرف عليها منظمة الجات. ولمواجهة مستجدات التجارة العالمية تم تطوير وتوسيع الأهداف لتشمل تنظيم تجارة الخدمات مثل البنوك والتأمين, وأيضا من الأهداف الجديدة الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية (تريبس) , ومن الأهداف الجديدة الأساسية لمنظمة التجارة العالمية توسيع التجارة العالمية لدفع عجلة التنمية الاقتصادية في كل العالم شريطة أن يتم هذا التوسع والتطوير جنبا إلى جنب مع حماية البيئة والحفاظ عليها. وبما أن منظمة التجارة العالمية ستتابع تنفيذ الاتفاقيات المبرمة بغرض إيجاد نظام تجاري عالمي متعدد الأطراف, فإن هذا النظام لابد من أن يعمل بصورة سليمة ومن دون عوائق أو مشكلات, وبالرغم من أن الجميع يتطلعون إلى وجود منافذ سالكة للتجارة العالمية, إلا أنه لابد من وجود بعض الخلافات في وجهات النظر في تفسير أحكام الاتفاقيات وتفسير كيفية تطبيقها, ولهذا لابد من وجود آلية لفض المنازعات والخلافات التي قد تنشأ وذلك حتى لا يتوقف دولاب التجارة عن الدوران والعمل. وتنص اتفاقية منظمة التجارة العالمية على إيجاد نظام مشترك, يوضح القواعد والإجراءات التي يمكن تطبيقها بشأن المنازعات الناشئة بين الأطراف حول أي مستند قانوني أو مستندات أخرى أو أحكام قانونية يختلف الأطراف حول تفسيرها أو كيفية تنفيذها. وإن مسئولية تطبيق وإيجاد النظام المشترك للقواعد والإجراءات تقع بصفة مباشرة على عاتق المجلس العام, الذي من صميم اختصاصاته إعداد وإنشاء جهاز فعال لتسوية المنازعات بين الأطراف المعنية. ومن القواعد القانونية الأساسية التي تم وضعها بشأن المنازعات التي تنشأ بين الأطراف مبدأ عدم عرض النزاع على جهاز تسوية المنازعات من جانب حكومة أي بلد عضو للنظر في تسويته أو معالجته بواسطة جهاز تسوية المنازعات, إلا بعد الإخفاق في تسوية النزاع من خلال المشاورات الثنائية بين الطرفين المتخاصمين. أي لابد من استنفاد كل طرق معالجة النزاع بين الطرفين, وهذا لفتح المجال أمام الدول الأعضاء للعمل قدر المستطاع على احتواء الخلافات التي تطرأ بينهم ومحاولة تسويتها ومعالجتها في ما بينهم ومن دون دخول أي طرف ثالث. وإذا لم تنجح هذه المحاولات الداخلية للوصول إلى ما يرضي الأطراف حول النزاع, ففي هذه الحالة يمكن اللجوء لجهاز تسوية المنازعات وذلك حتى لا يظل النزاع بين الأطراف إلى ما لا نهاية. ووفقا للإجراءات المتبعة يجوز للطرف الشاكي, عند إخفاق المشاورات أو الجهود في التوصل إلى النتائج المرجوة خلال 60 يوما, أن يتقدم بطلبه بصورة رسمية إلى جهاز تسوية المنازعات لمباشرة تسوية النزاع, وذلك بتشكيل فريق خبراء لدراسة الشكوى بغرض الإسراع في تسوية المنازعات بأسرع وقت ممكن, حتى يتم الاتفاق بين الأطراف نظرا لأن عامل الزمن والسرعة أمر مهم بالنسبة للتجارة بجميع أنواعها. ويتألف فريق الخبراء عادة من ثلاثة أعضاء ما لم يتفق أطراف النزاع على أن يتكون الفريق من خمسة أعضاء. وتقترح الأمانة العامة لمنظمة التجارة العالمية أسماء الأشخاص المراد تعيينهم في الفريق من القائمة التي تحتفظ بها, وهذه القائمة في العادة تشمل خبراء حكوميين أو غير حكوميين, كما تشمل أسماء كبار المسئولين في الدول الأعضاء المؤهلين تأهيلا جيدا, أو أعضاء وفودها لدى المنظمة وكبار الموظفين الذين سبق لهم تدريس قوانين التجارة الدولية أو السياسات التجارية الدولية ولهم خبرات طويلة في هذا المجال. ويجب على فريق الخبراء أن يقدم توصياته إلى جهاز تسوية المنازعات خلال مدة تتراوح بين 6 و9 أشهر, وذلك بعد إجراء تقويم موضوعي لوقائع القضية ونقاط النزاع بين الأطراف, بغرض التأكد من مطابقة موضوع الشكوى مع أحكام الوثائق القانونية ذات الصلة, وذلك لعدم النظر في الشكوى إذا كانت خارج نطاق الاختصاص لأي سبب من الأسباب. ولتشكيل فريق الخبراء لابد من أن تتفق الأطراف المتنازعة على مبدأ تشكيل فريق الخبراء, مع مراعاة ألا تعمل الدولة أو الطرف المرفوعة ضده الشكوى على تأخير تشكيل فريق الخبراء أو المماطلة في ذلك, هذا مع العلم أنه في بعض الحالات يتفق الأطراف على شيء مختلف لعلاج وتسوية النزاع وذلك غير تشكيل فريق الخبراء المتعارف عليه. وفي هذه الحالة يتم تطبيق ما هو متفق عليه, مع العلم أن الخبراء يلعبون دورا كبيرا في تسوية المنازعات التجارية, نظرا لأن وجهات الخلاف في أغلب الأحيان تتعلق بمسائل فنية بحتة أو بإجراءات معقدة لا يفهمها إلا خبراء يتمتعون بكفاءة ودراية ومؤهلات عالية. ومن آليات تسوية المنازعات هناك هيئة الاستئناف, وبحكم اسمها تقوم بالدور الذي تقوم به في العادة محكمة الاستئناف, وذلك بالنظر في الاستئناف الذي يقدمه الطرف المتضرر من الحكم أي من القرار الذي أصدره فريق الخبراء في هذه الحالة. وقطعا فإن السماح بالاستئناف يعتبر تطورا إيجابيا نحو حسم المنازعات, وذلك بإتاحة الفرصة للطرف المتضرر للتقدم لجهة أعلى للنظر في النزاع, وهذا في حد ذاته يقود إلى تطوير المفاهيم التجارية والنظر إليها بصورة أعمق وأشمل, مما يوفر المزيد من العدالة والمزيد من الآراء التي تهدف في الأساس إلى تطوير العمل التجاري بين الأطراف بصورة سليمة وسلسة. ويرفع تقرير فريق الخبراء أو هيئة الاستئناف إلى جهاز تسوية المنازعات لاتخاذ القرارات والتوصيات والأحكام المناسبة بشأنه, ومن أجل ضمان تسوية فورية للمنازعات يشترط ألا تتجاوز المدة بين تاريخ تشكيل فريق الخبراء من قبل جهاز تسوية المنازعات وحتى تاريخ النظر في تقرير فريق الخبراء فترة تسعة أشهر, وخلال فترة لا تتجاوز 12 شهرا اعتبارا من قرار هيئة الاستئناف في حالة الاستئناف, وكل هذا التحديد الزمني يقصد به سرعة تسوية النزاع ولجعل القرارات ناجزة ونافذة. والحصول على حكم لصالح الطرف المتضرر يصبح عديم الفائدة ما لم يتم تنفيذ هذا الحكم, وهذا لا يتأتى إلا بإيجاد سلطة لتنفيذ هذه الأحكام ووضع الأمور في نصابها الصحيح وفقا للقانون. وتنص إجراءات المنظمة على أنه يجوز تنفيذ القرار الصادر عن هيئة حسم المنازعات بواسطة الأطراف المتنازعة بإحدى طرق ثلاث, ونرى أن هذه الإجراءات عملية لأنها تضع بدائل عدة للتنفيذ مما يفتح المجال لاختيار البديل المناسب وتنفيذه وفقا للقانون. ـ البديل الأول: الامتثال, حيث تنص الإجراءات على أنه يجب على الطرف المخل أن يمتثل فورا لتنفيذ القرار الصادر وفقا لتوصيات فريق الخبراء أو الهيئة الاستئنافية والقيام بتنفيذ ما ورد في القرار, وإذا لم يتسن لهذا الطرف العمل على تنفيذ التوصيات فورا يجوز لجهاز تسوية المنازعات في هذه الحالة منح مهلة معقولة للتنفيذ عند طلب ذلك لأي سبب من الأسباب الموضوعية. ـ البديل الثاني: التعويض, فإذا لم يمتثل الطرف للقرار الصادر بموجب التوصيات المذكورة في البديل الأول أعلاه خلال فترة معقولة, يجوز للطرف المدعي (المتضرر) طلب التعويض الذي يراه مناسبا وبما يتناسب ويتماشى مع الضررالذي حدث له. كما يجوز للطرف المخل وبعد استلامه للقرار وكتسوية للنزاع بين الطرفين أن يعرض التعويض من تلقاء نفسه, وهذا بالطبع يخضع لموافقة الطرف المدعي. ـ البديل الثالث: التفويض باتخاذ إجراء مضاد, وذلك إذا لم يلتزم الطرف المخل بتنفيذ قرار التوصيات لأي سبب من الأسباب ورفض دفع التعويض المناسب, فيجوز للطرف المتضرر في هذه الحالة أن يطلب من جهاز تسوية المنازعات تخويله باتخاذ إجراءات مضادة, وذلك من خلال تعليق التنازلات المنصوص عليها في الاتفاق أو أية التزامات أخرى بموجب الاتفاق, وذلك من أجل التأثير في تجارة البلد المخالف. عبدالقادر ورسمه غالب ـ المستشار القانوني للمصرف المركزي بالدولة