لقد غير الانتعاش في اسعار النفط منذ عام 1999 الصورة المالية لدول مجلس التعاون الخليجي. فقد تحول العجز من الموازنات إلى فوائض واصبحت الحسابات الخارجية اكثر عافية وصار الانفاق الحكومي في تزايد مضطرد. لكن على الرغم في هذا هناك تحديات رئيسية امام الدول الست يركز عليها تقرير لمجلة (ميد) الاسبوعية في عددها الاخير اذا ارادت مواكبة معدلات النمو على المدى الطويل التي تحققت في العديد من الاسواق الجديدة. وتبدو المبادرات التي تمت مؤخراً مشجعة على كل حال وتشير إلى ان الحكومات الخليجية لن تتجه إلى استخدام ارتفاع اسعار النفط لتعطيل الاصلاح الاقتصادي. وليس امراً مدهشاً هذا التطور الكبير في اداء الاقتصاديات الخليجية عقب انتعاش اسعار الطاقة, ذلك ان النفط والغاز يمثلان 30 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي و70 بالمئة من مدخول الصادرات و65 بالمئة من العائدات الحكومية. وتقدر مجموعة (ميدل ايست كابيتال) انه في حالة بلوغ متوسط سعر برميل نفط (برنت) 26 دولاراً هذا العام, ستصل عائدات النفط لدول الخليج الست 030.125 مليون دولار أى زيادة 54 في المئة عن العام 1999 واكثر من ضعف عائدات عام 1998. ومن المتوقع ان تحقق المملكة العربية السعودية عائدات نفطية تصل إلى 000.68 مليون دولار, وهو اعلى مستوى لها خلال عقد من الزمان. وقدرت عائدات الكويت بنحو 700.18 مليون دولار والامارات 800.22 مليون دولار وقطر 700.6 ملايين دولار. ومع تنامي الانفاق الحكومي وتزايد الثقة في النشاط التجاري, يبدو تعزيز معدلات النمو امراً مرجحاً. وتتوقع مجموعة (ميدل ايست كابيتال) ان يتحقق نسبة نمو تبلغ 5.3 في المتوسط لدول الخليج لهذا العام مقارنة بنسبة 2 في المئة عام 1999. وبصورة عامة من المتوقع نمو اقتصاديات دول الخليج بنسبة 6.19 في المئة, اكثر من ضعف النسبة في العام الماضي التي بلغت 1.9 في المئة. ومن المرجح ان يحقق الاقتصاد السعودي نمواً بنسبة 4 في المئة, اي ضعف ما تحقق في العام الماضي ويزداد الناتج الاجمالي المحلي بنسبة 18 في المئة مقارنة بنسبة 4.8 في المئة عام 1999. ومن المتوقع ان ينمو اقتصاد الامارات الاكثر تنوعاً بنسبة 5 في المئة. وفي الكويت التي انكمش اقتصادها بنسبة 4 في المئة العام الماضي يستعيد الوضع عافيته ومن المرجح ان يحقق نمواً بنسبة 6.2 في المئة. اما قطر فيتوقع المختصون ان تحقق طفرة قياسية في معدلات النمو بالنسبة لدول الخليج تصل إلى 6 في المئة وذلك بسبب استثماراتها الضخمة في النفط والغاز. وعلى الرغم من ان المنتجات الهيدروكربونية هي مصدر الثروة الرئيسي لدول مجلس التعاون الخليجي الا ان الاعتماد الشديد على هذا القطاع وحده يجعل هذه الدول عرضة لتقلبات اسعار النفط. وفي السعي إلى توسيع قاعدتها الانتاجية, والخروج من الدائرة المغلقة. تركزت الجهود على قطاعات لها ميزات طبيعية نسبياً مثل البتروكيماويات وصناعات الطاقة المختلفة بما فيها الالمنيوم والحديد والاسمنت. وسعت بعض الدول إلى فتح منافذ واسعة في مجالات معينة مثل الخدمات المالية والسياحة كما في الامارات والبحرين والصناعات الخفيفة كما في السعودية. ورغم هذه الجهود الا ان النمو خلال العشرين عاماً الماضية كان باهتاً, حيث سجلت دول المجلس متوسطاً في نسبة النمو بلغ نحو 5.2 في المئة خلال الفترة من 1980 إلى 1999. وهو تقريباً نصف متوسط نسبة النمو التي حققتها الدول النامية الاخرى. ونتيجة لذلك انخفض الناتج الاجمالي المحلي خلال هذه الفترة بينما ازداد بنسبة 60 في المئة في الدول النامية الاخرى. هناك عدة عوامل وراء هذا الاداء الضعيف منها: السقف المفروض على انتاج النفط الخام بموجب اتفاقات اوبيك, والعقبات امام مبادرات القطاع الخاص وتنميته, ضعف الاستثمار الخاص بسبب القيود المفروضة على تملك الاجانب للشركات. وعانى الاقتصاد كذلك من ضعف التخطيط المالي الحكومي الذي اربك انفاق الدولة وعرقل نمو النشاطات غير النفطية. وخلال فترات هبوط عائدات النفط, حاولت الحكومات المحافظة على حالة الرخاء بالانفاق من خلال عجز الموازنة. واجراءات خفض الانفاق التي استحدثت تركزت على الانفاق في المشاريع بدلاً من خفض المنصرفات الراهنة مثل فاتورة رواتب القطاع العام وتكلفة معدلات الفائدة. وقد ساهم ذلك في تعطيل مشروعات استثمار رئيسية وخنق التنمية الاقتصادية. وهناك مشكلة اخرى برزت من خلال الاعتماد على قوة هائلة من العمالة الاجنبية الآتية في الغالب من شبه القارة الهندية والفلبين والدول العربية المجاورة. لقد سيطر العمال الاجانب على نشاط القطاع الخاص بينما ركز مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي على القطاع العام. واصبح هذا الوضع غير محتمل مع بلوغ التوظيف في القطاع حدود حاجته فازدادت البطالة بين مواطني دول المجلس. وحاولت دول المجلس فرض قيود على دخول العمالة الرخيصة بتحديد نسب معينة وكان لذلك ايضاً نتائج عكسية في المنافسة بسبب الفرق في اجور العمالة الوافدة والعمالة المواطنة. لقد بدأت دول الخليج مواجهة مشكلة القصور في التركيبة. وقد توصل بعضها إلى خطط متوسطة وطويلة المدى لخصخصة مجموعة واسعة من الموجودات. وقام عدد من دول الخليج بفتح اقتصادياتها للاستثمار الاجنبي المباشر وتخفيف القيود وازالة معوقات الاستثمار. وبدأت دول المجلس ايضاً تعزيز انظمتها المالية وتقديم مبادرات لدعم نمو القطاع الخاص. وقد سنت المملكة العربية السعودية قوانين خاصة بالاستثمار الاجنبي تسمح للاجانب بالتملك الكامل للشركات والعقارات. كذلك دعت الشركات العالمية للدخول في قطاع صناعة الغاز والصناعات ذات الصلة به. وتدرس دول الخليج الاخرى ادخال مثل هذه الاصلاحات. لكن مثل هذه المبادرات تحتاج إلى تعزيز ودعم على المدى المتوسط لترفع من نسبة النمو وتحقق الوظائف بكامل طاقتها. ويحتاج الاصلاح البنيوي إلى استصحاب سياسات مالية واقعية. وقد دعا صندوق النقد الدولي في تقريره لشهر يونيو إلى انشاء صندوق رسمي لاستقرار النفط يساعد الحكومات في مقاومة ضغوط زيادة الانفاق خلال فترة ازدهار اسعار النفط كما يوقف القطع المفاجىء في الانفاق خلال فترات هبوط الاسعار. لقد حاولت دول المجلس تقليل التذبذب في العائدات باقامة موجودات خلال فترات ازدهار الاسعار, لكن الكثير من الدول مازال يعاني من تقلبات كبيرة في الانفاق الحكومي الذي يستتبع تقلبات اسعار النفط. يقول صندوق النقد الدولي ان سياسة استقرار واضحة ومحددة ستجعل السياسة المالية اكثر وضوحاً وتعزز ثقة القطاع الخاص.