كما هو الحال في كل التغييرات الكبرى, فإن فوائد مجتمع المعلومات ستجلب معها خسائر, فسوف تكون هناك اختلالات في بعض قطاعات التجارة والأعمال, كما سيغير تيسر الاتصالات والعمليات الكمبيوترية الحرة طبيعة العلاقات بين الأمم, وفيما بين الجماعات الاقتصادية الاجتماعية داخل الأمم, كذلك ستثير قدرات وتعدد جوانب التكنولوجيا الرقمية دواعي قلق جديدة حول الخصوصية الفردية, والسرية التجارية, والأمن القومي, وهناك فضلا عن ذلك, قضايا تتعلق بالعدالة ستتعين معالجتها, فمجتمع المعلومات ينبغي أن يخدم مواطنيه, وليس فقط المثقفين تقنيا والمميز اقتصاديا) . (بيل جيتس ـ 1995) يعتبر الأسلوب الحر أو الاستثمار المعلوماتي اللاحدودي أسلوباً قادراً على التخلص من الحدود الوطنية للدول على عكس كل من الأسلوب المستقل والأسلوب الموحد, وهو أقل تكلفة, ولا يحتاج إلى وسطاء ووكلاء, فهو أسلوب, يقوم على أن من يملك المعلومة, وما يتفرع عنها من حقوق ملكية, سواء كانت فكرية أو تجارية أو صناعية أو مجموعة خبرات ودراية عملية, ليقوم بعد ذلك, باستثمارها واستغلالها عن طريق عقود الترخيص وعقود الفرانشايز. فهذا الأسلوب يوفر المصاريف والنفقات, ويمتع المستأثر به بميزة تنافسية, وهو طريق سريع للثراء, وهو أسلوب يعتبر فرصة لمضاربنا بالإدارة ليصبح مضاربا بالمعلومات, وعليه يجب التركيز على ما يلي: ـ الملكية الفكرية والمصنفات الفكرية وحقوق المؤلف بشكل عام, وما يتفرع عن ذلك من تجارة إلكترونية, والإطار القانوني لها سواء على الصعيد الدولي أو المحلي. ـ الملكية التجارية, وهي العلامات التجارية سواء كانت على الصعيد العالمي أو الإقليمي من حيث بحث قوانين دول الخليج المنظمة للعلامات التجارية, وكذلك بحث عقود الترخيص باستعمال علامة تجارية. ـ الملكية الصناعية, وما يتفرع عنها من براءات اختراع, وشهادة معرفة, ودراية عملية سواء كان على الصعيد العالمي أو على الصعيد الإقليمي, وذلك عن طريق المقارنة بين جميع قوانين الدول الخليجية في هذا المجال, وسنبحث أيضا عقود الترخيص باستغلال براءة الاختراع والدراية العملية. ـ عقود الإدارة, نظرا لكون هذه العقود تقوم على أساس الخبرات المتراكمة, والمعلومات التي تتحكم بها الشركات أو الناس, فأصبحت مجالا خصبا للاستثمار والاستغلال. ـ عقود الفرانشايز, والتي أصبحت تمثل درجة كبيرة من السيطرة والهيمنة تحت ستار ما يسمى شراكة إدارية, وما هي إلا بيع لأساليب وطرق وتشغيل, تم تطويرها من قبل شركات متميزة, وأصبحت ذات سوق رائجة في العالم. ونبدأ أول ما نبدأ بالنسبة للأسلوب الحر الذي لا يعرف الحدود, والقائم على التدفق المعلوماتي, بالملكية الفكرية وحقوق المؤلف والنشر. الملكية الفكرية للمصنفات الفنية وحقوق المؤلف لا شك أن الأفكار والملكية الفكرية مهمة, وللتدليل على أهمية الملكية الفكرية, فإننا نورد بعض الأرقام فيما يتعلق بنوع واحد من أنواعها وهو مـا يسمى بالبرمجيات, تعتبر صناعة البرامج في الولايات المتحدة ثالث أكبر الصناعات, بنمو يزيد على الضعفين, ويعمل بها ما يقارب 4 ملايين شخص, وتقدر الضرائب المفروضة عليها لعام 1996 بحوالي 15 مليارا, ومتوقع أن تصل الضرائب عام 2005 إلى 25 مليارا, وفي أوروبا أسهمت الصناعات المتعلقة بحماية الملكية بنسبة 5.7% عام 1996 من الناتج القومي. أما عن الخسائر بسبب القرصنة طبقا لدراسة WBSA/IPR /98, فقد بلغت 190 مليون دولار في المنطقة, وبلغت الخسائر العالمية 11 مليارا في عام ,1997 وفي أمريكا اللاتينية وطبقا لدراسة قامت بها برايس ووترهاوس بلغت القرصنة نسبة 68% عام 1996 ووفرت وظائف لحوالي 000.300 شخص مع أن هذه الأرقام قديمة نسبيا, إلا أنها مؤشر على أهمية المعلومات والبرامج والأنظمة, والتي تتبلور حولها الملكية الفكرية, وهو ما يطرح السؤال حول ما أن الموجة موجة خدمات أم معلومات؟ موجة معلومات أم خدمات قد تكون الحدود الوطنية لكل دولة مهمة, بالنسبة لكل من أسلوبي العولمة التقليدين, الأسلوب الموحد والأسلوب المستقل, ولكن الحدود الوطنية بالتأكيد ليست مهمة بالنسبة للأسلوب الحر أو أسلوب استثمار المعلومات اللاحدودي. لقد كان القرن العشرين قرن تجارة الخدمات والصناعات والسلع والمنتجات عن طريق الأساليب التقليدية, ولكن بالتأكيد, فالقرن الحادي والعشرين, سيكون معتمدا على اقتصاد جديد يقوم على التكنولوجيا بشكل عام, وبشكل خاص سيقوم على تكنولوجيا المعلومات, والنظام الرقمي والاتصالات, والإعلام, والحقوق المعنوية بشكل عام, وحقوق الملكية الفكرية والصناعية والعلامات التجارية, وحقوق المؤلف, وحقوق نسخ وإعادة نسخ والإنتاج, لأي عمل فكري سواء كان عملا منشورا على الورق أو كان عملا منشورا على بدائل الورق, وعلى شكل بيانات, ومن خلال شبكة المعلومات الدولية الانترنت. قد يقول البعض أن ثورة المعلومات والثورة الرقمية, كانتا تميزان العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين, وهذا الكلام برأيي محل نظر, فالعقود الثلاثة الأخيرة, لم تتميز بما يوصف بثورة المعلومات, وقد يستغرب البعض, ويقول أن صاحب هذا الرأي يغرد خارج السرب. موجة خدمات مالية لو تأملنا العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين لوجدناها تتميز بالخدمات بشكل عام, وبالخدمات المالية بشكل خاص, فالثورة لم تكن ثورة معلومات بقدر ما كانت تطور في الخدمات المالية والمصرفية, وبشكل خاص الخدمات الائتمانية المتمثلة ببطاقات الائتمان التي نمت في أمريكا وأوروبا, وامتدت إلى دول العالم الأخرى, وهذه البطاقات لم تولد في أحضان البنوك, فالبنوك مجرد وكلاء لتسويق هذه البطاقات, ووعاء لتسوية حسابات حاملي هذه البطاقات, لقد ولدت في أحضان شركات مالية واستثمارية وتجارية, وانتشرت هذه البطاقات منذ عشرين سنة, ولو قمنا بفتح محفظة أي موظف لوجدنا فيها بطاقة ائتمان أو أكثر, مع أن نسبة الفوائد على استعمال هذه البطاقات مرتفعة جدا, وأصبحت مشكلة الائتمان مشكلة تؤرق الكثيرين, فلم تعد تعرف, ما شكل النقد والمال الذي تتعامل فيه, فمعظم التعاملات الخاصة بالسفر والإقامة في الفنادق, والشراء من المحلات الكبيرة, يكون بواسطة بطاقات بلاستيكية, وأصبحت أمريكا, وهي أقوى دولة في العالم اقتصاديا, يؤرقها الدين والائتمان والتضخم الائتماني. لقد تميزت العقود الثلاثة بتطور الخدمات المالية المصرفية والائتمانية, وبنمو الاقتصاد وتضخمه, وحملت أيضا تغييرا في موازين القوى, وقد لا تكون الشركات المتعددة الجنسيات أو العابرة للقارات أو العالمية, هي من يملك موازين القوة, لأن هذه الشركات نفسها مملوكة لمساهمين, ويتم تداول أسهمها في البورصات وأسواق المال على مدار الساعة, بحيث يتيح هذا التداول لقيام ترسات المال وصناديق الاستثمار, وشركات توظيف للأموال. قد لا نبالغ إذا قلنا, أن القوة تتبع المال, وتتبع صاحب ومالك المـال, وعند ما تتغير الملكية تتغير القوى وتتحول السلطة, ولنأخذ أمثلة من القرآن والتاريخ, فآدم عليه السلام, كان أحد أسباب خروجه من الجنة, هو البحث عن ملك لا يبلى, بمعنى آخر البحث عن الثروة والمال (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) [سورة طه الآية: 120 وبعد أن عصى آدم تعليمات الله عز وجل واتبع وسوسة الشيطان, كان حكم الله أن يهبط الجميع على الأرض, ليكون آدم, ومن بعده ذريته, ملاك وأمناء على الأرض. أما بالنسبة للأمثلة التاريخية فأوروبا في العصور الوسطى, كانت الملكية فيها تتركز في يد الكنيسة, ويد طبقة من النبلاء والإقطاعيين, وكانت هذه الفئات هي الوحيدة القادرة على الحصول على المعلومات, فالكتب كانت للأغنياء فقط, ولكن بعد اختراع آلة الطباعة, انتشرت المعارف والمعلومات, ونجحت ثورة البروتستانت على الكنيسة, وتغيرت المفاهيم, وتغيرت الملكية في أوروبا مـن يد النبلاء والإقطاعيين والكنيسة إلى يد الفلاحين والعبيد, وأصبح هناك قرى ومدن وتكونت ببطء أثناء الثورة الصناعية, الطبقة الوسطى, والتي عملت بالمنـاجم وبالتعدين وبالمصانع, وبدأت رحلات الاستكشاف من أجـل الحصول على المواد الخام الرخيصة, والسيطرة على الطرق والبحار. ان الطبقة الوسطى عندما صار لديها المال والرفاه, أخذت تتأفف عن العمل اليدوي المرهق, ولأن قانون الطبيعة يأبى أن يكون هناك فراغ, ولا بد أن يحل محل تلك الطبقة أو فئة أخرى, عملت تلك الطبقة على تسخير شعوب أخرى من دول العالم الثالث للقيام بذلك. ولو انتقلنا إلى العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين, لوجدنا أن الطبقة الوسطى, أصبح لديها مدخرات ووفرة من المال, وقلت معدلات الوفاة, وزاد متوسط عمر الإنسان, وأصبح هناك مؤسسات تقاعد وضمان اجتماعي, ومال مكنوز, فكانت شركات استثمار الأموال وشركات تجميع الأموال وصناديق الاستثمار والترست, توظف هذه الأموال في أسواق الأسهم, وهذه الصناديق والشركات, هي المالكة الفعلية مع الكنيسة, للملكية المعاصرة, فهذه الصناديق تملك حوالي 40% من الشركات الموجودة في العالم, وحوالي 60% من أسهم الشركات العالمية الكبيرة, وقد بدأت هذه الصناديق والشركات في أمريكا في أواسط السبعينات من القرن العشرين, طبقا لما ورد في كتاب Unseen Revolution والذي صدر عام 1975 وأعيد إصداره في عام 1995. لقد كان هناك تغيير بالمفاهيم, فالمال والتكنولوجيا, أصبحا يعبران الحدود, وأصبحت هناك بؤر في العالم, وكيانات صغيرة تدعى المناطق الحرة, وهناك دول صغيرة ودول كبيرة, ولكل واحدة جيش وسلطة, وبنك مركـزي ونظام ضريبي, فلا يوجد بنك مركزي عالمي, يتحكم بتدفق النقد, ولا نظام ضريبي عالمي, ولم تتأثر سيادة الدول رغم اهتزازها حتى الآن, فلا عولمة سياسية حتى الآن, وإن كان هناك بدايات ومحاولات لوضع أسس للعولمة الثقافية, والتي هي أخطر من جميع أنواع العولمة, بما في ذلك العولمة السياسية والعسكرية المباشرة, لأن العولمة السياسية من وسائل العولمة الثقافية, التي تحاول فرض الثقافة الأمريكية, واللغة الإنجليزية على كل من يستعملها, ولا ننكر أن هناك بدايات أخرى للعولمة التجارية والإدارية والقانونية في قطاعات كثيرة كالاقتصاد والمعلومات والمال والمنازعات القضائية, ومع ذلك تبقى الأسواق المحلية, والاقتصاد المحلي الذي تشرف عليه الدول والحكومات هو المجال الخصب للاستثمار, فالحكومات عبارة عن محصل للثروة والمال, ومعيد لتوزيع المال, فقطاعات كقطاع الصحة وقطاع التعليم وقطاع التربية والسياحة والترفيه, هي من أكثر القطاعات نموا في أي دولة من الدول, فالتعليم إلزامي, ومن يكمل التعليم الثانوي لا بد من أن يكمل ذلك بالتعليم الجامعي أو المعاهد, وقطاع الصحة مهم جدا, فالمستشفيات والصيدليات والتأمين الصحي والرعاية الصحية مسائل تهم كل شخص, ولا بد من منتجات كالأدوية والعقاقير والأدوات الصحية اللازمة للخدمات الطبية, أما السياحة والترفيه, فقد توسعا توسعا مذهلا سواء من الناحية الإنتاجية أو من ناحية الصرف, وسواء كان داخل المنزل أو خارجه, وهذه القطاعات هي قطاعات رئيسية مستهلكة للخدمات والسلع والمنتجات, وجميع هذه الخدمات والقطاعات لا تتأثر لا بقوى السوق ولا بحساسية السعر ولا حتى بقانون الطلب والعرض, ويذهب Peter Drucker (1999) للقول بأنه باستثناء أوقات الحرب, فإن الحكومات تساهم في إعادة توزيع 30 إلى 50% من الدخل القومي. إن ما يميز العقد الأخير من القرن العشرين, أن المعلومات لم تعد تخضع لقانون الندرة, وهنا على حد تعبير Peter Drucker (1999) سوف يكـون هناك تحول من Scarcity Theory إلى Abundance Theory فالمعلومـات تزداد قيمتها بمقدار الناس الذين يحصلون عليها, وتزداد قيمة الفاكس والهاتف بمقدار زيادة الناس الذين يمتلكون الهواتف والفاكسات, وتزداد الإنترنت وأهميتها وقيمتها بمقدار زيادة عدد المشتركين والمستخدمين لها, على خلاف معدن الفضة والأحجار الكريمة والذهب, التي كلما قل الموجود منها في الأسواق, كلما زاد سعرها وقيمتها, هذا يعني أن هناك تحولا في المفاهيم والنظريات الاقتصادية مما يستدعي معه مراجعة كثير منها. فوضى المعلومات والحقوق المعنوية والفكرية لقد سبقت فوضى الحقوق المعنوية سواء كانت براءات اختراع أو علامات تجارية أو معرفة فنية أو تقنية أو ملكية صناعية, الفوضى الناجمة عن تدفق المعلومات والبيانات, لقد استغلت دول مثل اليابان والصين ومعظم دول جنوب شرق آسيا, تلك الفوضى في بدايات القرن العشرين وأواسطه, واستطاعت أن تخلق بنية صناعية واقتصادية من خلال تلك الفوضى, وذلك القصور في التنظيم القانوني لتلك الحقوق, مما جعلها في مركز, نتمنى أن نصل إليه, وما نحن بواصلين اليه, لأن تلك الفوضى قد نظمت سواء على الصعيد الجماعي والدولي أو على الصعيد المحلي للدول أو الفردي لملاك تلك الحقوق, وأصبحت هناك قوانين للعلامات التجارية, وقوانين لبراءات الاختراع, وقوانين ومعاهدات واتفاقات دولية لحقوق الملكية المعنوية بشكل عام, وتم هيكلة وتأسيس منظمات دولية تقوم بتطبيق تلك الاتفاقيات الجماعية والمعاهدات الدولية للحد من التقليد أو من يستعمل تلك الحقوق بدون إذن أو بدون عقد ترخيص, فأصبحت عقود الترخيص لاستعمال العلامات, واستغلال البراءات أو استعمال حقوق المؤلف والطبع, وعقود الفرانشايز التي تضم مجموعة عقود في عقد واحد, من آليات العولمة التي تتخطى الحدود لتحصل الأتاوات والنسب من المرخص لهم, والمتلقين في عقود الفرانشايز. أما بالنسبة للمعلومات والبيانات التي تنساب من شبكات المعلومات ومن الإنترنت بالذات, فما زالت الفوضى الناجمة عن الحركة المتسارعة منها تتيح الفرصة لاستغلال هذه المعلومات والبيانات, فالمعلومات ليس لها مستعمل نهائي, والمستعمل النهائي لا يعتمد على معلومة واحدة معينة ومحددة, وهو ما يعني أن أية تقنية أو تجديد سيعتمد على مجموعة معلومات ومعارف, ويتم تأليفها وتطويرها للخروج بشيء جديد, وهنا فرصة للمضارب بالإدارة ليتحول إلى مضارب بالتكنولوجيا ومضارب بالمعلومات, فشبكة الإنترنت وما بها من معلومات متدفقة, لا تشمل بالكاد 2% من العالم, والباقي 98% من العالم لم يشترك بعد بشبكة الإنترنت, فبرغم انتشار الكمبيوترات والمعلومات الرقمية, فإن الكتب المطبوعة في أمريكا في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين, ارتفعت وزادت بشكل سريع, وفي ألمانيا, وهي أكبر سوق عالمي للصحف, يوزع بها حوالي 31 مليون جريدة, ومستوى القراءة فيها مرتفع جدا, حيث تبلغ نسبة القراء للصحف فيها 80% من عدد السكان, أضف إلى ذلك, أن الذين تتجاوز أعمارهم أربع عشرة سنة, يقرأون صحيفة واحدة على الأقل يوميا, وهذه الأرقام فتحت شهية كل من مجموعة بيرسون التي تصدر الفاينانشال تايمز لتصدر طبعة من الجريدة في اللغة الألمانية في ألمانيا, وكذا الأمر بالنسبة لصحيفة وول ستريت جورنال. إن موجه المعلومات ليست بموجه جديدة, فمنذ إعادة اكتشاف نظم الكتابة قبل ستة آلاف سنة, وظهور الكتب المكتوبة في الصين سنة 1300 قبل الميلاد, ثم اكتشاف الطباعة سنة 1450م وموجات وثورات المعلومات تتعاقب محدثة تغييرا جذريا في العالم, وتاركة هامش من الفوضى لمن يستطيع أن يستغل تلك الفوضى والقصور ويصبح صاحب معلومة. لقد زادت الكلمة المسموعة من انتشار التعليم والمعلومات, وزادت انتشارا عام 1950 عند ما انتشرت الكلمة المسموعة والصورة المشاهدة, واستعمل الناس التلفاز, حيث اعتقدوا أن الكتاب المطبوع سوف يختفي, ومع ذلك, فإن الكتب المطبوعة ورقيا تضاعفت, والجامعات والمعاهد زادت, وانتشرت وتعولمت, وزادت بشكل إضافي نسب توزيع بعض المجلات فمجلة مثل مجلة Forbes توزع حوالي مليون نسخة من كل عدد. المنشورات الإلكترونية والرقمية ينافس هذا الزخم من المطبوعات الورقية, القادم الجديد, ألا وهو المنشورات الرقمية والإلكترونية, فمع أن نسبة مستخدمي الإنترنت لا تزيد عن 2% إلا أن بعض الدراسات والتقارير تشير إلى أن عدد مستخدمي التجارة الإلكترونية عام 2002 سيصبح حوالي 58 مليون مشترك (تقرير دراسات إنترنت جو بيتر 99). وزاد الطلب على التشبيك والمعاملات الإلكترونية, والتي بدأت عام 1996 وهذه التكنولوجيا تساعد الأسواق الرقمية والصناعات المستقبلية والتشبيك وخدمات الاتصالات, والتجارة الإلكترونية, والخدمات المالية والبنوك وبطاقات الائتمان, وهذه المنتجات تنمو بنسب نمو كبيرة تصل طبقا لبعض التقارير إلى 29%. وتظاهر هذه المنتجات, منتجات أخرى, بتكنولوجيا متقدمة, وذلك لمساندة وتعزيز معاملات التجارة الإلكترونية وهذه المنتجات والخدمات والأنظمة, تتراوح ما بين التشفير السري, وخدمات إيجاد إطار قانوني وذلك لتعزيز ثقة وفقه وفهم المستهلك, ولحماية ما ينشر من بيانات ومعلومات. لا شك أن هناك أزمة أمان وثقة في جيل الكمبيوترات والهواتف المتحركة وأجهزة الإنذار, وفي حال استمرار هذه الأزمة, فإن المستهلك سيعود إلى التسوق التقليدي المباشر ويعود المؤلف إلى النظام الورقي, أضف إلى ذلـك ان الأعمال الصغيرة والمتوسطة سوف لن يكون بوسعها تحمل تكلفة تركيب أجهزة وأنظمة للحماية وللتشفير, وذلك سيزيد من التكاليف, بالإضافة إلى أن كثيرا من أجهزة الحماية والتشفير غير مسموح بتصديرها إلا برخصة, وإذن مسبق من FBI في الولايات المتحدة, وما تمارسه FBI من رقابة إقليمية, ورقابة على الصادرات, وفي غياب مثل هذه الأجهزة, فإن بمقدور أي حدث مغامر هاو, يستطيع بلعبة قوامها الصفر, أن يقامر بـالأمن الوطني لأية دولة سواء باختراق شبكات محطات الكهرباء أو المياه أو بالمصالح التجارية والمالية من بنوك وغيرها, وذلك بطريقة عشوائية, فالسوق واقع تحت تغيير جذري, الأمر الذي يجب أن يراجع المرء فيه حاجاته وحقه في سياسة واستراتيجية معينة لحماية حياته الشخصية, فهناك معلومات وبيانات, يجب أن لا يطلع عليها الآخرون إلا بإذن وتفويض, وهناك خصوصية لكل إنسان يتوجب حمايتها, ويتوجب حماية البيانات والمعلومات التي تقوم عليها التجارة الإلكترونية من جيل الجنود السيبرانيين وجنود وقراصنة المعلومات والإنترنت, والمزودين بالفيروسات والأسلحة الإلكترونية ـ إن جاز التعبير ـ ونقصد بذلك جهاز كمبيوتر وموديم, فمثل هذا الشخص يستطيع, أن يعيث فسادا وأضرارا سواء كان في قطاعات حيوية كالكهرباء وشبكات الهاتف, وقواعد المعلومات, كل هذا يدعونا لبحث التجارة الإلكترونية, قبل أن نبحث آليات وأدوات أسلوب الاستثمار الحر أو اللاحدودي. تعتبر التجارة الإلكترونية, قطاعا مهما ورئيسيا من الأنشطة التي تمارس من خلال الإنترنت, وما يتبعها من التجهيزات الخاصة بالبنية التحتية, سواء كانت الكمبيوترات أو الشبكات الدولية, وشركات الاتصالات التي تؤمن الاتصال بين الشبكات, والشركات التي توفر البرامج المعلوماتية الخاصة بالإنترنت, وتشمل التجارة الإلكترونية أنشطة مختلفة مثل الإعلان والترويج والتسويق وتبادل رسائل البيانات الخاصة بعقود الصفقات, والمعلومات التي يتم شراؤها واستعمالها والأدوات الإلكترونية, ومحركات البحث وغيرها. أما القطاع الآخر, فهم الوسطاء والسماسرة الذين يقربون الصفقات بين المشترين والبائعين, والذين عملوا منافذ للعبور, والبحث من أمثال شركة ياهو. كما قلنا, فإن القطاع المهم والرئيس, هو التجارة الإلكترونية التي تقوم بها الشركات التي تستخدم شبكة الإنترنت بشكل كلي أو جزئي لتسويق منتجاتها أو خدماتها, وذلك كشركة أمازون لبيع الكتب. قبل عام 1996 لم تكن التجارة الإلكترونية معروفة وموجودة, إلا أنها نمت بصورة سريعة, وتعتبر الأكثر نموا, فلقد وصلت في بدايات عام 1999 إلى 37 مليارا, ومن المتوقع أن تصل في نهاية 1999 إلى 176 مليارا, بالإضافة إلى وجود مليون شخص يعملون في إطار التجارة الإلكترونية. أنواع التجارة الإلكترونية نستطيع أن نقسم التجارة الإلكترونية إلى عدة أقسام: ـ التجارة الإلكترونية غير المباشرة, وهي تمثل الدعاية والإعلان والترويج والتسويق سواء للشركة أو لمنتجاتها وخدماتها أو حتى لشخص طبيعي يرغب بفتح موقع له لنشر مقتطفات من أعماله أو ليعبر عن موقف أو اتجاه معين. ـ التجارة الإلكترونية المتمثلة في تبادل رسائل البيانات المتعلقة بالعروض والمفاوضات وإبرام العقود وتحويل الدفعات, وجميع هذه العمليات تحـدث إلكترونيا أو رقميا, ويكون موضوع محل الصفقات, إما كتبا أو أجهزة أو ملابس أو عروضا, فيتم إرسالها وتسليمها بالطرق التقليدية في العالم الحقيقي, وليس الافتراضي, وهي مرحلة لم يتوصل إليها عقل الإنسان, وإن كانت قد حدثت في التاريخ مرة واحدة في عهد النبي سليمان (عليه السلام) عند ما أحضر الذي عنده علم من الكتاب, عرش ملكة سبأ قبل أن يرتد طرف سيدنا سليمان إليه, وعند ما سئلت الملكة بلقيس عن العرش الذي تم تنكيره, قالت: كأنه هو, وهذه المسألة, وفق أحد الأبحاث التي قام بها المؤلف تعد آخر مرحلة لطاقة العقل البشري الذي سوف يتجاوز مسألة نقل المعلومة والصورة في سرعة الضوء إلى نقل خصائص ومواصفات الأشياء المادية والحسية وتسليمها في العالم الافتراضي, وكأنها قد سلمت في العالم الحقيقي. ـ الأعمال الإلكترونية الرقمية التي تمارس بين أشخاص غير تجار سواء كانوا من أشخاص مدنيين أو أشخاص عاميين سواء كانت مؤسسات حكومية أو جمعيات ذات نفع عام, وهو ما يطلق عليه الآن تعبيرات كالحكومة الرقمية, والعالم الرقمي. ـ التجارة الإلكترونية المباشرة, وهي التي تشمل نقل المنتجات من خلال الإنترنت بصيغة إلكترونية, وهي عبارة عن نسخ لأعمال ومصنفات فنية ذات حقوق متعلقة بها, وهذا النوع هو الذي يثير المخاوف والمحاذير من حيث إمكانية نسخ هذه الأعمال, وإعادة إنتاجها بدون ترخيص أو إذن, وهي واحدة من أخطر سلبيات التجارة الإلكترونية, ومع ذلك فإن هناك سلبيات أخرى للتجارة الإلكترونية. سلبيات التقنيات الرقمية والتجارة الإلكترونية كما أشرنا آنفا, إن أهم سلبية للانترنت, هي أنها مجال خصب للنسخ وإعادة الإنتاج كما انها تعتبر مجالا خصبا للتجسس والحروب التي تغير مفهومها, فالجاسـوس التقليدي المتخفي بأدوات التخفي التقليدية, أصبح جاسوسا لعبته الكمبيوتر وكل ما هو متعلق بالتقنيات الرقمية, سواء كان الإنسان الآلي والتكنولوجيا والمجسات والاتصالات الآنية واللحظية. ـ لا تعتبر طريقة آمنة للدفع, بالرغم أن خبراء الإنترنت يؤكدون أن الصفقات التجارية من خلال شبكة الإنترنت أكثر أمانا مقارنة بالطرق العادية, ومنها بطاقات الائتمان, فعند ما تدفع بدل ما تتسوقه عن طريق بطاقة الائتمان, ينتج عن تلك العملية إيصالا ورقيا, وهذا يعرضك للاحتيال, وفي هذه الحالة يعتبر التسوق عبر شبكة الإنترنت أكثر أمانا, لأن البنك الذي لديه الحساب فقط, هو الذي يسجل رقم الحساب, ولا ينكشف الرقم لغير موظفي البنك (نيكولاس بيترلي, نوفمبر 1999 حوار منشور في البيان). لا نستطيع أن نوافق نيكولاس على رأيه, حتى التسوق عبر الإنترنت, والذي يتطلب التجول بين المواقع المختلفة, فإن كل موقع يشترط الدفع ببطاقات الائتمان, وهو ما يعني الإفصاح عن رقم بطاقة الائتمان حتى يتم تحويل المبلغ إلى حساب التاجر أو الشركة, وهنا يتعرض المتسوق للاحتيال والنصب من قبل لصوص الإنترنت والقراصنة. ـ عدم رضا العملاء عن التجارة الإلكترونية لصعوبة التعامل مع التكنولوجيا, وأجهزة الكمبيوتر. ـ هيمنة اللغة والثقافة الانجلو أمريكية على العالم, وهو ما يعني أن مـن لا يتقن اللغة الإنجليزية, فسوف يقع في المشاكل الناتجة عن القصور اللغوي. ـ النقص والقصور التشريعي لمجالات التجارة الإلكترونية, وصعوبة جمع الأدلة والإثباتات عند ما ينشأ نزاع ما, إلا إذا ما أصبح الكمبيوتر نفسه دليلا. ـ زيادة الطلب على سعة الشبكات, وتحديث البرامج والموديمات وأجهزة الكمبيوتر, والحاجة إلى برامج لحماية المعلومات والبيانات, وهذه مشاكل وسلبيات تؤدي إلى زيادة التكلفة. ـ تتردد بعض الدول الكبيرة, كالولايات المتحدة في وضع سياسة عامة لرقابة عالمية بدون رقابة على الصادرات, حيث تجعل الرقابة على الصادرات, التكنولوجيا غير محايدة, فكثيرا من المنتجات اللازمة لحماية البيانات وللتشفير غير مسموح تصديرها خارج الولايات المتحدة.