تثبت الأوضاع الحالية في دولة مثل الصين أن العولمة بالفعل لها وجه إنساني, وهي القضية التي تشغل بال وفكر الكثيرين في وقتنا الحالي. فنجاح الصين غدا أمرا غير قابل للجدال, فهناك متوسط معدل النمو الاقتصادي السنوي الذي بلغ 6.9%, وتضاعف دخول الأفراد بما يعادل أربع مرات خلال العقدين الماضيين, والزيادة التي وصلت 13% في مستوى الصادرات والاستثمارات الأجنبية المباشرة. إلا أن الأهم من هذا كله هو التقدم والتطور الذي مرت به حياة الشعب في هذا البلد الآسيوي, وهو الأمر المتمثل في ارتفاع متوسط الأعمار وانخفاض معدل وفيات الأطفال بنسبة 55%, وانخفاض نسبة الأمية بين الكبار بمقدار 50%. وأكثر من ذلك نجد أنه منذ العام 1978 ومنذ انفتاح الصين على العالم الخارجي, خرج نحو 400 مليون صيني من تحت حزام الفقر. فهل بالفعل تمثل التجربة الصينية درسا للدول الأخرى؟ في اعتقادي الشخصي أنها بالفعل تقدم درسا مفيدا ودليلا دامغا على التأثير الإيجابي للعولمة, لاسيما في هذه الفترة التي تدور فيها مناقشات حامية حول ما إذا كانت العولمة أمرا يفيد الدول النامية أم لا. فنحن جميعا نعرف أنه خلال الثلاثة عقود الماضية, وبينما أخذت خطى العولمة في الإسراع وتلاشت الحدود بين دول العالم, حدث تقدم لعدد كبير من الشعوب بدرجة فاقت أية مرحلة أخرى ماضية من التاريخ البشري. ولكن ينبغي أن ننتبه هنا إلى أن العولمة ليست بالأمر أو التيار الجديد. فربما كان المصطلح نفسه جديدا, ولكن المفهوم كان ولا يزال جزءا من التاريخ الإنساني من القرون الأولى عندما كانت الشعوب مبعثرة ثم أخذت تدريجيا في الاندماج وتكوين علاقات معقدة وممتدة ومتشعبة. وواقع الأمر يشير إلى أنه كانت ـ ولاتزال ـ هناك حالات من المد والجزر تنتاب عملية العولمة هذه عبر العصور. وتأكيدا لهذا فإن البحار الصيني زينج هي يعتبر رائد العولمة, لما قام به من رحلات أسطورية في القرن الخامس عشر من الصين إلى أفريقيا, عابرا قارة آسيا ومحطما كل القيود والحدود التي قابلته, فاتحا بذلك الباب أمام العلاقات بين الصين ونحو 35 دولة أخرى. وإذا نظرنا إلى القرن الثامن عشر ثم التاسع عشر وأوائل القرن العشرين, نجد ما يعتبره الاقتصاديون أول موجة حقيقية للعولمة, وهي الموجة التي أتت بها الثورة الصناعية. فواقع الأمر هو أن العديد من هؤلاء الاقتصاديين يعتقد أن مستوى الاندماج العالمي في أوائل القرن العشرين يعكس ما يمر به العالم حاليا, على الرغم من اختلاف القاعدة. فهذا الانفتاح التجاري والصناعي الذي نراه الآن في الدول المتقدمة كان بطيئا في أوائل القرن العشرين, حيث عانى العالم من حالة من الانغلاقية والصراعات والكساد. وخلال الخمسين عاما الأخيرة, قويت خطوات العولمة ومضت في تقدمها, وفي فترة الثمانينات والتسعينات تسارعت هذه الخطوات بشكل كبير, ونمت لتحتضن بجانب المجالات التجارية الأسواق المالية والآن مجال المعلوماتية والتكنولوجيا. وعلى نحو متناقض نجد أنه على الرغم من تزايد الفرص وسهولة التوصل إلى المعرفة, هناك زيادة في مستويات الفقر وعدم المساواة وعدم تكافؤ الفرص. ولذا فإن تسوية هذه المشكلة ودخول الفقراء إلى عالم الفرص المتزايدة الذي نعيش فيه الآن, يعتبر هو التحدي الأكبر للفترة الحالية التي يعيشها المجتمع الدولي. وبصورة أو بأخرى تبين أن الأزمة الأخيرة التي عصفت بالاقتصادات الآسيوية, تعتبر صورة مصغرة لهذا التحدي الذي نواجهه. فالمشكلات المالية التي عانت منها دول شرق آسيا في نهاية العام 1997 وصفت بأنها أولى أزمات العولمة. وبصرف النظر عن قبولنا أو رفضنا لهذا الوصف, فما من شك في أن الأزمة كان لها تأثير مدمر على ملايين من الفقراء الذين يعيشون في المنطقة, وبالتالي فإن علينا أن نتعلم من هذه الأزمة. وأحد أكبر الدروس التي يجب أن نتعلمها من هذه الأزمة هي أنه عندما تعمل الدول على زيادة النمو وقدرتها التنافسية داخل نطاق الاقتصاد العالمي الجديد, عليها أن تكمل مساعيها هذه بمراعاة البعد الاجتماعي المتمثل في الاعتناء بالفقراء والفئات الضعيفة من الشعب, وتوفير السياسات والمؤسسات التي تساعدهم على رفع مستوياتهم. وتشير الإجراءات التي اتخذتها دول آسيوية عدة إلى أن هذه الدول وعت بالفعل الدرس, حيث تقوم هذه الدول الآن بدعم وتقوية برامج التكافل الاجتماعي وتوسيع قاعدة المعاشات, ومساعدة هؤلاء الذين لا يجدون وظائف, وإعادة هيكلة القطاعات المالية وتحسين المستوى الإداري, والاهتمام بمستوى التعليم, والعمل على القضاء على الفقر. وقد انعكس كل ما سبق إيجابيا على هذه الدول التي استطاعت أن تجتاز الأزمة بسرعة غير متوقعة, وإذا حافظت دول شرق آسيا على معدل النمو الحالي الذي يتراوح بين 6 و7%, وإذا تم توزيع ثمار هذا النمو بنسب متساوية, فإن عدد الفقراء في المنطقة يتوقع له أن ينخفض من 280 مليونا, وهو عدد الفقراء في الفترة الحالية, إلى ما بين 50 و70 مليونا بقدوم العام 2008. إن أكبر تحد يواجهنا الآن في الألفية الجديدة هو التأكد من أن الإنجازات والتطورات الضخمة التي نشهدها في مجالات العلم والتكنولوجيا والمعرفة تستخدم لصالح البشرية, وبالأخص لصالح مجهودات مكافحة الفقر. فتجارب دول مثل الصين وشرق آسيا تشجعنا وتمثل حافزا كبيرا لكيفية الاستفادة من قطار العولمة, وتطويعها لما فيه الخير لمصائرنا ومصائر شعوبنا. ففي شرق آسيا هناك تغييرات عميقة وجذرية تحدث في جميع أنحاء المنطقة عقب ما ألم بها من أزمة مالية طاحنة, والآن تشهد المنطقة هناك ظهور شرق آسيا جديد بسياسات ومؤسسات أقوى قادرة على إدارة الأزمات ومواجهة الأخطار, وتتمتع بهامش أمني يحمي الفئات الضعيفة. الشواهد إذن تشير إلى أن العمل الجاد بدأ في جميع أرجاء العالم نحو هذا الاتجاه, إلا أنه لا يوجد شك في أن دول شرق آسيا, بحكم خبرتها مع العولمة, خطت خطوات أكبر من غيرها ليس فقط لتكون أسرع مناطق العالم نموا, ولكن أيضا لتشهد أكبر معدل للقضاء على الفقر في العالم. سفين ساندشتروم - مدير البنك الدولي